«مباهجُ الانتحار الإحدى عشرة، وقياسُ المراوَغات في أحوال جلال الدين الرومي»: رواية جديدة من سليم بركات

حجم الخط
0

 باريس ـ «القدس العربي»: الشاعر والروائي السوري الكبير سليم بركات، كعادته منذ سنوات الآن، خصّ «القدس العربي الأسبوعي» بأجزاء من روايته الجديدة «مباهجُ الانتحار الإحدى عشرة، وقياسُ المراوَغات في أحوال جلال الدين الرومي»، التي تصدر قريباً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في 500 صفحة. هذه هي الرواية الـ30، فضلاً عن 25 مجموعة شعرية، وكتابَين في السيرة.

وقائع الرواية تجري في شبه جزيرة من بلد غريب الجغرافيا قليلاً، اسمه «إيلانتِس»، كان في ماضيه مملكة. عواصف غبار شبه دائمة. أرض من تراب بركان قديم، بشواطئ شديدة الانحدار على بحر منخسف المستوى. تفاصيلُ نشوء الدولة ومواردها في ذلك المكان المنعزل تجعلها أليفة، يتمتع بخصائصها سكان الدولة وزوارها للاستجمام في المنتجعات على ضفاف بحيرتها، ولزيارة البركان استمتاعاً بمعالمه.
لا شيء يبدو مأساوياً في طرق المعيشة ونظام الحكم. إلاَّ أن شخصاً يُدعى «سِيْكيْن» مهووس بماضيها حين كانت الدولة مملكةً. يعيش أوقاتاً في ذلك الماضي بذاكرته التي كأنها تحتفظ بسجلٍّ من زمن قديم عاش فيه بعض الوقائع داخل قلعة الملك الذي أسس المملكة، قادماً بشعبه من شرق البحر إلى تلك الأرض القاحلة من حول بركان خامد، لا يصلها بأرض أخرى سوى ممر ضيق طويل من الصخر.
ملك أعزب يتزوج زوجة أخيه بعد قتله بتهمة التآمر عليه. ينجب منها إبنة وإبناً. حين تبلغ الفتاة سنة الخامسة عشرة يتخذها أبوها عشيقة معلنة أمام زوجته وحاشيته. الأم تقتل ابنتها وتهرب بابنها. يحاول الملك العثور عليها إحدى عشرة سنة محترق القلب رغبة في الانتقام. لا يعثر عليها فينتحر.
لا تركِّز الرواية كثيراً على تلك الوقائع من زمن الدولة حين كانت مملكة. إنها تأتي في سردٍ متقطع بين الوقائع الأساسية الأخرى للرواية في الزمن الحديث لتضيف الكثير من جاذبية السرد في توسيع المشاهد الغنية جداً. لكن ذلك الماضي الملكي يظل يراود خيال «سيكين» بإلحاح، حتى أنه يصير تبريراً لإقدامه على انتحارات متواصلة: «سأصحح خطأ المكان».
لا يبدو في واقع المكان ما يدعو إلى تصحيح خطئه، على الرغم من أن كل مكان فيه من الخطأ ما ينبغي تصحيحه. انتحارات «سيكين» معلنة أمام الجميع. يحدِّد مواعيد الإقدام عليها، لكنه لا يبوح بالموضع الذي سينتحر فيه ولا بطريقة الانتحار. الآخرون يتبلَّغون تصريحاته بالانتحار بطريقة عادية لا استغراب فيها. لكنهم يأسفون دائماً لجوابه: «انتحاري لم يعجبني» إذا سألوه عن أحاسيسه بعد الانتحار.
انتحارات «سيكين» ليست محاولات. انتحاراته ليست فاشلة في سرد الرواية لها. لأن من المنطق أن يكون الانتحار فاشلاً إذا كرر المنتحر المحاولة. «سيكين» ينتحر. يختفي يومين في «غيبة» غريبة بعد الانتحار ثم يعود إلى البيت ليجيب السائلين عن أحواله: «انتحاري لم يعجبني». اي أنه سيكرر المحاولة حتى يعجبه أحد انتحاراته القادمة.
هكذا تمضي الرواية في فصولها الإحدى عشرة. لكن لا ينبغي التوصل إلى استنتاج من أن الانتحارات هي دافع «سيكين» ورغبته في العودة إلى ماضي الدولة. إنه يريد جمعَ حاضر وماض معاً في كيانه الذي لا يتوقف عن الانتحار.
هناك عالم يتقدم في اللحظة التي يتراجع. ربما هو عالم عالق في فقاعة غريبة من الزمن كتصريح «سيكين» بطريقة شديدة الحيرة لزوجته وأختها وابنة أختها: «أنا عالق بينكن وبين مملكة إيلانتس».
في أحد عشر فصلاً تقدم الرواية الطويلة وصفاً خلاباً ومزعجاً وعنيفاً لمشاهد الانتحارات بطرق مختلفة. والمواقف التي ينقاد «سيكين» إليها يرافقها شيء من أحوال جلال الدين الرومي. سيكين لم يقرأ شيئاً لهذا الصوفي. وهو لا يقرأ كتباً. إنه لا يعرف سوى ما يسمعه من ثرثرات الأصدقاء وهم يتبادلون تعليقاتهم على ما قرأوه للرومي من كُرَّاس مختصر جداً مترجم إلى لغة شعب دولة إيلانتس. إنهم أصدقاء يجتمعون في أمسيات السهر من وقت لآخر، يتبادلون تعليقات على كل شيء من وقائع أعمالهم، وكذلك على ما يقرأون للرومي فيضيفون إلى تاريخه النفسي والواقعي والروحي ما يجدونه ظريفاً يتممون به ذلك التاريخ، حتى لو كانت الإضافات غير موثقة. إنهم يتشاركون في صناعة حاضرٍ مختلط بماضي الرومي، من خلال حوارات كثيرة التلاعب والتحايل.
كل الشخصيات في هذه الرواية لها مواقع غير هامشية. وكل شخص يبدو كفكرة مثيرة وجذابة. اجتماعاتهم تتكرر كأنها أساس لبناء عالم من المتناقضات والاختلافات والأمزجة الجامحة والمعتقدات الحرة في العالم الحديث. وهم حين يلتقون تتفرع من محاوراتهم أحاديث صاخبة عن الرومي على هامش تساؤلاتهم عن «انتحارات» صاحبهم «سيكين» الغريبة، الذي يعيش مأزقاً خاصاً بطريقة مستغربة في هدوئها. إن أيَّ شخص يرتكب انتحاراً هو مأزوم طبعاً، يظهر على سلوكه ونفسيته. لكن سيكين هادئ حيران في تفسير هدوئه: «لا أنتحر لأنني حزين، أو مُحْبط، أو غاضب، أو مستاء، أو منهار، أو مكتئب، أو مجروح، أو متعثر الحظ، أو عدميٌّ استنفدتِ الأشياءُ معانيها في استقصائه المعاني؛ أو مريضٌ يكون انتحارُه خلاصاً، أو فاشل، أو منصدم، أو منذهلٌ حيرةً، أو مستشعرٌ انسدادَ الأفق، أو محاصَر، أو ناكثٌ بوعد لن يفي به، أو هارب من ضعفه، أو مَدِيْنٌ دَيناً لا مَخرجَ منه، أو خائف من خسارةٍ لا تعوَّض، أو خائبٌ مخذول».
أصحاب «»سيكين يغتاظون أحياناً من هدوء شخصيته (هو موظف في أحد المتاجر لبيع الدهانات). لكنهم لا يتوقفون كثيراً عند ما يجري في حياته إذا التقوا. ينعطفون دائماً إلى ما يُلهمهم شيئاً من العبث والمماحكات والتعليقات المتعارضة. أيْ أنهم يذهبون بالكلام إلى سيرة الرومي كأنهم على اطلاع بتفاصيلها المعروفة والمجهولة، وعلى معرفة بالمعاني في تصوفه كما شرحها المحللون، كما يريدونها على قياس معرفتهم بالتصوف ورغباتهم في فهم الرومي بطرق ملتوية احتيالية، تستطيع إقناعنا بإضافاتها المحيرة.
في الطريق إلى هذا كله عناوين مثيرة وجذابة مثل: «جلوسٌ إلى يمين الألم وليس إلى يساره»؛ «التصوُّف تدليكٌ روحاني»؛ «الشيخوخة. أو اللاعودة إلى صُلح مع الجسد»؛ «سماءٌ مُدخَّنة كأسماك الرِّنْكة»؛ «المآزقُ تشريعٌ لإذلال القانون»؛ «الحياةُ تختار المقعدَ المكسور لجلوسها».
الفصل الثامن من الرواية شديد الإبهار حين يجلس «سيكين» على ضفة البحيرة، ويستحضر أرواح أصحابه وهو يتهيَّأ للانتحار غرقاً. مواقف وأحاديث كأنها من أساطير التراجيديات. إنهم الجوقة وهو العازف يستحوذ عليهم. يلقنهم كلمات ينبغي أن يحاوروه بها. يظهرون من الماء ويختفون. سيكين يفشل في هذا الفصل أن يحصل على انتحار كامل، لأن زورقاً يصطدم به فتهشم مروحةُ الزورق نصف وجهه. لقد مرَّ بفشل آخر لكن لا يشبه هذا، لأن خطته تعثرت حين كان متهيئاً ليصدمه باصٌ في الشارع، فتزيحه فتاة غريبة ترمي بنفسها تحت الدواليب. «سيكين» يتلوع. يصرخ مستنكراً: «سرقتِ انتحاري».
النساء يحملن الكثير من جوانب الرواية على أكتافهن، في حضور يستدعي تحليلاً متأنياً وعميقاً لن يفي هذا العرض الموجز بالتوغل فيه. إنهن يجعلن من الرواية شبكة واسعة ويوجهنها صعوداً إلى انفجارات مفاجئة في المواقف.
ربما تجدر الإشارة إلى حضور البحر كمسرح غريب في الرواية: شواطئ شديدة الانحدار. نوارس عنيفة الزعيق. أشباح قراصنة من قديم ماضي المكان تجوب الشواطئ. إنها عناصر باعثة على الرهبة بتفاصيلها. والتفاصيل في هذه الرواية وقائع أساسية أيضاً قوية الإيحاء. بركات يمنح كل تفصيل حضوراً متجانس المنطق في الجوانب الغرائبية من الأحداث، بلغة صارمة بتشعباتها من الحديث العادي إلى التحليل إلى التصوف إلى الوصف المتألق الساحر.
وهنا مقتطفات من أجواء الرواية:
لا يعرف ماكرايان من أيِّ مصدر في قراءته للكراس المختصَر من مؤلَّف «مثنوي» استقى خيالُه مقتلةَ الحلوانيِّ. في المقدِّمة ذِكْر لبائع الحلوى، ودخوله المدرسة يبيع حلواءَه، واختياره قطعةً لجلال الدين. سطرٌ، أو سطران، لا يُعتَمَدان لبناء استيهاماتٍ فائضة في التفاصيل. لكنَّ المقتلةَ ـ بحسب خياله ـ هي رغبتُه الغامضة في قتل شخصٍ ما، وقد وجدت لنفسها متنفَّساً سلك بها، في دفين أعماقه، إلى قتل الحلوانيِّ.
بانتاراك، الذي يبدي بعض السخرية من زعم ماكرايان الملفَّق عن حادثة قَتْل الحلوانيِّ، صوَّبَ الوقائعَ بتكليفٍ من بعض ما في مقدَّمة الكراس: لم يُقتل الحلوانيُّ، بل قُتل شمسُ الدين التبريزي الصوفي الفارسي، معلم جلال الدين ومُلهمه. لا تأكيد لهوية القَتَلة. لكنْ دارت الظنون حول تلامذة الرومي بما خامر قلوبَهم من الغيرة، لمَّا اعتكف التبريزي مع جلال الدين في قونية أياماً طوالاً لإنجاز كتابٍ في قواعد العشق.
لم يكلِّف بانتاراك نفسَه استقصاءَ الموضع الذي قُتل فيه المعلِّم جلال الدين، ليصوغَ خيالُه وصفَ المكان مجاوراً وصفَ واقعة القتل. جلال الدين وزَّعَ سيرتَه في مدوَّنات المؤرخين على وقتٍ في خراسان، ووقتٍ في بغداد، ووقتٍ في قونية عاصمةِ السلاجقة الترك. قبرُه هناك. لكن للتبريزي قبره في مدينة «خُوي» غرب إيران. غالب أهلها كُرد. «خوي» تعني الملحَ بالكردية. بانتارك أعفى نفسه، مثله كصاحبه ماكرايان، من أية ثقة بالجغرافيا، منذ أنشأ خيالُه موضعاً بسيطاً لإنجاز حادثة القتل في اللامكان. لكنْ لم يسْهُ عن وصف ملبسِ القتلة، وبعضِ العمارة الطينية البناء، والإشارة إلى قصورِ حاكمي الزمن بأسمائهم المعظَّمة ألقاباً مِنْ رضى الله عنهم أنهم من هِبته إلى أقوام محظوظين قَدْراً وأقداراً.
في زعم ماكرايان، الذي لا سَند له، أن تلامذة الصوفي الفارسي قتلوا الحلوانيَّ. وفي زعم بانتاراك، الذي له سَنَد حذِرٌ من مقتل التبريزي ذي الضريح في المدينة الكردية «خوي»، أن تلامذة جلال الدين هم الذين قتلوه، وهو ما لا سَنَد صريحاً له. لكنه لم يتخلَّ عن بناء مشهد القتل بالتفصيل الذي لا يقْدِر عليه إلاَّ شاهدٌ بعينيه.
أكان وصف الصديقين بانتاراك، وماكرايان، لمقتلة الحلواني والتبريزي، نوعاً من التباري بينهما أيُّهما الأقدرُ على البلوغ بحكايته سطوةَ التلفيق الأقوى، المُحْكَم، المُقْنع، ما دامت كلُّ حكايةٍ هي مقدارُ الإحكام في التلفيق الساحر؟
في خيال بانتاراك أن تلامذة جلال الدين حاصروا التبريزيَّ، ذا العمامة الضخمة الخضراء، في زقاقٍ مَّا. سدُّوا عليه المدخل والمخرج. تقدَّم منه المحرِّضُ المتزعم جمعَ زملائه في المسير إلى قتل مَنْ أفتى فيه واستشارهم في فُتْياه: «الذي يصرِف معلِّماً عن تلقين مريديه حقائقَ الوصل بين الله والإنسان، يُباح دمُه»، قال التلميذ المحرِّضُ، الأكبر سناًّ بين الآخرين، بثقةٍ استلهمها من مواثيق الشرع. أردف: «بأية حيلةٍ استدرج التبريزي معلِّمنا إلى غيبته؟ كنا منتفعين من حضوره ومن دروسه. كنا على قربٍ من الله به».
«أيقْدِر التبريزي على استدراج معلِّمنا إلى غيبةٍ لم يُرِدْها معلمُنا؟»، تساءل التلميذ المتردد في اتهام التبريزي. أضاف متشكِّكاً: «مولانا جلال الدين لا تنطلي عليه الأخاديع. هو الذي يقود، وليس يُقاد».
«لقد سحرَهُ»، أكَّد المحرِّض.
«ما نفعُ التبريزيِّ من إغواء معلِّمنا؟ ما الذي يجنيه إنِ استدرجه إلى غيبةٍ؟»، سأله الرفيق المتشكِّك، فردَّ المحرِّض:
ـ يستنزفه وحيَ الإلهام الذي فيه، فينتحلُه لنفسه، أو يقاسم مولانا تآليفَ لا يدَ للتبريزي في استخلاص معانيها الإلهية.
«أذلك يجعل من التبريزي ساحراً حازَ تأييدَ الخوارق؟ لا تنسَ: هو عالِمٌ أيضاً»، قال المتشكِّك لرفيقه المحرِّض.
«أتستبعد اتهامَ شيخٍ كريمِ العلم، نبيهٍ، جليلِ التحصيل في أحكام دِينه، أن يكون ساحراً؟»، عقَّب المحرِّض.
«السحرةُ يفتنونَ الناسَ بالألاعيب»، قال المتشكِّك بنبرٍ مستسلم، فأيَّده المحرِّضُ:
ـ هذا ما أردته منك، ومن رفاقك، أن تناصروني فيه.
أدار المتشككُ بصره على رفاقه من تلامذة جلال الدين يستقرئهم حُكْمَهم في التضامن مع رفيقهم المحرِّض، الذي سارع إلى الاستعانة بمثالٍ على فسادٍ لم يخطر على البال، ولم يستجلب الظنونَ:
ـ ألم يكنِ الشيطانُ ملاَكاً؟
أُسقِطتِ المجادلةُ في التشكيك باقتدارِ التبريزي على إغواء جلال الدين، والاستحواذ عليه. فازَ مطلبُ الانتقام.
حوصر الشيخ ذو العمامة الخضراء، الضخمة، في زقاقٍ ما لم يحدِّد بانتاراك موقعه بين أرض الفرس وأرض السلاجقة الترك. إنه زقاقٌ ضيِّق يصلحُ تخيُّله لمقتلة لن يرصدها أحد، ولا يبدي خيالُ بانتاراك اهتماماً ببُعد الموضع الذي حصلت فيه عن مرقد التبريزي في مدينة «خُوي» من أرض الكُرد غربَ بلاد فارس.
ماذا كان يفعل التبريزي في ذلك الزقاق المعزول، بين صفَّين من المنازل اللَّبِنية، أو بين سورَيْ داريْنِ طويلتين بناءً؟ بانتاراك رسمَ الزقاقَ، وسار بالتبريزي فيه، ليتلقَّى ثلاثين طعنة من خنجر متعرِّج الصناعة، كل تلميذ سدَّد واحدة من الطعنات هي حصَّتُه انتقاماً ممن سَلبَ معلِّمهم منهم.
اجتمع خيال ماكرايان، وبانتاراك، على تلفيق إضافة إلى سيرة الروميِّ، ومن رغبتهما العارمة أن يوسِّعا الكُراس المترجَمَ مختزَلاً عن كتاب «مثنوي» الحائز سَعةً من ثمانية وأربعين ألف بيتٍ شعراً في زعم بعضهم، أو خمسة وعشرين ألفاً وستمائة واثنين وثلاثين بيتاً في زعمٍ آخر، من ستة أجزاء، أضاف إليها محقِّقون جزءاً سابعاً، والروميُّ حيٌّ بعدُ، فيما أنكر الجزءَ السابع محقِّقون آخرون والروميُّ حيٌّ لم يمت بعدُ.
ربما شاء الصديقان بانتاراك، وماكرايان، أن ينتقما، بخياليهما، من الأربعة المترجمين تقاسموا فصولاً صغاراً كلٌّ بما اختاره من كتاب «مثنوي». بل ربما اعتقد الصديقان أن التلفيق عدالةٌ أحياناً، وتصويبٌ بالخيال لِمَا أخطأ الواقعُ في إتمامه.
ماذا كان يفعل التبريزي في ذلك الزقاق المعزول، بين صفَّين من المنازل اللَّبِنية، أو بين سورَيْ داريْنِ طويلتين بناءً؟ بانتاراك رسمَ الزقاقَ، وسار بالتبريزي فيه، ليتلقَّى ثلاثين طعنة من خنجر متعرِّج الصناعة، كل تلميذ سدَّد واحدة من الطعنات هي حصَّتُه انتقاماً ممن سَلبَ معلِّمهم منهم.
اجتمع خيال ماكرايان، وبانتاراك، على تلفيق إضافة إلى سيرة الروميِّ، ومن رغبتهما العارمة أن يوسِّعا الكُراس المترجَمَ مختزَلاً عن كتاب «مثنوي» الحائز سَعةً من ثمانية وأربعين ألف بيتٍ شعراً في زعم بعضهم، أو خمسة وعشرين ألفاً وستمائة واثنين وثلاثين بيتاً في زعمٍ آخر، من ستة أجزاء، أضاف إليها محقِّقون جزءاً سابعاً، والروميُّ حيٌّ بعدُ، فيما أنكر الجزءَ السابع محقِّقون آخرون والروميُّ حيٌّ لم يمت بعدُ.
ربما شاء الصديقان بانتاراك، وماكرايان، أن ينتقما، بخياليهما، من الأربعة المترجمين تقاسموا فصولاً صغاراً كلٌّ بما اختاره من كتاب «مثنوي». بل ربما اعتقد الصديقان أن التلفيق عدالةٌ أحياناً، وتصويبٌ بالخيال لِمَا أخطأ الواقعُ في إتمامه.
نعم. سيكين لن يعرف مصدراً تأثرت به كلماتُه عن الرغبة في التقبيل كشرطٍ أوحد لانجذاب أنثى إلى ذكر، أو ذكَر إلى أنثى. ألدى المتصوِّف الفارسي شيء من ذلك أصلاً؟ ألديه تعريفٌ للقُبلة أنها إيمانُ جسدٍ بجسد؟ كان حرياًّ بصاحب اللَّقبِ «الرومي» أسبغهُ عليه السلاجقةُ التُّرك، أن يتنبَّه إلى ذلك، فيشرِّع تصوُّفاً أنَّ للعاشقِ الحقِّ رغبةً في قُبلةٍ من فم الله.
هدأ عقلُ سيكين راضياً قليلاً عن المفارقات خَطَرتْ له بلا استئذان، بالرغم من وجود علبة الكبريت في يده مفتوحةً، يكاد يستلُّ منها عوداً لإحراق نفسه. تراخى ليس ليُريحَ جسده في موضعٍ لم يتمدَّد فيه ليستريح، بل خيبةً من فكرة الكتابة على الجدار. هزَّ رأسَه مشفقاً على نفسه من تبسيطه الحدودَ: ما جدوى أن ينهض من المغطس ـ بعد رصف الحطب في قاعه، وفوق صدره وفخذيه ـ ليكتب شيئاً على الجدار ستلتهمه النيران بعد قليل، وقد تلتهم الدارَ كلَّها؟
تهيَّبَ من بلوغ تصوُّراته أن تحترق الدار. ارتعدَ هلعاً. لكنه لن يتراجع عن انتحاره. هوَّنَ على نفسه: كيف للنار أن تتمدَّد خارج المغطس؟ لقد أزاح عن أرض الحمَّام المداعِسَ القطنية السِّماك، والمناشفَ عن الجدران، ونزعَ الستارةَ المشمَّعة عن حِمَالتها، وعزلَ المِغطس عن كل ما يمكن أن تبلغه ألسنةُ اللهب. إنتحارُه آمنٌ إذاً إلى حدٍّ مَّا. حدَّق إلى علبة الكبريت في يده. داهمَه سؤالٌ لم يبارح أعماقَه، على أية حال، في كل انتحارٍ أزمع عليه ونفَّذه: ما الرعبُ؟ أهو ذلك الانكماش الصاعق للدماغ تحت قحف الرأس؟ أم الوخز العنيف تحت الجِلد؟ أمِ الإحساس باعتصار العينين حتى لتكادان تنفقئان؟ أمْ نزفُ اللسانِ تراباً بدلَ اللعاب من حَلَماته في حَلْقِ المذعور؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية