مبررات التصعيد والتجاوزات الإيرانية في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

التصعيد الإيراني واستمرار قصف القاعدة الأمريكية في أربيل رسالة بان إيران لن تقوم بعملية سد الفراغ بعد الانسحاب الأمريكي فحسب، بل ستعمل لتخريب أي نوايا لادامة العلاقات العراقية الأمريكية.

بغداد-»القدس العربي»: لم تمر سوى أيام على زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى إيران، وأحاديث المسؤولين الإيرانيين خلالها، عن التعاون الاستراتيجي بين البلدين، حتى توالت العديد من مؤشرات التصعيد الأمني والاقتصادي والسياسي الإيراني على الساحة العراقية.
ورغم حرص حكومة بغداد على عدم إظهار الخلافات العميقة بين البلدين، إلا ان تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي صاحبها قصف الأراضي العراقية، إضافة إلى إصرار طهران على عدم بحث قطعها الأنهار عن العراق، دفع مسؤولين عراقيين للرد العلني على هذه التجاوزات.
فقد عبّرت رئاسة أركان الجيش العراقي، عن استغرابها من تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، محمد حسين باقري، بشأن وجود تحركات معادية لإيران انطلاقا من الأراضي العراقية.
وقالت في بيان «نعرب عن استغرابنا للتصريحات غير المبررة التي نسبت أخيرا إلى باقري، بشأن وجود تحركات معادية من الأراضي العراقية تجاه إيران» مؤكدة ان «العراق يرفض بشدة استخدام أراضيه للعدوان على جيرانه» ومشددة على «ضرورة التزام الجميع بلغة الأخوة والتعاون في العلاقات المشتركة».
ويرى المراقبون ان رد الجيش العراقي جاء بسبب توقعات بتصعيد القوات الإيرانية لقصف الأراضي العراقية وتزايد ملاحقة المعارضة الكردية فيها، فيما أكدت حكومة إقليم كردستان العراق، رفضها نبرة التهديد التي يطلقها المسؤولون الإيرانيون تجاه الإقليم.
العديد من النواب ووسائل الإعلام المحلية، استنكروا التهديدات والقصف الإيراني، باستهداف عناصر المعارضة الإيرانية المتواجدة في العراق، واعتبروها انتهاكا لسيادة العراق، مع التأكيد بان عناصر المعارضة الإيرانية في العراق ليس لديهم سوى النشاط الإعلامي ولم يكن نشاطا عسكريا كما يفعل حزب العمال التركي المعارض المتواجد أيضا في شمال العراق منذ سنوات ويشن هجمات داخل تركيا.
وكان رئيس هيئة الأركان العامة بالجيش الإيراني اللواء محمد باقري، حذر من تواجد المعارضة الإيرانية في شمال العراق، مهددا بأن «الجيش الإيراني سيستمر في مواجهتها» بحجة «عدم السماح لعملاء أمريكا والكيان الصهيوني والجماعات المعادية للثورة الإسلامية أن يتخذوا معسكرات للتدريب في الإقليم، أو إنشاء مخيمات ومحطات للإذاعة والتلفزة وتنظيم المؤتمرات».
وبالتزامن مع التصريحات الإيرانية، قام الحرس الثوري الإيراني بقصف أربعة مواقع تابعة لأحزاب كردية معارضة للنظام الإيراني، في إقليم كردستان شمال العراق. كما سبق للحرس الثوري ان قصف في التاسع من الشهر الحالي، بطائرات مسيرة وبالمدفعية مواقع للأحزاب الكردية الإيرانية في محافظة أربيل، إضافة إلى قيام الأجهزة الأمنية الإيرانية باغتيال اثنين من عناصر المعارضة في شمال العراق مؤخرا، وخطف عناصر آخرين من بغداد، من دون صدور أي استنكار رسمي عراقي على هذه التجاوزات.
ويرى المراقبون ان التصعيد الأمني الإيراني ضد المعارضة الإيرانية في شمال العراق، الذي تزايد مع وصول الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي، هو تكرار لسيناريو استهداف منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة التي كانت تتواجد في العراق، عندما قامت الميليشيات الولائية بعد الاحتلال الأمريكي بقصف متكرر لمعسكرات المنظمة مع حملة خطف واغتيالات ضد عناصرها، ما دفع الأمم المتحدة لترحيل عناصر المنظمة إلى خارج العراق.
ولا يستبعد المطلعون على أوضاع العراق، ان التصعيد الإيراني الحالي، واستمرار قصف القاعدة الأمريكية في أربيل يتزامن مع قرب انسحاب القوات القتالية الأمريكية وتحول الباقي منها إلى مستشارين وخبراء مع القوات العراقية، وهو رسالة بان إيران لن تقوم بعملية سد الفراغ بعد الانسحاب الأمريكي فحسب، بل وستعمل لتخريب أي نوايا لادامة العلاقات العراقية الأمريكية التي تسعى واشنطن إلى استمرارها رغم العراقيل الإيرانية. وهو ما جعل الرئيس الأمريكي جو بايدن، يؤكد للرئيس العراقي برهم صالح على هامش لقاءات اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على «التزام الولايات المتحدة باستقرار العراق على المدى الطويل» وتجديده دعم واشنطن لـ»أمن العراق وضمان سيادته، ومكافحة الإرهاب وتعزيز اقتصاده، ومواصلة العمل والتنسيق المشترك ضمن الحوار الاستراتيجي في مختلف المجالات».
وفي موقف آخر لتذمر بغداد من التجاوزات الإيرانية، شكى وزير الموارد المائية العراقي، مهدي رشيد الحمداني، إن بلاده لم تتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن حصتها المائية، وأن إيران تخالف القوانين الدولية بشأن المياه، ولذا «فإن العراق أبلغ إيران رسمياً بتلك المخالفات ولكنه لم يحصل على رد» منوها «أن وزارة الخارجية العراقية في طريقها لتدويل ملف المياه مع إيران واللجوء إلى محكمة العدل الدولية».
ويبدو ان إصرار إيران على قطع أكثر من 36 نهرا تدخل من إيران إلى العراق خلال العقدين الأخيرين، الذي ترك آثارا كارثية على عدة محافظات عراقية، قد شكل ضغطا شعبيا أجبر حكومة بغداد مؤخراً للتلويح بتدويل القضية.
وعموما فإن المواقف الإيرانية الأخيرة، أثارت رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة التعليقات التي أكدت ان الرئيس الإيراني ناقض نفسه في رسالته أمام الأمم المتحدة، عندما ذكر «أن نتيجة نظام الهيمنة في الولايات المتحدة، هي إراقة الدماء وعدم الاستقرار، وفي نهاية المطاف، الهزيمة والهروب». واصفا الوجود العسكري الأمريكي في سوريا والعراق بانه «أكبر عائق أمام إقامة الديمقراطية وإرادة الدول» حيث أشارت التعليقات إلى ان التحرك الإيراني ازاء دول المنطقة ومنها العراق، ينطبق عليه نفس القول.
وأخيرا فإن العراقيين يخشون من ان تصاعد القصف الإيراني لشمال العراق ورفض طهران أي نقاش حول قطعها المياه عن العراق، إضافة إلى تهديدات القوى والفصائل الولائية ومساعيها للتأثير على مسار الانتخابات القريبة وتحديها للحكومة، كلها تندرج ضمن رسائل تحدد ملامح النهج المتشدد للحكومة الإيرانية الجديدة، سواء تجاه القوميات والمعارضة داخل إيران، أو تجاه دول المنطقة وأولها العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية