مبررات غير مقنعة لعدم المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية
د. إبراهيم أبراشمبررات غير مقنعة لعدم المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينيةبالرغم من نغمة التفاؤل التي تعبر عنها تصريحات حركتي فتح وحماس تجاه تفاهمات لقاء مكة إلا أن غموضا بل تشككا يكتنف مواقف أطراف متعددة. وان يكون جوهر الاتفاق ينصب علي تشكيل حكومة وحدة وطنية وإعادة بناء منظمة التحرير والشراكة السياسية وهي مطالب بل تمنيات فلسطينية سابقة في وجودها علي الأزمة الناتجة عن الانتخابات التشريعية الأخيرة، ثم تنقسم حولها المواقف العربية ما بين مؤيد ومتحفظ، والمواقف الدولية ما بين رافض ومتحفظ ومنتظر فهذا أمر يحتاج لنقاش ولكنه أمر مفهوم، ولكن أن لا يجد الاتفاق إجماعا أو توافقا فلسطينيا عليه فهذا الأمر يثير أكثر من سؤال، وخصوصا أن القوي الرافضة للمشاركة وخصوصا الجبهة الشعبية كانت أكثر جهة بذلت جهودا للتوفيق بين حركة فتح وحركة حماس وللتوصل لتفاهمات وطنية. ولنبدأ بردود الفعل الإقليمية، فحيث أن المنطقة منقسمة إلي محاور ذات أجندة وارتباطات متباينة، فالسعودية ومصر والأردن تنتمي لمحور لا تُخفي علاقاته المتميزة مع واشنطن وتتشارك تقريبا نفس الرؤية السياسية لقضايا المنطقة (وتصريحات الملك عبد الله ملك الأردن تؤكد ذلك)، بينما سورية وإيران تنتميان لمحور متباين وبرؤية متباينة، وعليه لا نستغرب التحفظ الذي انتابهما تجاه لقاء مكة، بل وصل الأمر بالبعض لطرح رؤية مفادها أن هدف لقاء مكة هو نزع الورقة الفلسطينية من يد سورية وإيران تمهيدا لمواجهة محتملة بين واشنطن وهذين البلدين، وأن الهدف من لقاء مكة حسب نفس الرؤية يتعدي كونه لقاء للمصالحة الفلسطينية بل نظروا إليه في إطار إستراتيجية أوسع تقودها الولايات المتحدة، إستراتيجية علي رأس أولوياتها ملف العراق ومحاربة ما تسميه واشنطن الجماعات الإرهابية والملف الإيراني ولا يندرج ضمن هذه الإستراتيجية حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والسعودية بمكانتها الدينية ووزنها المالي يمكنها التأثير علي القوي السياسية الفلسطينية الرئيسية، ومن المؤكد أن العربية السعودية لم تُقدم علي مبادرتها إلا بعد أن تشاورت مع أطراف محورها ومع أطراف الرباعية، وعليه تكون القضية الفلسطينية مجرد ورقة توظف في هذا السياق. وجود محاور في المنطقة لا يعني أنه باتفاق مكة انحاز الفلسطينيون لمحور في مواجهة الآخر، بل كان الاتفاق تصرفا حكيما من الفلسطينيين للخروج من سياسة المحاور، فالفلسطينيون وخصوصا الرئيس أبو مازن أدركوا حاجة السعودية للورقة الفلسطينية وقرأوا جيدا تداعيات الملف العراقي والإيراني واللبناني وما ستؤول إليه الأمور من مزيد من الإقحام الإجباري للفلسطينيين سواء في الداخل أو لبنان والخارج في هذه الملفات، أيضا كانوا بحاجة لمن ينزلهم من فوق الشجرة بعد الاقتتال المخجل والمحرج للرئاسة وللحكومة، وعليه تلقفوا المبادرة السعودية كالغريق الذي يتشبث بقشة، ذلك أن وقف الاقتتال وفي حالة النجاح في تشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية سيتقوي الموقف الفلسطيني وسيعزز من استقلالية القرار الوطني وسيفتح الطريق أمام شركة سياسية حقيقية، الأمر الذي يقطع الطريق لاحقا علي أي توظيف للقضية. أما الموقف الدولي من الاتفاق ومن خلال موقف الرباعية فقد جاء وسطا ما بين المواقف العربية والموقف الأمريكي /الإسرائيلي، وهو موقف وإن لم يبارك اتفاق مكة وخصوصا تشكيل حكومة وحدة وطنية إلا انه لم يقطع الطريق علي إمكانية التعامل الإيجابي مع نتائج الاتفاق، ومن هنا يمكن تقدير موقف الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وهو موقف سيؤول بلا شك لرفع تدريجي للحصار سيتواصل مع الاستمرار في التهدئة مع إسرائيل أكثر مما سيكون مرهونا بتنازلات سياسية، أما الموقف الأمريكي وإن كان رافضا علنا للاتفاق إلا انه في العمق متقبل لما جري وهدفه ليس إعاقة تنفيذ الاتفاق بل الضغط في محاولة لتهدئة الصراع ولانتزاع مزيد من المواقف السياسية الأكثر وضوحا في نظر واشنطن بالنسبة للاعتراف بإسرائيل، وهي تأمل في هذا السياق أن يكون برنامج الحكومة أكثر تجاوبا مع ما تريد، إلا أن واشنطن وحتي في حالة تعاملها مع حكومة الوحدة الوطنية فلن تكون معنية بالتقدم علي مسار التسوية النهائية وهذا هو القاسم المشترك بين واشنطن وتل أبيب ونقطة الخلاف ما بين واشنطن وبقية أطراف الرباعية، ويمكن لتحرك عربي جاد مع الأوروبيين دفع واشنطن للتجاوب أكثر مع المستجدات الفلسطينية فيما يتعلق برفع الحصار علي أقل تقدير. الأمر يختلف بالنسبة لإسرائيل، فبالرغم من التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن إسرائيل ستُفشل أي استقرار للنظام السياسي الفلسطيني أو نجاح لحكومة الوحدة الوطنية وستُبقي الكرة دائما في الملعب الفلسطيني من خلال المطالبة بمزيد من التنازلات السياسية أو الضمانات الأمنية أو من خلال افتعال مشاكل للفلسطينيين تجعلهم منشدين للحالة الداخلية، وهنا نذكر بان إسرائيل حاصرت الحكومات الفلسطينية السابقة التي مرجعيتها منظمة التحرير المعترفة بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة، واجتاحت الضفة الغربية وأغلقت المطار الخ، المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليس في عدم اعتراف حركة حماس بها وبالاتفاقات الموقعة، ولكن مشكلتها في أية حكومة أو نظام سياسي فلسطيني يبلور رؤية لسلام عادل تحظي بموافقة دولية، ومن هنا فان حكومة وحدة وطنية ستحرج إسرائيل وسترمي الكرة في ملعبها حيث ستصبح هي المطالبة بالاعتراف وبتنفيذ الاتفاقات الموقعة وتنفيذ الاتفاقات يعني الانسحاب من الأراضي المحتلة حسب خطة خارطة الطريق وإسرائيل لا تريد فعل ذلك. ومن هذا المنطلق فإن ما يثير التساؤل بالنسبة لردود الفعل هو ردود الفعل الفصائلية الرافضة أو المتحفظة علي المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية. لو كانت المهمة العاجلة لهذه الحكومة المنشودة هي حل الصراع مع إسرائيل علي أرضية ما ورد في كتاب التكليف لتفهمنا حديث هذه الفصائل عن السقف الهابط للحكومة والخوف علي الثوابت والمرجعيات والقضية الوطنية الخ ـ مع أنه لا يوجد هبوط وتراجع ما دامت مرجعية الحكومة هي وثيقة الوفاق الوطني وقرارات المجالس الوطنية الفلسطينية وقرارات القمم العربية ـ ولكن كل الدلائل تقول بأن ما بين هذه الحكومة الموعودة والجلوس علي طاولة المفاوضات لبحث القضايا الإستراتيجية العالقة مع إسرائيل بشكل نهائي، عقبات وتحديات خارجية متعددة وملفات داخلية شائكة، وبالتالي كنا نأمل أن تشارك جميع القوي السياسية، والتي ندرك حرصها علي المصلحة الوطنية بحكومة الوحدة الوطنية، مهما كان نصيبها من المناصب والامتيازات، لتمكين هذه الحكومة من الإقلاع والعمل علي معالجة الملفات الداخلية التي لها الأولوية في هذه المرحلة، وإذا كانت هذه الفصائل متخوفة من هبوط البرنامج السياسي للحكومة فيمكنها الانسحاب عندما تُقدم هذه الحكومة علي أية خطوة يستشف منها التفريط بالثوابت الوطنية. أما إن كان الاستنكاف عن المشاركة يعود لوجود شكوك حول ملابسات لقاء مكة وحول النوايا الحقيقية لرأسي الاتفاق ـ فتح وحماس ـ فهذا موضوع آخر وإن كان أيضا لا يبرر الهروب من ساحة المواجهة. لقد سبق وان تحدثنا في أكثر من مناسبة بضرورة التمييز ما بين، من جهة حكومة وحدة وطنية كضرورة وطنية ومدخل لإخراج النظام السياسي من أزمته وإعادة صياغة وتقويم لاستراتيجية العمل الوطني، ولقاء مكة يهيئ الأرضية المناسبة لولوج هذا المنعطف بعد تجارب مريرة من التفرد بالسلطة، ومن جهة أخري حكومة رفع حصار. لو كان الأمر يتعلق بحكومة رفع حصار فقط لكنا أمام حكومة موقنة مهمتها تلبية مطالب الرباعية في مرحلة أولي ثم مطالب إسرائيل في مرحلة لاحقة ثم ينتهي دورها. ونعتقد بأن عشرات جولات الحوار الوطني والتي شاركت فيها كل القوي السياسية والتي بدأت قبل الأزمة الأخيرة وتُوجت بلقاء مكة لم يكن هدفها تشكيل حكومة رفع حصار بل حكومة وحدة وطنية يكون رفع الحصار ـ والحصار أمر طارئ ـ أحد أهدافها، حتي وإن أصبح في مقدمة أهدافها إلا انه ليس هدفها الوحيد. إن التوق الوطني لنجاح المساعي لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبقية تفاهمات اتفاق مكة لا ينبع من الحرص علي رفع الحصار تلبية لشروط الرباعية ثم إسرائيل، مع أن رفع الحصار أمر ملح، بل من خوف من فشل تشكيل حكومة وحدة وطنية أو فشلها بعد التشكيل لخلافات داخلية. قد يقول قائل بأن وجود معارضة هو أمر صحي وجائز بالعمل السياسي بالأنظمة الديمقراطية، وهنا يجب التذكير أولا بأنه لو كانت الوصفة الديمقراطية ناجحة لما جري ما جري بعد الانتخابات التشريعية وما كان مبرر لا للاقتتال الوطني ولا للقاء مكة. وثانيا فإن حكومة الوحدة الوطنية ليست هي الحكومة الائتلافية التي تعرفها الدول الديمقراطية المستقرة، ففي الحكومات الأخيرة يجوز الحديث عن حكومة ومعارضة، وسقف هابط وسقف مرتفع ونضال سياسي لإسقاط الحكومة الخ، أما في الحالة الفلسطينية فالمطلوب حكومة تمثل كل القوي السياسية لمواجهة عدو خارجي وتحديات داخلية، حكومة وحدة وطنية لا تقبل بوجود معارضة وطنية، فكيف إن كانت معارضة باستراتيجيتين مختلفتين، واحدة من داخل النظام السياسي والمؤسسة التشريعية ـ الجبهة الشعبية ـ وأخري من خارج النظام السياسي الرسمي ـ حركة الجهاد الإسلامي ـ . وليفكر كل قارئ في الإجابة عن السؤال: ما هو مصير الشعب الفلسطيني والنظام السياسي في حالة فشل تفاهمات مكة وخصوصا تشكيل حكومة وحدة وطنية؟ہ كاتب من فلسطينIbrahem_ibrach@hotmail. com8