متأهباً لهاتف بايدن.. أردوغان ومساره إلى واشنطن عبر “النافذة” الإسرائيلية

حجم الخط
0

 أضاف موقع المقامرة التركي “هوليغان بيت” مؤخراً خيار مقامرة جديداً. إلى جانب نتائج ألعاب كرة القدم، يمكن للمراهنين أن يخمنوا إذا ما كان جو بايدن سيتصل مع رجب طيب أردوغان؛ فالرئيس الأمريكي لم يتحدث حتى الآن مع نظيره التركي منذ دخوله إلى البيت الأبيض، وكذلك لم يوافق على الطلب الذي وجه لطاقمه بإجراء محادثة كهذه قبل أن يتسلم منصبه. يتضح أن بايدن قد سجل أمامه بأن أردوغان من بين الزعماء الأخيرين الذين أجروا اتصال تهنئة بالفوز في الانتخابات. لهذا، فإنه ليس في عجلة من أمره، خصوصاً أنه سمى الرئيس التركي سابقاً بالديكتاتور، ووعد في حملته الانتخابية بأنه سيعرف كيف يتعامل معه.

 في حين تنفتح فيه المراهنات أمام الجمهور، ينظر أردوغان بأم عينيه كيف لمستشارين وجنرالات انتقدوه وطلبوا فرض عقوبات على تركيا، يتم تعيينهم في وظائف عليا في الإدارة الأمريكية الآخذة في التشكل. أحد هؤلاء، أنطوني بلينكن، لشغل منصب وزير الخارجية.

 في جلسة استماع له في الكونغرس، قال بلينكن بصورة قاطعة: “إن فكرة أن شريكنا الاستراتيجي، وكأنه شريك استراتيجي، ويقف في صف واحد مع أحد منافسينا الاستراتيجيين، روسيا، هي أمر لا يتقبله العقل. تركيا حليفة بعدة مفاهيم، لكنها لا تتصرف كما يجب أن تتصرف الحليفة. هذا تحد كبير جداً بالنسبة لنا. نحن يقظون جداً في هذا الشأن”.

وثمة شخصية كبيرة أخرى هي الجنرال لويد أوستن، الذي عُين في منصب وزير الدفاع الأمريكي. كان أوستن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأمريكي. وكجزء من منصبه، كان المسؤول عن التعاون العسكري مع تركيا في محاربة “داعش”، الذي في إطاره دربت تركيا والولايات المتحدة رجال مليشيات سورية لمحاربة هذا التنظيم الإسلامي. أموال كثيرة خصصت واستثمرت في هذه التدريبات. ولكن بعد أن أنهت المجموعة الأولى التدريب وعادت إلى سوريا، نقل رجالها سلاحهم لجبهة النصرة، وهي المليشيا الإسلامية التي كانت فرعاً للقاعدة. كان الاشتباه في حينه أن تركيا هي التي وقفت من وراء هذه العملية. قرر أوستن أن يقوم بتبديل الحلفاء وبدأ بتبني الأكراد في سوريا كحلفاء له في هذه الحرب. في نظر تركيا، اعتبر هو المسؤول عن سياسة الدعم والمساعدة للأكراد، الذين تدير ضدهم تركيا الحرب، حتى أنها طلبت من الرئيس السابق ترامب التوقف عن دعمهم.

 الشخصية الأمريكية الثالثة التي تقلق أردوغان هي الجنرال بيرت ماكغراك، الذي عُيّن منسق أعمال مجلس الأمن القومي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ماكغراك مثل أوستن، اعتبر أيضاً مهندس التعاون مع الأكراد. وفي السابق، هاجم سياسة تركيا تجاه الاكراد في سوريا وهجماتها في العراق. “هذه ليست جبهة ضد تركيا، بل هي حاجز طرق أمام أردوغان”، قال للصحيفة مراسل تركيا يكتب في موقع للمعارضة. “يعرف أردوغان أن قناة الاتصال المباشرة التي كانت له مع ترامب ستتغير، ولم يعد بإمكانه الاتصال مع الرئيس كلما خطر بباله. وإذا لم يرغب في الصعود على المتراس أمام بايدن، فسيضطر إلى تكييف سياسته معه، وهو لا يتوقع أن يربت الرئيس الأمريكي على كتفه كما فعل ترامب”.

 ينتظر أردوغان في هذه الأثناء بفارغ الصبر توجه بايدن إليه، في الوقت الذي يستعد للمحادثة من خلال إرسال رسائل جديدة حول نيته العودة إلى السياسة الخارجية التي تبناها في العقد الأول من حكمه، والتي تتلخص بجملة “صفر مشكلات مع الجيران”. وثمة مثال بارز على هذه السياسة، وهي الرسائل التي يرسلها لإسرائيل. مستشاره لشؤون الأمن والخارجية، مسعود حقي جاشين، قال في مقابلة مع “صوت أمريكا” الشهر الماضي، بأن محادثات حول تحسين العلاقات بين إسرائيل وتركيا قد تجرى قريباً، ويمكن استئناف العلاقات في آذار… إذا خطت إسرائيل خطوة إلى الأمام، فستخطو تركيا بخطوتين”.

 وأشار أيضاً إلى أن “تركيا كانت اشترت من إسرائيل سلاحاً كثيراً، ويمكن إعادة ترتيب ذلك من جديد”. وأشار إلى أنه “يمكن لتركيا أن تكون الزبون الأكبر لإسرائيل في مجال الغاز والنفط”. وهدد جاشين بالمناسبة، قبل أسبوعين، بأن المخابرات التركية ستلقي القبض على المراسل التركي الموجود في المنفى بالسويد، عبد الله بوزكورت، وسيطعمونه لسمك القرش. غادر بوزكورت تركيا بعد الانقلاب الفاشل في تموز 2016، هو مطلوب للسلطات التركية منذ ذلك الحين.

 رسائل جاشين حول علاقات تركيا وإسرائيل تأتي بعد بضعة أسابيع على نشر تقارير في تركيا بأن النظام يقيد خطوات نشطاء حماس، ويقصر فترة تأشيرات مكوثهم في تركيا، ويعمل ضد الجمعيات الخيرية التي تستخدم كمؤسسات وهمية لتمويل وتبييض أموال حماس مثل “معهد راية” و”التحالف العالمي لمساعدة الفلسطينيين” و”جمعية الأيدي البيضاء” الممولة بشكل جزئي من قطر. وهناك شك إذا كانت تركيا ستغير في القريب سياستها تجاه حماس، التي توصف علاقتها معها بعلاقة ذات وجهين؛ فمن جهة، تقدم لها التمويل ومجال عمل على أراضيها، ومن جهة أخرى حماس توفر لتركيا مكانة في القضية الفلسطينية. ولكن إذا كانت هناك إيماءات من البرود تجاه حماس يمكن أن تساعدها في تمهيد طريقها إلى قلب البيت الأبيض، مباشرة أو من خلال إسرائيل، فلن تتردد تركيا بالقيام بها.

 العلاقات مع حماس بشكل خاص، ومع الإخوان المسلمين بشكل عام، تعد اختباراً لورقة عباد الشمس التي تضعها دول الخليج أمام تركيا، مثلما وضعتها أمام قطر، التي تم التوقيع معها في هذا الشهر على اتفاق المصالحة الذي رفعت بموجبه العقوبات العربية عنها. في نظر مصر التي تسعى قطر إلى تحسين العلاقات معها، وتتحدث عن “خارطة طريق” لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع القاهرة، فإن تأييد تركيا للإخوان المسلمين سيحدد مصير العلاقة بين الدولتين. مصر التي لها علاقات منظمة مع حماس، وفي الوقت نفسه تعتبر الإخوان المسلمين منظمة إرهابية تدير ضدها حرباً ضروساً، غير راضية عن تحول تركيا إلى أحد الأوصياء على حماس.

 حسب القاهرة، ليست تركيا خصماً أيديولوجياً فحسب، بل تعمل على إضعاف حصرية مصر كوسيطة في النزاع الفلسطيني الداخلي، وإضعاف مكانتها كحاملة “حقيبة فلسطين” في الشرق الأوسط. إن تحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل، إذا لم تحذره إسرائيل على النحو المطلوب، مع الاهتمام بحساسية مخاوف مصر، فمن شأنه أن يمس بشبكة العلاقات مع مصر، وليس فقط بالموضوع الفلسطيني. إسرائيل ومصر شريكتان في منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط، الذي يتضمن اليونان وقبرص، والذي استهدف صد نوايا تركيا في التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط في المناطق التي تدعي اليونان وقبرص ملكيتها عليها. أقيم هذا المنتدى بعد أن وقعت تركيا على اتفاق ترسيم الحدود الاقتصادية بينها وبين ليبيا، بصورة من شأنها المس بضخ الغاز المصري والغاز الإسرائيلي إلى أوروبا.

 في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بفحص خطواتها إزاء تركيا وتنتظر رؤية ما ستكون عليه سياسة بايدن تجاه أنقرة، فإن مصر ترى في رسائل المصالحة التركية تجاه إسرائيل مناورة تستهدف في أفضل الحالات بناء مسار إلى واشنطن، وفي أسوأ الحالات.. خطوة تسعى إلى تفكيك “حلف الغاز” والمس بمصالح مصر الاقتصادية. إن تركيا بقدر ما تعتقد أنه يمكن لإسرائيل أن تفتح لها أبواب الولايات المتحدة رغم العلاقات الباردة بين بايدن ونتنياهو، فهي حذرة في أن لا تهاجم إسرائيل أو أن تشتم رئيس حكومتها.

       عصا سياسية

 إن ضرورة إعادة تموضع تركيا في صورة جديدة، على الأقل في نظر أمريكا، تلزم أردوغان بأن يواجه شريكه في الائتلاف، دولت بهتشلي، زعيم الحزب الوطني، الذي ساعده لينتخب كرئيس في العام 2018. تجاه الخارج، يبدو الاثنان كزوج فائز بدون منافسين، غير أن توتراً وغضباً يسودان بينهما منذ بضعة أشهر، سواء على الصعيد السياسي أو الأيديولوجي. بهتشلي يعارض أي مصالحة مع الأكراد في تركيا، ويطالب بإخراج الحزب المؤيد للأكراد، اتش.دي.بي، خارج القانون، في حين يظهر أردوغان علامات استعداد للمصالحة.

 لقاءات أردوغان مع رؤساء أحزاب صغيرة لم تحظ بالتمثيل في البرلمان، تثير لدى بهتشلي التخوف من أن الرئيس يمهد الأرضية للانتخابات التي ستجرى في 2023، والتي يمكن فيها أن يضم إليه القوائم الصغيرة للتخلص من الشراكة معه، فيصبح رئيساً لا يعتمد على غيره بشكل كامل. ثمة استطلاع أجراه المعهد التركي “متروبول” في كانون الأول، أشار إلى أن 34.5 في المئة فقط من المستطلعين أيدوا استمرار النظام الرئاسي، مقابل 51.4 في المئة أيدوا هذه الطريقة في 2017 عندما تم إجراء استفتاء شعبي حول الدستور الجديد.

 إن انخفاض نسبة التأييد يمثل بصورة واضحة خيبة الأمل والإحباط في أوساط مواطني تركيا من سياسة أردوغان الداخلية، ومن عدم السيطرة على وباء كورونا ومن الأزمة الاقتصادية العميقة التي يتحمل الرئيس أردوغان المسؤولية عنها بشكل كامل. بالنسبة لبهتشلي، فإن بيانات الاستطلاع تشكل ضمانة سياسية بأن يواصل كونه الحليف السياسي الحيوي لأردوغان، طالما أن الأخير لا يناور ضده ولا يجذب إليه عدداً من الأحزاب الأخرى.

 الساحة الداخلية غير مفصولة عن تحديات سياسة أردوغان الخارجية، سواء أمام الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. إن أي تحالف أوروبي – أمريكي ضد تركيا لم يكن قادراً على البقاء مع وجود ترامب رئيساً. ولكن الآن، عندما تم التهام الأوراق، بات أردوغان بحاجة إلى التخلي عن عدد من الأعباء الثقيلة التي تعمل مثل ألغام في طريق المصالحة. وسيكون مطلوباً منه أمام الولايات المتحدة حسم مسألة الصواريخ الروسية المضادة للطائرات من طراز “اس 400”. وسيكون مضطراً أمام الاتحاد الأوروبي إلى التوصل إلى تفاهمات حول التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، وسيكون عليه أمامهما معاً مواجهة طلباتهم بأن يحسن التعامل مع حقوق الإنسان، وخاصة في مجال المس بالصحافيين والخصوم السياسيين، والتآكل في استقلالية جهاز القضاء والاعتقالات السياسية وملاحقة نشطاء حقوق الإنسان.

 هذه مواضيع لم تكن تهم ترامب على الإطلاق، ولكنها تقلق بايدن، وبالطبع الاتحاد الأوروبي. مشكلة أردوغان هي أنه حتى لو أراد إجراء إصلاحات في هذه المجالات، التي وعد بطرحها في شباط، فقد يجد شريكه بهتشلي وراء الزاوية يحمل في يده عصاً سياسية مهددة.

بقلمتسفي برئيل

هآرتس 29/1/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية