متابعات: قبل التفاوض …

حجم الخط
0

عدنان السمان لا بد من وقف العدوان بكل أشكاله وصوره قبل الحديث عن أي تفاوض مباشر أو غير مباشر.. لا بد أولا من الكف عن كل ألوان العدوان التي تمارَس جهارا نهارا على الناس في أرواحهم وممتلكاتهم وحرياتهم في هذه الديار.. لا بد أولا وقبل كل شيء من التوقف عن كل هذه الممارسات، وعن كل هذه التهديدات والتلويحات والتلميحات والتصريحات، وعن كل هذه السياسات التي يتبعونها بحق كل عرب هذه الديار، بدءا بشتى مظاهر الاستعلاء والاستكبار والاشمئزاز من كل ما هو عربي، ومن كل ما هو فلسطيني، ومن كل ما هو شرقي، مرورا بهذا التمييز المزري، والتفرقة المهينة بين الناس بحسب ألوانهم وأديانهم، ولغاتهم ولهجاتهم، وبحسب ملابسهم وأشكالهم ولون أعينهم أيضا، ومرورا بهذه العنصرية المقيتة التي يصوغونها قوانين يلاحقون بها كل ‘الأغيار’ في هذه الديار، ويترجمونها ويجسدونها شرائعَ وأفكارا وثقافات يحاكمون من خلالها كل ‘الغرباء’، ويصدرون بحقهم ما لذ لهم وطاب من أحكام أقلها تجريدهم من كافة حقوقهم التاريخية والدينية والقومية والوطنية والإنسانية، ولا أقول انتهاء بإخراجهم من ديارهم ومساكنهم وأراضيهم وتشريدهم في كل أزقة هذا العالم وشعابه ومنعطفاته وزواياه؛ فالملاحقة هنا وهنالك مستمرة، والاستهداف هنا وهنالك مستمر، والاصطياد بكل أشكاله وبأبشع صوره مستمر أيضا.

ما معنى أن أفاوض من لا يعترف بي ندّا؟ بل يريدني تابعا يسخرني في خدمة أهدافه، وتنفيذ غاياته؟ وما معنى أن أفاوض من لا يحترم إنسانيتي، ولا يعترف بمواطنتي، ولا يؤمن بأدنى حق لي في هذا الوطن الذي تعاقبت عليه أمتي، وتوارثَته منذ آلاف السنين؟ ما معنى أن أفاوضه في الوقت الذي يمارس فيه العدوان على الناس في أرواحهم، وفي الوقت الذي يضيق فيه على الناس، ويحاربهم في طعامهم وشرابهم وتحركاتهم؟ وفي الوقت الذي يقيد فيه حرياتهم، ويضع يده على أرضهم ومصادر رزقهم؟ وفي الوقت الذي بنى فيه، ولا يزال يبني مستوطناته على أراضيهم، وينشر مستوطنيه بينهم، ليحاصر بهم مدنهم وقراهم، ولينشر الرعب بين صفوفهم، ويستولي على مزروعاتهم وغلالهم وثمارهم؟ ما معنى أن أفاوضه وهو يحاصر غزة هذا الحصار الجائر برا وبحرا وجوا، ويهدم هذه الأنفاق التي تربط القطاع مع الشقيقة الكبرى على رؤوس الناس فيها؟ ما معنى أن أفاوضه وهو يعزل القدس عن محيطها، ويعزل المقدسيين عن أهلهم وإخوانهم وأنسبائهم وأقربائهم وأحبابهم في الخليل وبيت لحم ونابلس وجنين وكل المحتل منذ سبعة وستين؟ ما معنى أن أفاوضه وهو يصر على البقاء في الأغوار بدعوى حفظ أمنه، وكي يحاصر الفلسطينيين في الضفة الغربية حصارا كاملا تماما مثل غزة؟ ما معنى أن أفاوضه وهو يصر كل الإصرار على التخلص من عرب الجليل والساحل والمثلث والنقب بترحيلهم إلى ‘يهودا والسامرة’، ليسهل عليه بعد ذلك ترحيلهم جمعيا إلى خارج بلادهم فلسطين في المرحلة القادمة، ما معنى أن أفاوضه، وهو يصر على تحويل هذا الشعب بكامله إلى لاجئين ينبغي أن يستوعبهم المجتمع الدولي، وأن يوطنهم، ويقدم لهم التعويضات، ثم يخضعهم للمراقبة المشددة جيلا بعد جيل، بحيث يصرفهم عن التفكير ببلادهم فلسطين. لا بد قبل التفاوض من إعلان الطرف الآخر (الذي وضع يده على كل فلسطين التاريخية) بشكل واضح أنه لا يمانع في عودة اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين تنفيذا للقرار 194، وأنه مستعد للانسحاب الكامل إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو عام سبعة وستين، وأنه على استعداد تام لإخلاء كافة المستوطنات من دون استثناء، لأنها جميعا غير شرعية، وأنه على استعداد لإطلاق سراح كافة الأسرى الفلسطينيين من دون استثناء، وأنه ملتزم بتقديم الضمانات التي تمكن كل عرب فلسطين من دون استثناء من العيش في بلادهم بحرية وكرامة واحترام، من دون أدنى مساس بحقوقهم الدينية والتاريخية والقومية، ومن دون أدنى مساس بثوابتهم التي ضمنها المجتمع الدولي، وضمنتها قراراته وشرائعه ومواثيقه.. فإن تعذر هذا لسبب أو لآخر، فليس أقل من أن يعيش الفلسطينيون جميعا مواطنين كاملي المواطنة والحقوق كلٌ في قريته أو مدينته بأمن وأمان واطمئنان؛ فإن تعذر ذلك أيضا لهذا السبب أو ذاك، فإن من المتوقع أن الذي قد يحدث في كل هذه الديار ربما كان خياليّا في بشاعته بشكل أكبر بكثير من ‘خيالية’ هذا الحل الإنساني الذي يراه كثير من الناس، وكثير من المراقبين في هذا العالم، ولكن العودة إليه قد لا تكون ممكنة، لأن التفكير فيها قد جاء متأخرا، وبعد فوات الأوان كما يقولون. ‘ كاتب فلسطينيwww.samman.co.nr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية