يبدو أن العطل الذي أصاب مكائن صناعة النجم التي امتازت بها هذه «الموجة»، وتحول أغلب المجتمعات إلى أرض غير خصبة، كما في السابق، جعل الفن والفنانين على اختلاف مجالاتهم في متاهة مركبة، تقع بين إثبات مكانتهم عبر انتزاع اعتراف الجماهير، والسعي الدؤوب في تحقيق ذلك الهدف.
انتهى أو شارف زمن الأيقونات على الانتهاء ببساطة، ولم يعد يجدي الإسراف في تفريغ طاقة المحاولة، والجهد لنيل مكانةٍ كانت في السابق موجودة، لتوافر الظروف الملائمة لها، أما الآن فهي تعاني الضمور العضوي والتحول، بفعل موجات التغيّر العاتية، الأمر الذي يستوجب على الفنان أن يغير أو يستعير مفاهيم جديدة يتحرك من خلالها. وقد يفاجئونا هذا التساؤل قليلا، كيف لمجتمعات يتجذر فيها الانكسار والانحدار الثقافي، ألا تكون خصبة لنمو الأيقونات والنجوم، بينما هي لا تزال بوعي المجتمعات الصحراوية الباحثة عن «الشخصية الكارزمية»، وشخصية المنقذ والبطل، الذي يفكر وينوب عن الجماعات، ولا وظيفة للجماعات فيها سوى الالتفاف والتصفيق والتهليل!
وهذا كشف آخر بأن العقل العربي تحديدا، حتى في هذه النقطة، حيث قدرته البدائية على الالتفاف حول الشخصيات البارزة في الفن والدين والمعرفة وغيرها، فُقدت أو انمسخت، وبقي منها الالتفاف فقط حول المشايخ والمعممين والساسة، وخرج الفن والفنان والعلوم والمعارف من دائرة الاهتمام.
الاضطراب والضياع الذي يعيشه الفنان، سببه الرئيسي بعيدا عن الظروف الشخصية، هو أنه لم يحظ بالتقدير المناسب والمكانة المستحقة، ويمكنك كمتابع ملاحظة ذلك من خلال السوشيال ميديا أيضا، الذين حققوا نسبةً جيدة من الشهرة، وتم الاعتراف بهم عالميًا نتيجة ظروف معينة لا تشترط الإبداع فقط، غير مهتمين بالنشر كثيرا عبر المجلات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. لا يمتلك شعور الحاجة إلى إثبات نفسه وتوضيحها، برازها في أي شكل من الأشكال. لاحظ أيضا على مستوى الفرد الفيسبوكي نفسه عندما يحظى بإقبال الناس، سيكتفي بمراقبة التعليقات فقط، بدون الرد عليها، وبمجرد أن يشحَّ قليلا تواصلهم مع ما ينشر، ستجده يخرج من قوقعته إلى مشاركة الآخرين، ليعيد شحن اهتماماتهم وجذبهم من جديد إليه، حتى أنه يبدأ بالرد على التعليقات القليلة.
هذه السلوكيات الصغيرة والمهملة تفسر الكثير، لكنها مع ذلك مهملة ولا يتم الالتفات إليها إلا نادرا. بمعنى هناك علاقة عكسية بين تفاعل الفنان وتفاعل الناس معه، كلما زاد اكتفى بالمراقبة، وكلما انخفض بادرهم. بغض النظر عن الجوانب الشخصية والأخلاقية الأخرى المتعلقة بثقافة الرد على الآخرين، فهناك من يراها واجبا كنوع من الاهتمام والتقدير، وهناك من يراها نقطة حساسة حتى لا يفقد اهتمام القلة المتفاعلين معه وهناك أسباب شخصية أخرى تختلف باختلاف المستخدِم .ثم إن قوانين التواصل الاجتماعي فرضت وغيرت سلوك الأفراد إلى هذه المرحلة بما يقتضيه الأمر، وعلى الرغم من الاستخفاف بخصوص كونها أصبحت تشبه «الواجب» في الأعراس والمآتم، إلا أنها حقيقة اجتماعية، يسميها علم الاجتماع «التقابل الاجتماعي»، وهو عندما تقدم هدية مثلا لشخص ما تتوقع منه القيام بالمثل، وقد تم سحب هذه المنظومة من الواقع المعاش إلى الواقع المفترض، رغم الاختلاف الشاسع والدواعي بينهما.
منظومة التواصل الاجتماعي المحتكمة إلى السرعة، خلقت مزاجا يناظرها في التلقي، بعد أن فرضت على الكاتب نوعا من الكتابة التي تميل إلى الاقتضاب والتشذير، وما يمكن تسميته بـ«الأدب الإلكتروني»
ومع ذلك كله، حدث العكس من المتوقع، فبدل أن تتيح هذه الوسائل وصولا سريعا وانتشارا أوسع مما كانت عليه الوسائل القديمة السابقة للاعتماد على الإنترنت، انحسر الفنان والفن بمرور الوقت، وصعد من لا يستحق الصعود، وهبط من لا يستحق الهبوط، إلا في حالات نادرة تواءمت سعةُ الانتشار بجودة المنتج، ولربما أحد الأسباب أيضا، هو استهلاك الفنان المستمر لنفسه، عبر كثرة الاستخدام، وقربه الدائم من المتابعين، ما قلّص المسافة وخفّض التوقعات اللامحدودة، بما يخص شخصية الفنان، ومن الجانب الآخر توفر الفنون على أنواعها بشكل يسير ومجاني، دفع بها إلى انحدار قيمتها وتلاشي أهميتها، وخذ مثالا على ذلك الشعر، إذ لم يعد المتلقي بحاجة الكتاب الورقي ولا تحمّل كلفة الشراء، يمكنه من خلال متابعة الصفحات والمواقع الإلكترونية الحصول على مبتغاه بسهولة، هذا غير انتشار الشعر في كل مكان في هذه الفضاءات بكل أشكاله، خلق شيئا من الإشباع والملل والاعتيادية مدعومة برغبات المئات التي وجدت ظالتها في الكتابة والشعر، وهو سبب آخر في إطلاق مقولة «عصر السرد» أو الرواية، فعلاقة السرديات المطولة بآليات عمل التواصل الاجتماعي علاقة ضدية، أنقذت الرواية إلى حد ما من الاستهلاك الشائع والمجانية المفرطة.
كما أن منظومة التواصل الاجتماعي المحتكمة إلى السرعة، خلقت مزاجا يناظرها في التلقي، بعد أن فرضت على الكاتب نوعا من الكتابة التي تميل إلى الاقتضاب والتشذير، وما يمكن تسميته بـ«الأدب الإلكتروني»، فليست الأفكار كلها صالحة للاختصار والتكثيف، كما ليس كل ما يصلح للتواصل الاجتماعي يصلح أن يكون على الورق، فالمناخات القرائية مختلفة، وهذا مدعاة لتشظي المنتِج والمتلقي بين ضفتي القراءة، وإن كان هناك جدوى من خلالها يتم اختبار النصوص والأعمال الفنية أحيانا .
ورغم ما يتضح من وجود استهداف متأصل في صلب المجتمعات، ممثلا بالذين يحاربون الفنون بحجة الدين، واستهداف آخر يتغير شكله بتغير طريقة الاستعمار، يضرب في عمق ثقافة المجتمع، لجعله لقمة سهلة المضغ والابتلاع، يجب أن لا ننكر أن العالم الجديد بدأ يخلع ثياب هذه المرحلة الحضارية تدريجيا، وأننا مقبلون على «موجة» جديدة، تعيش فيها اليوم بعض أرقى مدن العالم، بدون إدراك تلك الحقيقة، ومعها ستنزاح المفاهيم والمركزيات وأشكال العائلة ومصادر الطاقة، إلخ، باتجاهات أخرى، وهذا بلا شك سيغير معه طريقة التفاعل والتلقي مع الفن، خاصة أن الفنون حتى إذا عملت على توظيف هذه المتغيرات وطرحها كنوع من التجديد والتحديث، بما فيهما من معالجات فكرية وجمالية، إلا أنها في الجوهر تتكئ على خط سير واحد، يرتبط بحلقاته التراكمية المترتبة عبر النشوء وما مرت به إلى يومنا هذا. بينما التلقي أكثر مرونة وشتاتا خلال هذه الظروف، ذلك أنه يعتمد على أفراد تأثروا وما زالوا يتأثرون كل يوم بمتغيرات العصر، وهذه المتغيرات تجبرهم على تبديل النوافذ وطرق المشاهدة والقراءة، حيث إن الأفراد/ الجماهير، هم الأكثر حساسية واستجابة لهذه التقلبات الحاصلة في ميادين مختلفة، فليست هناك حلقات تلق واضحة وثابتة مثلا يمكن معها أن يتمسك الجمهور بتراث من التلقي أو بمرحلة سابقة، فيبتني عليها حلقة جديدة تضاف إلى السلسلة شبيهة بتطور الفنون، على الرغم من تعدد نظريات التلقي، إلا أن هذا التلقي هو نوع من الإبداع أيضا ويقع في دائرة المتلقي المختص، أو الناقد ولا يشمل كل الجمهور، بذلك ينحو الفنان باتجاه معلن وبخط يغلب عليه الوضوح، بينما التلقي يغمره غموض المرحلة المقبلة التي لم يستقر عليها بعد. ولعل الفنان رغم انفتاحه وحساسيته النادرة ومجساته الممتدة في كل مكان، بالإضافة إلى كونه فردا من المجتمع الخاضع لتغييرات متوقعة، يبقى مع ذلك محميا بالفن، وخط الفنون المترسخ عبر الأزمان، فهو إن تحرك سيكون تحركه مستندا إلى متون وهوامش متصلة بشبكة من العلاقات، سواء أدركها أو لم يدركها، ستجعل تحركه أبطأ واكثر اتزانا من بقية الأفراد، ذلك أن الأفراد يتكئون على جملة ثوابت مهددة بالانقلاب والتشظي. وبهذا يكون الفنان والفن هو المنقذ الحقيقي باختلاف المراحل الحضارية المنقضية والتي ستنقضي، مدعوما بذاكرة أكثر صلابة وثباتا من الأنماط الثقافية الأخرى المرتبطة ارتباطا لصيقا بطرق العيش. والقصد بأنه سيكون منقذا بما يمنحه من تصورات وأفكار متنوعة، استندت إلى شتى أنواع النظريات الفلسفية والاجتماعية والتاريخية والأنثروبولوجية والعلمية، مانحةً مفاتيح الرؤية الثاقبة والتفكير السليم، الذي من خلاله تتضاءل الهوّة داخل فوضى المراحل الانتقالية الكامنة بين ثباتين أمام الفنان والمتلقي .
٭ كاتب عراقي