متجر بحجم وطن… يبيع الماضي والمستقبل

حجم الخط
2

فيديو قصير، لا تتجاوز مدته دقيقة من الزمن، لكنه يختصر تاريخاً من الكوميديا السوداء. يظهر فيه شاب، في منتصف العشرينيات من العمر، وهو يحكي عن رحلته الخائبة من وهران إلى شواطئ إسبانيا. رحلته في الهروب لم يقدر لها الوصول، قبل أن يعود في المركب مع رفاقه، ثم يعتقلهم الأمن في الجزائر ويخلي سبيلهم، بعد أيام في السجن. ويسرد السبب في فشل الرحلة، بكلمة تعبر عما يجول في خاطر جيل كامل من الشباب: «اﻟﭭيد رﭭد». بمعنى أن قائد المركب قد غلبه النوم. لماذا؟ لأنه أسرف في تناول حبوب مهلوسة. فالمغامرة في البحر ليست تسلية، كما يظن البعض. عندما يرتفع الموج، وسط البحر، يتراءى الموت بألوانه أمام أعين المهاجرين غير الشرعيين. لذلك يقبلون على حبوب مهلوسة تنسيهم أهوال الرحلة، وهي حبوب تثير النعاس، كما حصل مع قائد هذا المركب. لكن «اﻟﭭيد رﭭد» ليس في ذلك القارب فحسب، بل يبدو أن سائس التاريخ في الجزائر هو من «رﭭد» كذلك. من غير أن يتناول حبوب مهلوسة، غلبه النوم. لا سيما في السنين الأولى التي تلت الاستقلال عام 1962. حينها لم تسر الدفة صوب الوجهة المرجوة، حادت عن الطريق وحادت معها آمال بلد خرج لتوه من الاستعمار. في تلك السنين الحاسمة «اﻟﭭيد رﭭد» ولم يوقظه أحد.

تذاكر إلى الماضي وأخرى إلى المستقبل

لا بد أن الشاب، الذي ظهر في الفيديو، من مواليد مطلع الألفية الجديدة، ويعلل سبب تفكيره في هجرة غير شرعية إلى أوروبا، بكلمة جزائرية خالصة: «الميزيرية» يقصد منها الشقاء. كيف يمس الشقاء شاباً يعيش في بلد يصدر الغاز والبترول؟ ويحوز احتياطي صرف يجاور 85 مليار دولار؟ ما قاله ليس دقيقاً، بل إنه يقصد أمراً آخر أخفق في التعبير عنه، وهو «الخيبة» من الخطاب السائد، الذي تعود عليه منذ صغره. حين نغربل الخطاب السياسي، في الجزائر، منذ مطلع الألفية، سوف يتبين أنه ينقسم إلى نوعين، يوزع تذاكر في اتجاهين، تذاكر إلى المستقبل وأخرى إلى الماضي، ولا يهمه الحاضر. عندما يترشح رجل السياسة إلى انتخابات، فلا يعنيه النظر إلى حال الناس أو كيف يصارعون راهنهم، بل سوف يسارع إلى وعدهم بالمستقبل. يبيع لهم الغيب، كمن يملك خزائن السماء والأرض. يتكلم بحروف التسويف: بالسين وسوف. بالتالي لا يمكن أن نحكم عليه. يجنب نفسه الحرج ولا أحد بوسعه إسكاته. بما أن المستقبل في حكم الله، والناخبون من المسلمين فإنهم لا يناقشون أمر الله. هكذا يضمن رجل السياسة أن يصدق الناس كلامه وإن لم يفعلوا فإنهم لن يكذبونه. وإذا فشل في أن يبيع لهم تذكرة إلى المستقبل، سوف يعوضها بتذكرة أخرى إلى الماضي. يطيل شاربه مثل هواري بومدين، ويستميل قلوبهم بحديث ناعم عن حرب التحرير وأمجادها، أو يلبس برنوساً تشابهاً بالأمير عبد القادر. من بوسعه أن يحاسب شخصاً يتشبه ببومدين أو عبد القادر أو يتلو على لسانه مفاخر حرب التحرير؟ لا أحد. هذا هو الخطاب الذي نشأ عليه جيل كامل، من الشباب في الجزائر، يقتنون تذاكر إلى مستقبل أو أخرى إلى ماضٍ. كأنهم في متجر لكنه متجر بحجم وطن. بينما في الحاضر لا يفكرون سوى في ركوب قارب إلى إسبانيا. وهذه الرحلة أيضاً لم تعد مضمونة، لأن «اﻟﭭيد رﭭد» فمن يوقظه؟
والكثير من الرحلات صارت تنتهي إلى الغرق، أو يجري إحباطها قبل أن تغادر الحدود الإقليمية. مما يضطر الشباب إلى العودة، وتقبل الوضع كما هو عليه، في الإصغاء إلى من يعدهم بالمستقبل أو من يعدهم بماضٍ. هذا الماضي الذي لا يعرفون عنه شيئاً سوى ما قرأوه في كتاب مدرسي أو شاهدوه في فيلم على التلفزيون.

المال مقابل الحلم

من يشاهد فيديو «اﻟﭭيد رﭭد» يخيل له أنه فيديو ساخر، لكنها سخرية تواري مأساة. عندما يصل هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، إلى وجهتهم، في إسبانيا، يصيرون أرقاماً وكفى، لا أحد يذكر اسماً لهم، بل إنهم أنفسهم يتنازلون عن أسمائهم وذاكرتهم في الطريق، وإن ماتوا فسوف يصيرون كذلك أرقاماً. هكذا ببساطة يدفن إنسان كل ماضيه ويتحول إلى شبه إنسان في مركب يعبر من جنوب الأبيض المتوسط إلى شماله. لكن لا أحد يهمه ما يحصل مع هؤلاء الشبان قبل أن يربكوا قارباً. كم دفعوا من مال؟ مبلغ الهجرة غير الشرعية في تضاعف. يعادل راتب عام ونصف العام مما يتقاضاه موظف في إدارة عمومية. إذا كان كل قارب يحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشر مهاجرا، يمكن أن نتكهن بالمبلغ الكبير الذي يتقاضاه المهرب! بل من المهربين من صار يفرض دفعاً باليورو، ومنهم من يعمل كسائق حافلة. يوصل المهاجرين إلى وجهتهم ثم يعود بالمركب إلى الجزائر. في ثقة كأن ما يقوم به أمر عادي. في هذه الحالة «اﻟﭭيد لا يرﭭد» بل يظل مستيقظاً. لكن التفصيل الأهم، الذي يغيب عن الأذهان، هو ما يتعرض له شاب مقبل على هجرة غير شرعية. فقد شاعت اعتداءات بالسكاكين، بشهادات منهم. يقبض مهرب مالاً منهم، يحدد لهم مكان الالتقاء على الشاطئ – في الغالب ليلاً – تفادياً لخفر السواحل، وبدل أن يركبوا قارباً، سوف يعودون إلى بيوتهم بعد أن يسلب منهم مالهم وبعد أن ينجوا من الموت. الموت يلاحقهم سواء في البر أو البحر. وصار عليهم العودة إلى حياة درجوا عليها في الماضي، عندما ألفوا الاستماع إلى خطابات سياسية تبيع لهم المستقبل أو الماضي، لأن الحاضر لم يعد مهماً. من يعجز عن حل قضايا الراهن، يستعيض عنها بالترويج إلى حياة في المستقبل، أو في ابتذال مآثر الماضي. متى يخرج الخطاب السياسي من هذا الحيز العبثي؟ متى نسمع مرشحاً في انتخابات يطرح حلولاً إزاء قوافل المهاجرين إلى إسبانيا، كي لا نسمع من جديد أن «اﻟﭭيد رﭭد» وكي لا نرى شباناً يدخلون السجن لمجرد أنهم برموا من سماع أناشيد الماضي؟

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية