يرسل لي رسائل الكترونية يحدثني فيها عن الفن والحرية!
انه صديقي الذي غادر الي روما في اجازة ليريح نفسيته من الوضع الذي نعيش فيه، فهو لم يعد يحتمل الصمت العربي، ويوميات القتل والدمار والتشريد، ولم يعد يستطيع ان يطيق رؤية الاطفال يتقتلون ويفجعون بالموت والفقدان، وجثثهم تتناثر علي شاشات التلفزيون. صديقي الذي مرض، وفقد الكثير من وزنه، واصيب بالاكتئاب، قرر ان يزور معقل الفن فيفرج عن نفسه، يبحث عن مساحة يتقري فيها الحرية، ليفكر ويبدع من جديد.
اما انا فتوجهت اثناء سفره نحو بيروت في مهمة انسانية يقتضيها العمل، تتضمن دعم الاحتياجات الانسانية للنازحين والمقيمين. وفي حين اخذ صديقي معه ديوان المتنبي ليتعلل بما فيه، اكتفيت انا بدفتر الجيب الصغير، اسجل احتياجات المنكوبين، وشيئاً من يومياتي، وفي حين كان صديقي يتجول في المتاحف، والمسارح، كنت اتجول في الشوارع والملاجئ، واخلي جثثاً، واذب عن آخرين الموت، اشاهد مسرحيات اكثر تراجيدية من التراجيديا ذاتها، واجد مكاناً مع اللبنانيين لكوميديا تغرقنا معاً في ضحك ما عرفته من قبل، ضحك في ظل فناء محتمل كل لحظة، ضحك تفجره رغبة في الحياة، وفرح باننا ما زلنا احياء!
الشعور الذي كان يرافقني هناك في بيروت شعور اتعرف اليه للمرة الاولي في حياتي، قوة غير مسبوقة، وتحد، ودهشة، فهي المرة الاولي التي اصافح فيها الحرية، هكذا يداً بيد، وبعيداً عن التنظير، انزلها من عليائها، واجلسها معي لنتناول القهوة، ونتحدث، ولم تكن الحرية اكثر من ان تدير ظهرك لموت محتمل، فتمارس مهمامك في اغاثة الآخرين بشغف. كنت اسير طليقة في شوارع واماكن طالما تجولت فيها في غير وقت الحرب، تسوقت، واكلت، وسهرت… فالفيتها الآن اجمل، واحببتها اكثر، لانها حررتني من مفاهيم الخوف، والطمع، والتهافت غير المسوغ علي الحياة، حتي النوم وجدته معها ترفاً مفرغاً من المعني، حين يكفينا رمق من الهواء لنكون احياء.
الامان وجدته مع الخائفين، والمهجرين، والصامدين، والخجل تعلمته من الثكالي ومن مشاريع الرملة واليتم المصفوفة علي لائحة الانتظار.
اما الفن بضروبه فقد ادركته هنا، بين النازحين والمقاومين، مجسداً في تفتق معان جديدة للملحمة، والدراما، والشعر! لكن صديقي في روما مازال اسير النظريات الرجعية لما بعد الكولونيالية، التي لا بد يكررها الآن وهو يتناول النبيذ الابيض الذي يحب مع كاتب ايطالي صديق، تواعد معه علي العشاء ليحدثه عن الازمة في الشرق الاوسط، وعن دور الفن اداةً للتحرر. لقد بدأ صديقي يثير شفقتي، اظن ان الكثير قد فاته، وانه مؤهل نفسياً ليكون مخدوعاً بتنظيرات زائفة عن الفن، والثقافة، والحرية! كيف يمكن لنا ان نتواصل ثانية يا صديقي، وقد صار الفرق بيننا جوهرياً: انك متحرر في روما، وانا حرة في بيروت؟
شهلا العجيليبيروت6