سخنين- “القدس العربي”: المتحف العربي الفلسطيني في مدينة سخنين، داخل أراضي 48، هو واحد من أبرز معالمها، ويعتبر خزينة ثمينة للموروث الشعبي، ودائعها غنية ونادرة وترسم ملامح حياة الأرياف الفلسطينية، وتروي حكاية أهل البلاد الأصليين ممن قبضوا على جمرة البقاء والهوية والكرامة.
“القدس العربي” زارت هذا المتحف النادر وتجولت بين أقسامه وسافرت مع مرافقها مدير المتحف، الباحث أمين أبو ريا في قطار الزمن، واستمعت لشروحاته عن مضامينه.
يقول محمود درويش عن القهوة: “والقهوة، لمن أدمنها مثلي، هي مفتاح النهار، والقهوة، لمن يعرفها مثلي، هي أن تصنعها بنفسك لا أن تأتيك على طبق، لأن حامل الطبق حامل الكلام..”. وأنت، أستاذ أمين أبو ريا، معّد القهوة هذا النهار، وأنت حامل الكلام، ونريد افتتاح هذا الحديث معك بفنجان قهوة، فخذنا إلى عالم القهوة العربية، وهي أبعد بكثير من تناول فنجان البنّ لأنها بداية الحكاية والرواية.

“القهوة هي رمز الضيافة العربية، وعندما كان أجدادنا يقولون إذا لم تشرب القهوة فإنك لم تحترم مضيفك. وهي تطبخ وتقدم وفق قواعد وأسس واضحة، وترتبط بعادات وتقاليد عربية كثيرة. على سبيل المثال عندما كان أحدهم يحتفل بزفاف نجله، ويدعو أهالي البلدة كان أحياناً يستعير أواني القهوة من الجار أو الصديق، وعليه عندما كانت تعاد فور انتهاء الفرح وجبت إعادتها مليئة بالقهوة. وإذا ما استعيرت أواني القهوة بمناسبة حزن، ولتقدم في بيت عزاء فينبغي إعادتها نظيفة فارغة.
كما أن القهوة تحمل إشارات، فعندما ترى أن القهوة تسكب بمائها وحثلها بجانب المضافة، فهذا يعني إعلان حداد على شخص مات. كان الناطور في مضافة المختار يستهل النهار بطحن القهوة في المهباج”.
“هناك فنجان الهيف، وهو فنجان الأمان يحتسيه صاحب المضافة أولاً كي يتثبت من درجة حرارة القهوة، وكي يطمئن ضيوفه بأنها خالية من السمّ. ثم يبدأ المضيف بتوزيع القهوة على الضيوف من جهة اليمين، فالمثل الشعبي يقول “كله خص إلا القهوة قصّ” فلا يمكن أن تقفز عن ضيف لصالح ضيف آخر، مثلما يمنع رفض فنجان القهوة المقدّم داخل مضافة المختار. إذا حط الضيف فنجانه فهذا يعني أن هناك مشكلة وينتظر أن يحلها المختار قبل أن يحتسي قهوته. وعندما يقال للضيف اشرب قهوتك، فهذا يعني أنه يعد وعداً قاطعاً بحل مشكلة المستجير. إذا توانى المختار عن الرد فهذا يعني أنه لا يعلم، وفي هذه الحالة يحق للضيف ترك الفنجان والخروج، ولكن ما دام في منطقة نفوذ المختار فيحظر الاعتداء عليه. عندما ينهض الضيف ولم يتناول فنجان قهوته، فهذا يعني إعلان عداء بمعنى أنه يريد انتزاع حقه بيده. الباحثون في التراث، أمثال عبد العزيز أبو هدبة، يعتقدون أن صوت المهباج في ساعات الصباح هو دعوة لأهالي البلدة لتناول قهوة الضيف الاعتيادية، وإذا كانت في ساعة استثنائية فهذا يعني أن هناك طارئاً.. إما ضيف أو سيف. إذا كان ضيفاً فيحضر أهالي البلدة من الرجال فتطبخ له قهوة جديدة على شرفه وهم يشاركونه. وأما فنجان السيف فهو عندما تطبخ القهوة بحال حصلت مشكلة أو أي اعتداء كانت تطبخ قهوة جديدة ويمسك المختار أول فنجان في يمناه ويدعو أحد الشباب لاحتسائه كي يكون وعداً بحل هذه المشكلة والالتزام بعدم عودته للديوان إلا بعد حلها”.

ويشير أبو ريا لفنجان الكيف، وهو الفنجان الثاني، أي المزيد من القهوة منبهاً إلى أنه يحتسي القهوة ثلاث مرات في النهار كل يوم، وداخل مكتبه كانت حاضرة وهو يتحدث لنا. منوهاً أنه امتثل لأمنية والده بالتعلم والعمل بالتربية والتعليم، فأنهى في جامعة حيفا دراسة العلوم الاجتماعية واللغة العربية، وشرع في مزاولة التعليم عام 1979، وما لبث أن وجد معايير عمل لا تناسبه، فذهب للعمل في البناء فساد جو حزين داخل البيت. لكن الحظ ابتسم لأبو ريا، وسرعان ما صار رجل أعمال ناجحاً في البناء، خاصة في مجال سقف الأسطح بالقرميد.
“التربية غلابة، فأنا ابن فلاح، وشاركت والدي في زراعة البطيخ والدخان في سهل البطوف، وربما كان والدي آخر من حرث أرضه بواسطة محراث تراثي يجره ثوران. من هناك رضعت حب التراث والنزعة الوطنية والقومية، وهذا دفعني للتطوع في المركز العربي لإحياء التراث العربي في مدينة الطيبة عام 1986، والذي أسسه المناضل الراحل صالح برانسي، أحد مؤسسي حركة “الأرض”. ثم بني فرع للمركز في سخنين، وتطوعت فيه، ثم أقمنا متحفاً كبيراً في مدينتي سخنين. ووقتها تشاورنا مع الراحل توفيق زياد حول مكان المتحف، هل نقيمه في مدينة الناصرة، أو في قلعة ضاهر العمر الزيداني في مدينة شفا عمرو، أو في بلدة دير حنا، وانتهى القرار بأن يكون المتحف داخل عمارة “سرايا الحج موسى أبو ريا” في سخنين. وهذه العمارة أقامها الحج موسى أبو ريا عندما وكله أحمد باشا الجزار، حاكم عكا، إدارة ولاية الشاغور والجبل في القرن الثامن عشر، وقمنا بترميمها. انتقلت هذه العمارة بالوراثة، وسكنها أحفاد الحج موسى أبو ريا، ومنذ 1990 انطلقنا هنا في المتحف التراثي العربي الفلسطيني. وهذه العمارة عبارة عن عدة أقسام مبنية على شكل “عقود صليبية”، وتشمل غرفة الدرك وسجن المنطقة وغرفة الأعشار، حيث يتم تخزين المحاصيل التي كانت تجبى خاصة القمح وزيت الزيتون”.
من أبرز أقسام المتحف “الديوان”، وهو مضافة لكل أهالي البلدة، ومن لم يجد له مكاناً داخله يجلس في مقدمته في موقع يعرف بـ “المصفة”. ومكان المختار في الديوان ثابت في صدر الديوان، وكان يمنع أن يجلس أحد مكانه أو على يساره، وهذا يحمل رسالة مفادها أننا كلنا يدك اليمين. إلى جانب المختار الشيخ والخوري والضيف يجلس بينهم، وهناك أيضاً موقع للحكواتي وعازف الربابة ومقدم القهوة، وقد تم محاكاة هذه الشخصيات بأجسام تمثّلها صنعت من الشمع يكاد الزائر يخالها بشراً، وأحياناً كان بعض الكبار من العمر عندما يزورون الديوان داخل المتحف يطرحون التحية والسلام عليهم، كما يوضح أبو ريا.

وينصف المتحف التراثي المرأة الفلسطينية ودورها، وعن ذلك يقول أبو ريا: “كانت الأم مربية ومعلمة لبناتها ولا يقل عملها عن عمل الرجل، فهي تعد البنات كي يكنّ أمهات، علاوة على مشاركتها في الفلاحة وفي الزرع، في مواسم الحصاد والقطيف، فالرجل جنة والمرأة بنى، فهي صاحبة القرار في البيت، وعندما يقال إنها بنى فهي بانية برنامج الحياة في البيت.
وداخل هذا القسم عدد كبير ومتنوع من أوان فخارية ونحاسية لحفظ المؤن (بيت المونة) مثل جرار الزيت والمحاصيل وسلال القش، وكل هذه الأواني كانت صناعة يدوية. وتبرز جرة زيت كبيرة تعرف بخابية الزيت، وكانت تتسع لـ 35 رطل زيت زيتون وتحافظ على جودته، وهي عادة تصنع في قرية راشيا في لبنان. وهناك خواب للمخللات والمكابيس، وجرة للألبان والأجبان وكل خابية لها اسمها: “عسلية” لحفظ العسل، والدبسية لحفظ الدبس الخ. الكوارة أو الخلية جرة كبيرة صنعتها النساء الفلسطينيات من تربة “الحوار” البيضاء” المخلوطة بالتبن الناعم كخزائن حائط لتخزين الحبوب. وهناك أدوات معدنية خاصة من النحاس كانت موجودة داخل البيوت الفلسطينية: الدست، الطنجرة، دست أبو الحلق، والصنية، واللجن، والكشكول، والمقلب، وغيره. وتختلف تسميات هذه الأواني الفخارية والمعدنية من منطقة لأخرى في فلسطين، وكافتها كانت تصنع في يافا والقدس، ولكن معظم النحاسيات التي دخلت فلسطين في الماضي كانت تسمى بغداديات أو شاميات وهي مستوردة من العراق ومن سوريا.
وهناك قسم كبير للأثواب النسائية. يوضح أبو ريا أن أزياء العروس أو المرأة الفلسطينية مختلفة من مدينة لأخرى فكل منطقة تحيك الثياب النسوية بشكل مغاير: من ناحية الأقمشة، أسماء وأشكال ونقوشات الثوب والمطرزات وكل تفاصيل الفستان. تبدأ الفتاة في تطريز ثوبها كعروس طيلة سنوات قبل زفافها، وكان يفترض أن يبقى الثوب مناسباً لمقاساتها في كل الحالات، حتى بعد الزواج والحمل، ويبدو أن قلة الإمكانيات وقلة القماش دفعت الفلسطينيات لذلك.
ويوضح أن هناك 14 منطقة تطريز في فلسطين، يختلف فيها ثوب المرأة من مكان لمكان: ثوب الشرش، الثوب السبعاوي، ثوب الملك، ثوب الجنة والنار، ثوب العباية، وثوب التعمري، وثوب الشتالة، ولكل ثوب اسم وتفاصيل خاصة، فهو ليس فستاناً يرتدى في يوم الزفاف فقط، وعادة كانت المرأة الفلسطينية تستخدم فستاناً واحداً في الحياة اليومية أما فستان العرس فيستخدم في المناسبات.
ويتضمن المتحف أدوات إنارة متنوعة تعكس التحولات في الفترات التاريخية المختلفة، وعن ذلك يقول أبو ريا إنه بالإضافة للحطب هناك سراج البيت ومصباح علاء الدين، الذي يعمل بزيت الزيتون والفتيل، وكان يصنع من الطين والحجر والفخار ثم صاروا يصنعونه من النحاس وكان نوره خفيفاً، ولذلك يقال اليوم عن الضوء الخفيف “هذا ضوء كضوء السراج”. ثم جاء البابور أو المشكاة المعلق على الحائط، وهناك القنديل، وهناك اللوكس الذي وصل فلسطين عام 1904 وكانت الناس تفاخر به، وقبل ذلك في الأرياف كانت نساء القرية يقطعن الحطب من الجبال لإنارة الظلمة في السهرة ليلاً.
ويجمع أبو ريا الكثير من الأدوات التراثية منذ ثلاثة عقود، وأحياناً كثيرة مقابل تسديد أثمانها، واضطر إلى فعل ذلك على نفقته الخاصة.

يقول كثيرون من أهالي الجليل تحبباً وتودداً، وبين الجد والمزح، إن سخنين “كرسي القضاء”، بفضل كرم وحماسة أهلها، وهذا ما ينعكس داخل المتحف التراثي فيها ضمن ركن خاص. ويقول أبو ريا إن هذه الموجودات والصور تتكلم بدون لسان وتروي سيرة ومسيرة شخصيات اجتماعية وسياسية ودينية من مدينة سخنين في فترات مختلفة. ويهتم أبو ريا بصورة خاصة لـ الشيخ أبو فرج (إبراهيم محمد أبو يونس) فلاح ربّى ولديه أحسن تربية، وعشق شجرة الزيتون، والأرض بالنسبة له كالبنت. عندما هب فلسطينيو الداخل في يوم الأرض، الأول في 30 مارس/ آذار 1976، دفاعاً عما تبقى لهم من أرض أمام مشاريع المصادرة الإسرائيلية. وعن شجاعته وتصديه للقوات العسكرية الإسرائيلية التي دخلت سخنين في ليلة الثلاثين من آذار 1976 دخل أبو فرج أسفل مجنزرة مع عجل مطاطي ليشعل النار فيها، لكن القداحة التي كانت بحوزته لم تعمل. وقتها استشهد ستة من فلسطينيي الداخل ثلاثة منهم من أبناء سخنين. وداخل المتحف صور كافة شهداء سخنين.
“كلمة التراث كبيرة، وكل اللوحات لا تفيها حق. من يملك تراثاً فهو موجود، وحضارتنا العربية غنية جداً، وموروثنا الإنساني الفلسطيني غني جداً، وعلينا الاحتفاظ به أمام مزاعم صهيونية. بقي شعبنا فوق ترابه وبنى عوالم كاملة في مختلف مجالات الحياة وتصدى للكوارث الطبيعية وتصدى للظلم والطغيان وصور المواجهات مع القوات الإسرائيلية، وقبل ذلك مع الاستعمار البريطاني. موروثنا موسوعة، قسمه الأول معنوي، والقسم الآخر مادي، وهذا دور المتحف؛ أن ينقل التراث المعنوي: كل ما قيل وتم غناؤه وكتابته، كالأمثال والقصص الشعبية والحضارة المادية مكملة لعاداتنا وتقاليدنا وجزء من الموروث الإنساني، ولن تكتمل الصورة دون استحضار حكاية الشعب وحضارته وموروثه المادي والمعنوي معاً”.