بيروت-“القدس العربي”: يقع متحف الفن الحديث والمعاصر “مقام” في قلب الطبيعة على تلة جميلة في بلدة عاليتا قرب مدينة جبيل الأثرية، شمال العاصمة اللبنانية بيروت، ويجمع مساحات داخلية وحدائق في الخارج تحتوي على منحوتات خارجية، تبلغ مساحتها 4000 متر مربع بالإضافة إلى مكتبة متخصصة ومركز أرشيف يحتوي على أكثر من 500 ملف عن فنانين لبنانيين.
ولد متحف “مقام” في صورة لما كانت عليه الحياة في لبنان منذ عقود خلت حتى يومنا هذا مع فنانين تشكيليين بتقنياتهم وطاقاتهم وأجنحة مخيلتهم. بين جدرانه 400 عمل لـ 115 فناناً وفي أفيائه سيرة النحت في لبنان على مدى قرن من الزمن، وهي المجموعة الأكبر لنحّاتي الفن الحديث والمعاصر وللأعمال التركيبية في المنطقة العربية.
ويحتوي المتحف الذي افتتح في 29 حزيران/يونيو 2013 على منحوتات وأعمال فنية لبنانية ودولية مهمّة، كما يعرض أكبر قدر من الأعمال الفنية البصرية التي أُنتجت في لبنان. وتشمل المجموعات فنونا حديثة ومعاصرة، منها منحوتات من الخشب والمعدن والبرونز والحديد بالإضافة إلى قطع سيراميك مختارة ومعروضة بجمالية رفيعة المستوى.
وينظم المتحف محاضرات وورش عمل تربوية وفنية ونشاطات لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات على مدار السنة، كما يقيم مسابقات فنية، ويمكن للزائرين اليوم التجول في المتحف ورؤية منحوتات المتنافسين والفائزين. بالإضافة إلى هذه المسابقات، يقوم المتحف بدعوة فنانين دوليين للإقامة في لبنان موقتا وإنجاز إبداعات فنية، وهذا ما جعله غنيا بالفن، طموحا بإنجازاته، وجعل منه مكانا لعشاق الفن، وللأطفال وللعائلات، للجمهور المحلي والدولي، كما هو مركز هام للباحثين والكتاب والأكاديميين.
“مقام” مشروع نما من خبرة وإنجازات سيزار نمور، المؤسس والخبير بالفن، الذي كتب عن الفن وساهم في تأسيس عدة أنشطة ومؤسسات مهتمة بالفن مع زوجته غابريلا شوب ونتيجة لهذا الاهتمام بالفن، بدأ فنانون عدة بإرسال أشغالهم إلى نمور إما للعرض أو للترميم، فتطورت ثقتهم به وكبرت مجموعة الأعمال الفنية لديه، واضطر للبحث عن مكان عرض ذي مساحة شاسعة. بهذا العزم، وجد نمور مكانا في بلدة عاليتا يحتوي على مبنى مصنع قديم. بعد مشروع إعادة تأهيل للمبنى، افتتح متحف “مقام” أبوابه للزائرين عام 2013. ومن ذلك الوقت، عرف المتحف كـ”مسكن للفن”.
وهذا حوار مع مؤسس “مقام” سيزار نمور:
*كيف بدأت فكرة إنشاء متحف “مقام”وكيف كانت البدايات؟
** أهوى الفن منذ خمسينيات القرن الماضي. تعرفت إلى فنانين عدة منهم ميشال بصبوص، ومنير عيدو، ومنير نجم، وبدأت أولاً بجمع الأعمال الفنية، ثم بدأت في منتصف الثمانينيات الاطلاع على تاريخ الفن وجمعت الكتب والمؤلفات التي تتناول قضايا الفن، ثم قمت بطباعة مقالاتي، فقسمتها إلى مقالات عن النحت وعن الرسم. أسست دار نشر ونشرت كتابين واحد عن الرسم وواحد عن النحت، ومنذ ذلك الوقت لغاية اليوم نشرت 23 كتاباً عن الفن اللبناني باللغة الانكليزية، واثنين فقط باللغة العربية.
بداية مشروع “مقام” كانت مع تأسيس “جمعية الفن المعاصر” بالتعاون مع زوجتي وشخصيات من رواد هذا الفن ومجموعة من المهتمين، وقد جمعهم هدف إنشاء متحف للفن الحديث والمعاصر هو الأول من نوعه في لبنان.
بعد حصولنا على الأرض استكملنا رحلة توثيق الفن اللبناني التي كنت قد بدأتها في سبعينيات القرن الماضي. وقد شملت هذه الرحلة أيضًا تأسيسه “دار الفنون الجميلة” التي أصدرت 22 كتابًا عن الفن اللبناني، ومكتبة Recto Verso (في شارع مونرو) التي تحتوي مئات المؤلّفات التوثيقية عن الفن اللبناني الحديث.
ويستعيد المتحف حقبا شبه زائلة أو مهددة بالزوال من تاريخ الفن اللبناني الحديث، وتم حفظها من خلال قسمين أساسيين: قسم للنحت، وقسم للأعمال الفنية المعاصرة. ويضم القسمان حاليا حوالي 400 منحوتة ولوحة لـ115 فنانًا لبنانيًا، تم جمعها وأعيد عرضها بما يتيح للزائر تكوين لمحة عن تطوّر الفن وأشكاله خلال السنوات الستين الأخيرة في لبنان.
*ما هو الهدف من إنشاء المتحف؟
**للمتحف هدفان، الأول: إعادة الذاكرة الفنية في لبنان والمحافظة عليها وتوثيقها، ففيه اليوم أكثر من 500 ملف عن الفنانين اللبنانيين، ولدينا أكثر من 100 ملف عن الغاليريهات التي توقفت، إذ نقوم بجمع المعلومات عنها، وبهذا الشكل نعيد بناء التراث الفني اللبناني قبل ان يندثر. أشعر ان من واجبي ان أحافظ عليه كوني أعمل في هذا المجال منذ وقت طويل.
والهدف الثاني: إطلاع الأجيال الشابة على الفن المعاصر، إذ يقوم المتحف بالاتصال بالمدارس ويطلب من تلاميذها زيارة المتحف والاطلاع على محتوياته ويشارك التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 سنة في ورش العمل.
*ما هي الأعمال التي يركز عليها المتحف اليوم؟
**يركّز المتحف حاليا على الأعمال الفنية كالمنحوتات والتصاميم الهندسية، ولاحقاً الأعمال الزيتية والمائية. لم نغفل عن الاهتمام بالفن العابر، أي الفنون التجهيزية الحديثة والفيديو آرت، التي بدأ يسطع نجمها في الثمانينيات.
ويتجاوز مهمة عرض الأعمال على جدرانه ليتحول إلى مساحة تفاعل، حيث لا يحصر اهتمامه بالفن التشكيلي والنحت فقط، ولكنه يضيء على الأعمال الفنية المعاصرة. ويهتم المتحف بالتوعية والتربية الفنية، إذ تُقام محاضرات وورش عمل على مدار السنة، كما يقيم مسابقات فنية ومنها مسابقة النحت بالخشب، والنحت بالبرونز وبالحديد. بالإضافة إلى ذلك يقوم بدعوة فنانين عالميين للقيام بإبداعات فنية، ومن يزور المتحف تطالعه قاعة واسعة خُصصت للمنحوتات اللبنانية الحديثة.
وفي إطار برنامج “مقام” نفّذت نشاطات فنية وثقافية متعددة، بالإضافة إلى المعرض الدائم للنحت والتجهيز التشكيلي. كما نظّم مسابقة بين الفنانين التشكيليين وفي خلال فصل الصيف ينظّم محترفات دولية يشارك فيها عشرات الفنانين من دول العالم، ويستقبل مشاريع تصوير فوتوغرافي وسينمائي وسواها في أرجائه الواسعة.
وأقمنا معرض استعادة للفنان الراحل شوشو وقمنا بعرض صور لـ25 مسرحية قدمها الفنان شوشو. ثم أقمنا معرضاً عن السيراميك للفنانة سلهب كاظمي وهي أول فنانة تعمل بالسيراميك في لبنان ونظمنا مسابقة الإبداع بالسيراميك شارك فيها 48 متخصصاً بالسيراميك وهم أساتذة فن في الجامعات.
*كيف تم تقسيم أعمال المتحف؟
**قمنا بتوزيع الأعمال داخل قاعات المتحف إلى أربعة أقسام: معدن، وخشب، وحجر، وخزف، وتعرض لكل فنان منحوتة أو أكثر مرفقة بتعريف عنه ولمحة عن أعماله.
*وهل المتحف مدرج ضمن لائحة المتاحف في العالم؟
**يكتسب المتحف أهميته من ثلاث نقاط: أولاً لكونه مغامرة فنية من دون دعم رسمي، وثانيًا، لأنّه فضاء فنيّ خارج الإطار المديني، وثالثًا لأنه يسعى إلى إعادة الاعتبار إلى مرحلة ذهبية في تاريخ الفن اللبناني. ولذلك من المتوقع أن يصبح في المستقبل القريب موقعًا مميزًا للسياحة ولطلّاب الفنون الجميلة.
والمتحف عضو في المؤسسة العالمية للمتاحف، ومدرج أيضا ضمن لائحة المتاحف في لبنان بوزارة الثقافة اللبنانية.
أخيرا لابد من التنويه إلى أن المتحف احتفل مؤخرا بالذكرى السنوية السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعمل على تحويل جدار خارجي طوله ستون متراً، جداراً تأمّلياً. يحتضن أعمالاً جدارية، تحمل تواقيع فنّاني غرافيتي محليّين وعالميّين، علماً أنّ كلاً منهم ابتكر تصميماً، يعكس بنداً من البنود المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.