متخيل الحلم والتذكر: بحث في الكتابة النسائية

حجم الخط
0

متخيل الحلم والتذكر: بحث في الكتابة النسائية

شعيب حليفيمتخيل الحلم والتذكر: بحث في الكتابة النسائية ترتوي الكتابة الإبداعية من تفاعلات لا محدودة، خاصة ومشتركة، تساهم فيها الأنساق الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية، كما يحدد بعض أسئلتها الموجهة، المتخيل العام والخطابات المهيمنة في المجتمع.من ثمة، فإن قواسم مشتركة كثيرة في بناء هذا المتخيل، ظاهرة، لا يميز بين كتابها وكاتباتها سوي اللغة والرؤية وبعض الأسئلة الخصوصية والبحث عن قنوات وأدوات أخري للقول الإبداعي المغاير والمجدد.فحضور الذات في محنها أو تحررها، في علاقاتها أو انغلاقها، وحضور المجتمع بمختلف وجوهه المتبدلة والمفتوحة… يصوغ متخيلا يعبر عن أشكال إدراك الكاتب لذاته وواقعة وثقافاته وكيفيات تحويل كل ذلك ضمن صيرورة فنية تحقق بدورها أنواعا من التلقي وأشكالا لا محدودة من التأويل.ولعل الكتابة النسائية، في سياق الكتابة الإبداعية عموما، استطاعت في مختلف الأجناس التعبيرية أن ترسم جماليات دينامية في بناء المتخيل وعلاقته بالذات واللغة والواقع.ومن ضمن التقنيات والمكونات المشيدة لهذا المتخيل.. الحلم والتذكر حيث يتم استثمارهما بأشكال مختلفة ومتجددة، باعتبارهما أداتين متقاربتين لاستدعاء الصورة والحكاية وإثراء المتخيل الأدبي، وتوسيع حقل الدلالة وتكسير نمطية القول الفني وتحديد مجالات التعبير للأنا ووعيها الذاتي والتاريخي.غ2ففي الشعر المغربي ومع مجموعة من الشواعر خصوصا في التجربة الشعرية الجديدة بالمغرب، تحررت القصيدة عندهن من ترهل الجمل، لغة ودلالة ومن المباشرة المحاذية للخطابة والشكوي.وأصبحت العبارة الشعرية أقرب إلي الحلم في رشاقة المعني عبر رسم صور بلاغية مخففة من أثقال الاستعارات وهو المسار الذي دخلته شاعرات عشن التجارب الأولي التأسيسية في الشعر المغربي، مثل مالكة العاصمي التي تقول في قصيدة بعنوان : قرار (1) :يحتل الليل بجثته المترامية الأطراف ضلوع الباشقكل بقاع الأرض تضيق بهسيقفز الليلة للسماءإلي مكامن الظلمةممعنا في دربهيزيح خيمة الليلويسحب الشمس إلي الفضاء. فالنص يتضمن صراعا بين متخيلين يتجليان في اللغة والوعي، الأول متخيل سياسي ويفتتح الكلام بمعجمه المرجعي قبل أن تتحول الشاعرة من هذا المدخل العنيف إلي متخيل يتدثر ببلاغة الحلم تحليقا بالعبارة والمعني، وهو تحول ذكي رغم أن النص كان مؤطرا بأفعال قوية، من المتخيل الأول : (يحتل، يقفز، يمعن، يزيح، يسحب).وعند ثريا ماجدولين، في أقوي نصوصها، يطلع صوتها خلف ضمائر أخري محملا برومانسية تنتشي بالتذكر والحلم لمواصلة إرواء تلك الرؤية العذبة للأشياء في المرآة (2):يا امرأة فيانسكبيوانثري سنابلك بعيداانكتبي فوق حواف الليلواحلمي بالغرقفي مياه الشوق والتيه.ولعل جملة واحدة في قصيدتها (لا وقت لاختلاس الأنفاس) هي التي ستربط بلاغة النص بقيمة المتخيل الذاتي وقيمة التذكر الذي يفك الارتباط الآلي مع أية واقعية فجة ومع الذات.إذن، فكي أزرار الظل سريعاعن وجه السماءاغتسلي بماء الشمسوارقصي حول المرايا. (3)وحتي حينما تغير اتجاه المخاطب نحو مرايا أخري، فإن ثريا ماجدولين تظل وفية لخزائن الصور ومجازفاتها في المتاهة الأثيرة بين الحلم والتذكر :ماذا لو فتح عينيهإلي آخر عريهماوتذكر السماء التي في قميصهوالضوء الذي في قامتهوالندي الذي في دمهولم يكتف بالصبرولم يعلق أحلامهعلي كتف الليلولم ينف رياحهإلي عتمه الظل.إن الصورة الشعرية عند ماجدولين، كما هي عند عدد من الشاعرات، صورة خالية مما يعيق انسيابها لأنها تخلصت من كل سردية النثر التي تصبح مملة في القصيدة، واكتفت بالشعر وحده مخففة من أية حمولة خارج الذات.. أو ظلالها.غ3فوتتجلي تقنية التذكر بجلاء أيضا في السرد، حيث يصبح آلية فنية لتفعيل التخييل وتوليد معطيات راهنة بأحداث ماضية تنتمي إلي الذات الفردية والجمعية، كما لو أن التذكر في السرد يفضي إلي القول بسيرورة الأفعال والأحداث وبترابط الآثار في ما بينها.ويعبر نص قصصي(5) بعنوان (حلم) لليلي الدردوري عن هذا الاتجاه، فهو نص عميق يتحسس، دون هوادة، جروحا رغم مرور فترة طويلة ما زالت حية لم تمت، فالكاتبة تتعقب آثار الزمن عبر تذكر سنوات السبعينات من القرن العشرين، زمن النضال وسعيدة المنبهي.وقد انتظرت الساردة “مسافة حقيقية” لتدرك الأحداث بشكل فني بعدما كان تلقيها “طليقا” في الذاكرة ليتحول إلي لغة من تذكرات وأحلام تظفرها في لغة هادرة وقوية كي تستوعب خزائن الذاكرة، حيث الحلم وسيط شفاف ومرن لكل المحن والجروح.” لم نخطط البتة لهذه السفرة، أتذكر كيف اختلسناها غلابا، ويوما كاملا من جدول حصصنا الدراسية، ونحن وقتها مجرد حزمة أحلام يافعة ومندفعة” ومع تــــــطور أحداث النص القصــــــصي تتفـــتــــق الذاكرة عن وضوح بارز بنوعية الأحلام “الحمراء” التي تستدعيها : “وحدي أنا من دون الرفاق، لم يكتب لي أن أراها يوما، لكنها تراءت لي ذات حلم تتخطفني بدفء إلي منفاي، وترمي بي في اللجة والهدير، لم أقصص نجم رؤياي علي أحد، لكن حلمي ظل يطمع إلي أن تراءت لي في الليلة الثانية، امرأة تراود خيوط شمس تعبدها، تلتحف ظلا سندسيا، تحتضن استدارة القمر ثم تتبدد رؤية في الأسرار”.استطاع هذا النص تحويل العذابات، ضمن تجربة معينة، إلي تخييل يعيد قراءة الأحداث من محطات شاهقة إلي حلم يسري في النص بشكل متدرج، فالساردة تعبر منذ البدء عن كونها “مجرد حزمة أحلام يافعة ومندفعة”، ثم تعبر عن حلمها في الليلة الأولي والثانية ورؤيتها لسعيدة المنبهي، وفي هذه اللحظة يتوسع أفق الحلم ويتحرر حينما يرتبط بشخصية مستعادة تترآي لها كتعويض عن عدم رؤيتها في الواقع، وفي المرحلة الثالثة من النص يصبح التعبير عن الحلم مأساويا، فهو “حلم معمد بدم سعيدة المغدور”، بعدما دلتهم علي كمائن الفجر وتركتهم في شفق الحلم حيث لم يواصلوا الذهاب مجازفة إلي الفجر.ولعل قولها في خاتمة النص خير معبر عن مآل الحلم، وجدوي التذكر : ” كيف عدنا مع الريح لا نلوي في الكف علي شيء سوي خفقة نجم سقط قبل ظهوره، وقبضة أمل ناقص مبتور وحلم نبيل حزين”.وبهذا التعبير يتحقق بعد خاص عند ليلي الدردوري في توظيف التذكر والحلم وهو توظيف يرتبط بذاكرة جمعية ولحظة سياسية بأكثر من مؤشر، وهو ما يأخذ طابعا آخر عند ربيعة ريحان بتجربتها الموسعة عبر نصوص عدة، حيث يكتسي الحلم عندها شكل الرغبة في العودة إلي الطفولة، طفولة مصطفي إلي حيه ليحاكم سلوكه وسلوك أمه التي كانت حريصة -مثل غيرها- علي عدم انحرافه.رغبة تحويل ماضي الطفولة إلي شيء آخر : ” كان عليها أن تتنازل قليلا، كأمهات الصبية العاملات في الفابريكات، وتترك لي شيئا من عزمي ومن إرادتي، ماذا كان سيحصل لو أنني تكلمت بسوء، وأطلقت بصوت عال تلك الشتائم البذيئة ولعنت الدين، ورميت جزافا أعراض الأمهات غير الزانيات، ماذا كان سيحصل لو أن سهراتي طالت علي الأقل في العطل إلي حدود الفجر”.(6)وعن طريق الحلم والتذكر يستعيد الماضي الذي يولد لديه رغبة مزدوجة بالتلذذ حينما يروي عن شخصيات يؤطرها : باكبور، بنت الطرشا علي الكاراكتير، بوشتي الخراز، المعطي السيكليس.كما يولد لديه الحسرة كونه لم يفعل ما كان يفعله غيره ولم يندمج بحرية في تلك العوالم العجائبية الحالمة، والتي يراها في حاضره بنوع من الدهشة.إن الحلم عند ربيعة ريحان، والذي ترويه علي لسان شخصية مصطفي، هو جسر للعبور إلي الماضي لإعادة ترتيبه والتمتع بحريته، وفي الآن نفسه التعبير عن رفض الواقع الذي هو نتيجة افتقاده للتحرر الذي لا يملك منه في حاضره سوي الحلم والتذكر.أما مليكة نجيب فتستثمر الحلم باعتباره وسيلة للفرار من عالم الواقع إلي عوالم الخيال، من راهنه الذي يبدو فيه ضعيفا ومهزوما إلي عوالم البطولة والمتخيل. إنه حلم من أحلام المراهقة، في قصة (هجرة قاصر)(7) تروي الحكاية بضمير المتكلم لطفل قاصر في صيغة وحدات سردية متكررة : “رأيت كما يري اليقظ الراشد” عن طفل يشعر بضغط الالتزام المدرسي من والديه ومعلميه فيفر عبر الحلم ليحيا الصراع والانتصار ويحقق الحب، إنه حلم المراهق المتطلع إلي الحياة المتحررة من كل القيود والالتزامات.إن تجربة مليكة نجيب في مجموعتيها (الحلم الأخضر) 1997 (ولنبدأ الحكاية) 2000 نموذج آخر في ترسيخ كتابة قصصية تنحو منحي التقاط المتخيل الواقعي عبر تقنيات عدة من بينها الحلم والتذكر والتركيز علي معجم يمتح من عالمي الذاتي والمجتمعي.إن الواقع الذي تصوره مليكة نجيب بشخصياته المفتقدة للبطولة في واقعهأ تحقق لها المؤلفة مسارات في تشريح واقعها وفي أحلامها أو أوهامها.وتستعير سلوي الرفاعي(8) في قصة (خمس نساء في حلم) تقنية تراثية من السرد القديم جربها التنوخي وبوكاتشو وغيرهما في حكاية المجلس، فسلوي الرفاعي تروي عن اجتماع خمس نساء جمعتهم صدفة تأخر القطار، ومن أجل تجاوز محنة الانتظار في المحطة قررن أن تروي كل واحدة حلما شكل تعويضا عن نقص أو عن محنة أكبر، فحنان تحكي كيف تحلم بلقاء زوجها الشهيد، وتتمني سناء أن يأتيها خبر الإفراج عن زوجها الصحفي المعتقل، أما نوال، وهي الفلاحة التي هاجر زوجها فتحلم بحياة عادية بسيطة غير التي تحياها، علي غرار حلم هبة بصيغة أخري وهي ترغب في الفوز بجائزة كبري لليانصيب وتقوم بتوزيعها، وتختتم الساردة دورها في الحكي، فترتبك لأنها ملآي بالأحلام فتختار الفرار من هذا العالم والحلم بالرجوع إلي الحياة البدائية قبل مئات الآلاف من الأعوام.يختلط الحلم عند سلوي الرفاعي، باليقظة، وبالرغبة، إنه شكل للتمني وتجاوز الواقع المأزوم واستبداله بواقع آخر يحضر فيه الزوج / الدفء والحياة بدون موت أو اعتقال أو هجرة أو جوع وفقر.غ4فوفي اختيار آخر لمتخيل الحلم والتذكر تصوغ منصورة عز الدين روايتها (متاهة مريم)(9) بطريقة تختار أدواتها من التيمات التي تشتغل عليها، فهي تبني الحكاية مما تهدمه ثم تختار، عن وعي وبقلم حدق مدرب، المتاهة إطارا دائريا وحركيا عاما تنمو بداخله سير وحيوات شخصيات طلعت من صلب التاجي، هذا الأخير الذي هو جزء رئيس من مشاهد الرواية التسعة وحقولها الدلالية والرمزية وعوالمه الغرائبية والحلمية.إن بنية المتاهة كما تم تركيبها علي أسس جمالية تمتح من التعجيب والصوفي والفلسفي، لا تفهم خارج سياق رحلة مريم في البحث عن اليقين الذي يبدد الحيرة أو يعقلنها، ويصبح الحلم هو المعبر لخوض كل تلك الرحلة ونحو شيء خفي يفك بعض الألغاز لمواجهة قساوة العالم ولعنته وجنونه، وليس هناك بديل لمريم في فهم مسار التاجي الكبير وسلالته وما تفرع من لعنة ومحنة ومتاهة وجنون دون حلم…. فهو الجسر نحو التاريخ والحكاية.غ5فيبحث المبدع، باستمرار، عما يحقق له قولا فنيا شفافا يعكس التماعات اللاشعور وآثار اليومي بطبقاته الكثيفة، وقد بلغت الكتابة النسائية، بغض النظر عن التصنيف الذي هو شكل إجرائي ليست له أي خصيصة مائزة، مبلغا في التنويع علي أساليب وتقنيات من أجل قول إبداعي بملمس فني، وكان لتوظيف الحلم والتذكر، وهما أصلا جزء عضوي من الكتابة الإبداعية، فرصة في استثمار معطيات ذاتية واجتماعية وتاريخية وسياسية.كاتب من المغربإحـــالات :1-مليكة العاصمي : قصيدة : قرار. العلم الثقافي، الرباط -المغرب : 17 بوليوز 1999.2-ثريا ماجدولين : قصيدة : لا وقت لاختلاس الأنفاس : العلم الثقافي، الرباط-المغرب. بتاريخ 17 يناير 2004.3- نفس المرجع4- ثريا ماجدولين. قصيدة ماذا لو. ملحق فكر وإبداع بجريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7867- 25 فبراير 2005.5- ليلي الدردوري : قصة : حلم -العلم الثقافي- الرباط- 9 أبريل 2005.6- ربيعة ريحان : قصة : ظل لمكان الحلم. العلم الثقافي- الرباط- 14 ماي 2005.7- مليكة نجيب : لنبدأ الحكاية. مجموعة قصصية. ص.ص. 14- ط. 1-2000 الرباط- قصة هجرة قاصر.8- سلوي الرفاعي : بقعة ضوء في الرماد : مجموعة قصصية. دار الحوار. سوريا. ط 1-1993 (قصة خمس نساء في حلم. ص 39-46).9- منصورة عز الدين : متاهة مريم (رواية). القاهرة – ميريت. ط1. 2004.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية