لينا أبو بكر ‘هذه هي اللحظة التي تمناها العراقيون، لحظة القبض على صدام، واجهته، قلت له لقد قتلت العراقيين والأطفال، أنت ضد الله.. فقال لي: أنا صدام لم أزل أنا الرئيس’. هذه أولى العبارات التي بدأ بها برنامج ‘ساعة الصفر’ الذي كما أورد حرفيا: ‘يحكي قصة سقوط ديكتاتور تروى بلسان أحد ضحاياه’، فهل الجندي العراقي سمير ذلك المترجم لقوات الاحتلال الأمريكي هو حقا ضحية؟
كما يذكر الشريط المكتوب في الشارة فإن البرنامج – الذي تم عرضه على قناة (بي بي سي) البريطانية قبل أعوام خلت ويعاد عرضه الآن على قناة (المشرق) يسجل سابقة بمقابلة أولى ومطولة لصاحب أول صورة لصدام بعد العثور عليه، ولن تسأل لماذا تعيد قناة المشرق عرض هذا الفيلم الآن؟ ربما والعلم عند ربما ـ لأن ثمن شراء هذا النوع من الأفلام يتدنى كلما تباعدت الفترة الزمنية لوقت السبق الإعلامي الأول، وربما ليستفيد أولي الألباب من بني يعرب، ما دامت الانشطارات الجغرافية تبشر بعنقدة ذرية لم نشهد لها مثيلا منذ معاهدات فرق تسد في أدراج سايكس بيكو. ما يؤلمك حقا هو أنك تستعيد المشهد من وجهة نظر مشبوهة، لأن ذاكرة ذاك الجندي ذاكرة حاقدة ومتشفية، مما يخل بأمانة التوثيق، بل إن أول ما ستستغربه هو اصطحاب ذلك الجندي لموقع الخندق من أجل وظيفته كوسيط لغوي ‘مترجم’، فما الذي حوله إلى مصور ثم محاور مخابراتي مع المغدور به، ليقوم بضربه وركله بقدمه على الرأس والوجه، مما تسبب له بالنزف في المناطق التي كان صدام يشير عليها للجندي الأمريكي الذي كان يتفحصه في أول صور تم عرضها للعالم على الشاشة، بعد العثور على خندقه وإخفاء آثار الضرر فيها؟
الآن وبعد مرور سنوات على تصوير هذا الفيلم، هل ما زال سمير يرى في صدام عدوا لحريته ووطنه؟ هل استطاع أن يعود للعراق ويعيش فيه خربا مدمرا ومنهكا من احتلال خلف آثارا تفوق أثر القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي؟ ألم يلاحظ هذا الجندي أنه تناقض مع الحقيقة لما تحدث عن رفض العالم لمساندته ضد صدام في الثمانينات، وهو رفض منطقي مادامت أمريكا وراء حربه ضد الشيعة في ذلك الوقت، وهو نفس السبب الذي اغترب لأجله هذا المترجم الشيعي الذي انضم لصفوف الأمريكان ضد صدام في الألفية الثالثة؟ تصور المغالطة التاريخية والمنطقية؟ ألا يضحك الغافلون على أنفسهم؟ ثم هل البطولة أن يحتمي سمير بالاحتلال فينتقم من صدام بركله على وجهه؟ وهناك تناقض أبلى لما يقول حرفيا: ما كنت أتخيل أن صدام البطل يعيش في تلك الحفرة، لاحظ كيف غلبه اللاوعي في وصف صدام، وفي هذا إقرار باطني على هزيمته أمام رئيسه، علما بأنه حاول استدراك الأمر في ما بعد، وهو استدراك غير شرعي طالما أن البطولة الواهمة تكشر عن أنيابها بمجرد استعادتها.
ترى لو أعطيت الفرصة مجددا لسمير بعد كل ما حل بالعراق نتيجة الاحتلال، هل كان يستعيد لحظة العثور على خندق الرئيس الراحل بنفس التشفي؟ إن كان يمكن لك أن تعد هذا الفيلم وثيقة إعلامية فليس عليك أن تتجاوز بهذا التوثيق أهم نقطة، ألا وهي أن عنصر التوثيق في الحدث إعلاميا يجب ألا يحكمه الانفعال العاطفي الآني، وأن الزمن لا بد أن يأخذ مجراه، لأن هذا النوع من التوثيق الذي يستخدم فيه أمثال سمير، ليس سوى ورقة سياسية الهدف منها زيادة الرصيد الانتخابي لحاكم البيت الأبيض ليس إلا. بمجرد سقوط العامل الزمني من حسابات المعادلة التوثيقية أُتلفت مصداقية التوثيق، عداك عن أنه يفترض بالمنتصر أو القوي كتابة التاريخ من وجهة نظره، كما تعود العالم على مر العصور، إلا أننا نشهد في عصر الخيبات العربية المتتالية ثقافة توثيقية جديدة، هي توثيق العملاء والجواسيس للتاريخ، التي يعتمد بها هؤلاء على تبرير العمالة، فأية هزيمة جبانة للحقيقة؟ وهل سيغفر لهم التاريخ تبريرهم الذي قلب طاولة ديكارت فخلط الشك بالوجود بضرورة اليقين بالعدم؟
الجمرة الخبيثةماريا معلوف امرأة جميلة جدا وجذابة، ولكنها ليست اعلامية استثنائية كمنى الشاذلي مثلا أو خديجة بن قنة أو ليلى الشيخلي، ولا هي حتى مثل ريما صالحة كأضعف الإيمان، لن أخوض في عقد المقارنات، لكن اضطررت لشيء منها مجبرة، بعد متابعة حوارها مع المستشار الخاص للرئيس الراحل ياسر عرفات بسام أبو شريف على قناة المحور، حيث وجهت إليه سؤالا حول كتابه ‘بيروت مدينتي’، وقد حمل السؤال إدانة علنية لاعتبار بيروت مدينة له، هذا الخطاب الإعلامي الذي أصبح شبه معتمد رسميا في المنظومة الإعلامية اللبنانية ـ المناهضة للوجود الفلسطيني في لبنان أو تلك التي تتبنى وجهة نظرها، ما هو إلا قبض على ما أطلقت عليه التوراة ‘الطاعون السادس’، أي قبض على الجمرة الخبيثة، التي يتناقلها الجهاز الإعلامي كعدوى متفشية، وبدلا من أن يعتبر كتاب أبي شريف طوقا للنجاة من هذا الهاجس المرضي، يصبح دليلا لإدانة الفلسطينيين بما يسعى بنو اسرائيل لفرضه لا الفلسطينيون: مسألة التوطين، فيقوم اللبنانيون بقتل بيروت كفكرة جمالية وقمعها بتحويلها لفكرة سياسية محضة، بيروت القصيدة الحلم تصبح قفصا للاتهام، فهل من أمة في الأرض إلا نحن، نغتال القصيدة يا ماريا معلوف؟ بسام أبو شريف السياسي المناضل الفلسطيني ابن الجبهة الشعبية العروبي، الذي كسر كل الحواجز المفتعلة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وتزوج من سيدة لبنانية مارونية ليحظى بعشيرة أخوال مارونيين لأبنائه، يصبح مع ماريا معلوف مدانا بالتوطين لمجرد أنه يعتبر بيروت مدينته، على سبيل العشق والنضال والمعايشة والكتابة والنسب، وكل هذا لم يشفع له اعتباره من أمره شيئا. سأكرر ما قاله الأستاذ عبد الباري عطوان ـ مراعاة لأمانة النقل – خلال الحديث عن هذا الأمر وهو يخبرني بهذه المعلومة، مستذكرا عبارة الراحل محمود درويش للبنانيين: ‘اسمحوا لنا أن نحبكم’، عليكم أن تحرصوا من التوطين كشعار أو مبدأ اسرائيلي وليس فلسطينيا، مع الأخذ بعين الاعتبار الرؤية الصهيونية لدولة اسرائيل الكبرى، من دون إغفال مسألة حق الاستثمار والعقار في بيروت لكل شعوب المعمورة ما عدا الفلسطينيين! حذار إذن من القبض على جمرة تسييس بيروت بحجة الانتماء لها كمدينة لأصحابها فقط، لأن القبض على هذه الجمرة لن يكون سوى قبض على بكتيريا سامة هي في حقيقة الخطر، ‘جمرة خبيثة ‘ تتحول مع التداول الإعلامي إلى عدوى مهلكة تقتل أول من تقتل القابض عليها، وقد لا أكتفي.
ساويرس: ميت مسنود على عيان ربما كان أكثر ما يثير في حلقة (العاشرة مساء) التي التقت بها منى الشاذلي نجيب ساويرس مسألة تعامل القانون مع ترخيص بناء الكنائس في مصر بشكل عادل ومتساو في هيكلية المجتمع المصري، وهو ما يراه رجل الأعمال المصري ساويرس يجب أن لا يشكل قضية بحد ذاتها تلغي أمورا أكثر أولوية من مسألة التنافس على بناء مسجد أو كنيسة، لأن الصلاة كهدف يمكن أن تؤدى بأي مكان ولا يشترط لأداتها مكان خاص بها، وهو على يقين تام بعدم توافر رغبة حقيقية بحل تلك المسألة لا بل وقصدية وتعمد صريح لعدم توضيح الأمور المتعلقة بقانون بناء دور العبادة، لأن هنالك سلطة تقف حائلا دون تشريعه، وهنا تحديدا توافق السيد ساويرس طالما أن بعض المتطرفين يسعون لفرض الدين كسلطة تنافسية لا كدستور إنساني، أو أداء شعائري يقصد به التقرب من الله تعالى، وهذا تحديدا ما جعله يعتبر العمل الإرهابي الذي استهدف كنيسة الاسكندرية غير طائفي لأن المقصود منه ليس الضرر بمصلحة الأقباط، بل بأمن مصر الذي يتحيز له على حساب قبطيته، في ذات الحين الذي يروي لك فيه رأي أحد الصعايدة وقد قال له مرة: إن الحصول على ترخيص لبناء ملهى ليلي في مصر أكثر يسرا من الحصول على ترخيص لبناء كنيسة. يريد ساويرس الوصول إلى نقطة مفادها أنه لو عمّ الظلم على الجميع بقدر متساو لم يكن ليغضب أحد، وهي نقطة منى الشاذلي عندما تحدثت عن عدم توافر عنصر العدالة وتفشي منطق العنصرية الشاملة، التي تلغي مبدأ تكافؤ الفرص، وبهذا يلتقي الضيف مع الشاذلي بما يختلفان عليه، فهو لم يزل ينظر إلى الأمر على أنه ظلم مقتصر على أبناء الطائفة المسيحية، بينما تراه هي فقدانا لمبدأ عدالة عام، لأن الولاء لحزب ما هو الذي يحدد مواطنتك، بينما يصر هو على أن طبيب النساء والوزير والمناصب الحساسة يتم حرمان القبطي منها، أو التحفظ على توليه لبعضها تحت طائلة التشكيك بولائه لبلده، ويخالف عماد الدين الأديب الذي كانت له مداخلة هاتفية في الحلقة، ويرى فيها أن القبطي يحصل على ثلثي نسبة البيزنس والاقتصاد في مصر، لأن أموال الدنيا لن تغنيك عن إحساسك بمواطنة حقيقية تتساوى فيها مع الجميع بالحقوق والواجبات.
منى الشاذلي اتفقت مع ساويرس على اعتبار مسألة التعاطف العام مع المسيحيين من قبل المسلمين في مصر، هو تأكيد على مبدأ التماسك الوطني، ولكن هذا تحديدا ما دفع هذه الإعلامية الرائعة – التي مهما اختلفت معها تجبرك على الاحتفاظ باحترامها كقيمة خاصة بها – للتعبير عن رعبها من الاستكانة لهذا الاطمئنان الشعبي والرسمي والتغاضي عما يشعر به الأقباط من غبن، أهمه على مستوى وصفهم من البعض بالكفر كما ذكر الضيف نفسه، ربما ينوب السيد نجيب من الحب جانب بعد تصريحاته، كما قال له عماد الدين أديب، قاصدا بذلك تأليب الغضب الرسمي عليه إلا أنك تتعاطف مع الأقباط في مصر لما تدرك أن النظام يعاشر السلطة الدينية بالخفاء فينجبان ابن حرام اسمه الأمن، وقد يغدو القبطي باتكاله عليه ـ وهو عدوه اللدود- كحال الميت في شعر علي سلامه: ‘ميت مسنود على عيان وبيتمنى العمر يطوِّلْ’! شاعرة فلسطينية تقيم في لندن