رأفت العيص لا يوجد مواطن عربي غيور على مصالح أمته، ممكن أن يكون له موقف سلبي من الثورات العربية، والمطالب المشروعة للشعوب. ولا اعتقد أن إنسانا عاقلا ومتبصرا، ممكن أن يسير بموقف ومنطق الثورات العربية الحالية وارهاصاتها مجتمعة دون تفكير وتمحيص.
كانت ثورتا تونس ومصر، بارقة أمل لكل الثوريين العرب، الذين انتظروا تلك اللحظة لتململ الشعوب وإبراز شخصيتها والإطاحة بالديكتاتوريات التي داست على كرامة شعوبها طويلا. وكان نجاح الثورتين بزمن قياسي وتنحي رؤوس النظام، الهاما لكافة الشعوب العربية لخوض تجربة الشعبين. كان يحدونا الأمل أن تكون ثورة ليبيا بالمستوى الحضاري والسلمي لجارتيها مصر وتونس، لكن تدخل قوات الناتو بتفويض عربي، أفسد على الشعب الليبي ثورته النظيفة، واجزم أن مجموع من قتلوا بقصف الناتو وعلى يد الثوار خلال أشهر، أضعاف من قتلوا على يد نظام القذافي طوال 42 عاما.
سورية تتعرض لامتحان عسير كشعب ونظام. فالشعب السوري، شعب أصيل وطبيعته ثورية ولا يرضى بالضيم، فعلى مدار سنين طويلة، قاتل أبناء سورية الاستعمار وكانوا خير نصير للثورة الفلسطينية، كغيرهم من الشعوب العربية، وتحملوا الجانب الأكبر من التضحيات في المعارك المصيرية للأمة العربية.
مطالب الشعب السوري وحراكه الوطني، يمثل خطوة هامة لتصويب مسار النظام السوري، وتحقيق الديمقراطية واستعادة حقوق الإنسان. وعلى النظام السوري أن ينظر بعين الجدية لشعب حرق سفنه وكسر حاجز الخوف والرهبة ويتلقى الرصاص بصدور أبنائه المكشوفة.
سورية مثل ليبيا أصبحت بدائرة الاستهداف، وسبحان الله كيف سقطت الجرأة بقلوب أنظمتنا العربية فجأة، فالمبادرة التي أطلقوها فهمتها سورية جليا ووافقت عليها دون تحفظ، فهي تحمل في طياتها أجندة التدخل الغربي، ودون سابق إنذار تم تعليق عضوية سورية بمجلس الجامعة العربية كخطوة أولى للاعتراف بالمجلس الوطني السوري، وتنفيذ السيناريو الليبي ضد بلد شقيق، فقد سمع مجلس الجامعة رأي طرف واحد من المعارضة الخارجية التي تأبى منطق التفاوض مع النظام وتطالب بالتدخل الأجنبي، ولم يسمع بهتاف عشرات الآلاف التي خرجت تهتف ضد قرار الجامعة. كنا ننتظر موقفا جريئا للجامعة العربية أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 وكذلك أثناء العدوان على غزة 2009 ، إلا أن الموقف العربي لم يخرج عن نطاق الشجب والاستنكار الخجول، مثلما كان جريئا اتجاه ليبيا والآن اتجاه سورية. بل كان الموقف العربي يؤكد على المبادرة العربية اتجاه الكيان الصهيوني والتي تحمل رزمة هائلة من الحوافز التي رفضها الاحتلال الإسرائيلي. الموقف من سورية ومنطق الحماس الدولي ضدها، لا يخرج عن نطاق المواقف السورية المتقدمة من القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والموقف الداعم لحزب الله وحركة حماس في نطاق التحالف مع إيران. فقد سبق تلك المواقف محاولة اصطياد سورية من خلال المحكمة الدولية الخاصة بدماء الحريري، وقد تم دحض كافة قرائن المحكمة بعد اكتشاف شهود الزور.
هناك شعب آخر باليمن يحرق بالدبابات وقذائف الهاون، واكتفى المجتمع الدولي بمنح توكل كرمان جائزة نوبل للسلام، فما علاقة ثورة الشعب اليمني ومطالبه المشروعة وتلك الجائزة، وهل يكفي الشعب اليمني الجائزة والإبقاء على النظام مع الترخيص بالقتل؟ هناك أناس متفائلون بالثورات العربية ويعتبروها لون واحد كما يروج الإعلام، والتفاؤل يكمن بجرأة الناس على مقاومة حالة الصمت وكسر حاجز الخوف، والخروج للمطالبة بالديمقراطية.
وهناك المتشائمون الذين ينظرون للثورات كأجندات غربية لا تخرج عن نظرية المؤامرة، وكل ما يدور هو من نسيج الأجهزة الغربية وإعلامها المضلل.
نحمد الله أن الأديب الراحل أميل حبيبي اخترع مصطلح المتشائل كحالة يفرضها الواقع على الربيع العربي. فلنا تجربة ما حصل بالشعب العراقي من حكومة الطوائف التي فرضها الغزاة، وليبيا التي ستعاني الأمرين عندما يتقاسم أطراف الناتو ثرواتها. ويكفي المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بعد مصادرة ثورته وانتفاضتيه، وتجاهل المجتمع الدولي حقوقه، بل وقوف مجلس الأمن ضد مطالبه العادلة كما حصل مؤخرا، برفض طلب العضوية الكاملة بالهيئات الدولية. فقر موارد سورية حماية لها، واقتصادياتها المتواضعة لا يُسيل لعاب الناتو، ناهيك عن المخاطرة من خوض حرب ضد سورية ممكن أن تشعل حربا شاملة بالمنطقة ضد إسرائيل، مما يحرج الغرب ويضع المنطقة في ورطة لا خروج منها. وهذا السبب وحده يجعل أمريكا تفكر مليا قبل التدخل المباشر ضد النظام السوري.
المرحلة تتطلب من سورية وقيادتها السياسية أن تنظر بعين الحكمة لمطالب الشعب، وتفوت الفرصة على من يريدون تخريب سورية، فمثل الشعب السوري يجب أن يفتخر به، لا أن يداس بالدبابات فهو ذخر كبير بمعارك الأمة العربية وخط دفاع متين عن مصالحها.
وكما هو مطلوب من سورية مطلوب أيضا من كافة الأنظمة العربية، فكثير من البلدان المتحمسة للشعب السوري وثورته، تمارس ما هو أبشع ضد شعوبها وحتى ضد مصالح الأمة العربية وكرامتها، وسجلها حافل بانتهاك حقوق الإنسان.
الشعوب كثيرا ما تسيرها عواطفها ورغبتها وحماسها من أجل التغيير. وغالبا ما تفتقر للقيادة الواعية كما هو حاصل بثورات الربيع العربي، لكن المتربصين ومن ينصبون أنفسهم قادة الثورة، يحرفونها عن مسارها، ولا اعتقد أن ثورة عربية بالتاريخ الحديث سلمت من هذه الظاهرة. رأفت العيص- فلسطين