د. بشير موسي نافع
يعتبر عدم وجود طبقة حاكمة، دائمة، أو أرستقراطية مسيطرة، من أهم سمات المجتمعات العربية ـ الإسلامية خلال الحقبة ما قبل الحديثة. وقد استمرت هذه السمة، ضمن سمات أخري، تطبع المجتمعات العربية ـ الإسلامية بطابعها حتي انطلاق حركة التحديث العثماني في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن حركة التحديث، التي مثلت قطيعة واسعة مع أنماط الاجتماع التقليدية، أسست لولادة طبقة اجتماعية مهيمنة، تغيرت مرتكزات الثروة والقوة التي استندت إليها من مرحلة إلي أخري. في أغلب المجتمعات العربية، وفي عدد من المجتمعات الإسلامية التي تشترك والعرب في الكثير من الميراث التاريخي، تحتكر هذه الطبقة اليوم الثروة والسلطة علي السواء، وتقف باستماتة أمام تيارات الإصلاح والتغيير والنهضة.
توزعت السلطة في المجتمع العثماني بين فئتين رئيسيتين في جهاز الحكم، الفئة العسكرية (أهل السيف) والفئة الإدارية (أهل القلم). وقد كان علي جهاز الحكم أن يتعامل مع الفئات الأبرز والأكثر تأثيراً في المجتمع، مثل التجار والحرفيين، الذين تحدث باسمهم رؤساء طوائفهم المختلفة، كما بين الفئات الأخري مثل الفلاحين والعمال. وفي المساحة بين جهاز الدولة والمجتمع وقف العلماء (أهل العلم)، الذين لعبوا الدور المنظم للعلاقة بين الحكم والناس: فإن حاولت الدولة تجاوز الحدود التي وضعتها لها التجربة التاريخية للمجتمعات وقيم الشريعة العليا، انحاز العلماء إلي صف الناس ووقفوا في مواجهة أداة الدولة. ومن جهة أخري، وفر العلماء للدولة الشرعية، شجعوا علي الالتفاف حول هذه الشرعية والدفاع عنها، وحافظوا علي السلم الاجتماعي الضروري لبناء العمران والازدهار الاقتصادي. الخلل في توازنات هذه العلاقة المثلثة كان يؤدي تلقائياً إلي توتر مختلف الدرجات بين الدولة والمجتمع، إلي تقويض السلم الاجتماعي، وإلي فقدان شروط الازدهار والعمران، الضروريان لتوفير معاش الناس وموارد الدولة.
بيد أن الجانب الأهم في الخارطة الاجتماعية أن قواها لم تستطع مطلقاً تكوين طبقة دائمة ذات جذور راسخة. لا العناصر التي سيطرت علي جهاز الدولة والحكم، ولا تلك التي احتلت المواقع الأعلي في المجتمع، استطاعت تأسيس أسر تقبض علي مقاليد السلطة أو الثروة أو الموقع العلمي. وفي الحالات النادرة التي ورث فيها الأبناء امتيازات الآباء لم يستمر هذا الوضع سوي لجيل واحد أو جيلين علي الأكثر. حملات المصادرة التي كان يتعرض لها الوزراء وكبار الجند والقضاة في الحقبة العباسية، والتي يتكرر ذكرها في الحوليات التاريخية، تبدو في ظاهرها إجراءات تعسفية، ولكنها في الحقيقة كانت وسيلة تصحيح بالغة الفعالية للمحافظة علي دوران الثروة ومنع تمركزها في دائرة أو طبقة خاصة. وتلاحظ هذه الظاهرة في أغلب الدول الإسلامية اللاحقة، لاسيما الدولة العثمانية، حيث وصلت إجراءات تقويض الطبقة الحاكمة مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك تحديد ولايات الحكام والوزراء والقادة بفترات قصيرة، ومنع استمرارهم في موقع زمناً كافياً للعبث بقدرات ولاياتهم، بل وحتي إعدام المشبوهين بتراكم الثروة.
في النظام الإسلامي التقليدي، كانت المواقع والأدوار حصيلة الجهد الإنساني البحت لا الميراث العائلي أو الطبقي. وزراء الدولة العثمانية جاءوا في أغلب الأحيان من بين الإنكشارية المدنية، أي من صفوف الشبان المجلوبين لخدمة الدولة، الذين ترقوا بفعل إخلاصهم وجهدهم وتميزهم في البيروقراطية العثمانية، وليس من أبناء أسر مؤسسة، سواء في العاصمة اسطنبول أو في الريف العشائري. وكذلك كان نظراؤهم من كبار قادة الجند. بل ان النظام العثماني في مركزه التركي لم يكن يعرف اسم العائلة، ولم يبدأ الأتراك في تبني اسم عائلي حتي صدر قرار الدولة الجمهورية بذلك في ثلاثينات القرن العشرين. كبار العلماء، المفتون والمدرسون البارزون والقضاة، تخرجوا من تقاليد لا تقل صرامة، تقاليد استقرت منذ قرون، تبدأ من مراحل التعليم الأولي، ولا تنتهي بالالتحاق بحلقات المدرسين المعروفين حتي تلقي إجازاتهم. ولا يحتل العالم موقعه المتقدم حتي يقر أقرانه ويشهد له عموم المجتمع بالعلم والتقوي والترفع عن ما يشين العالم. وفي حال اختار الأبناء اتباع طريق الآباء، كما هو حال عدد من أسر العلماء التي عرفت في مدن مثل القاهرة ودمشق وتونس، فعلي الأبناء سلوك الطريق نفسه الذي سلكه الآباء. بدون توفر شروط العلم والمعرفة والتقوي، قلما كان اسم الأب يفيد كثيراً في صعود الابن. ويعرف تاريخ مؤسسة العلماء المسلمين عشرات العلماء المسلمين الكبار الذين لم يستطع أبناؤهم الوصول إلي ما وصلوا إليه، وحالات أخري لأبناء حققوا من الإنجازات والشهرة ما لم يستطع آباؤهم تحقيقه.
الوصف الأقرب لهذا النظام الاجتماعي بلغة العصر الذي نعيشه هو نظام التكافؤ في الفرص. ولكن هذا النظام أخذ في الانهيار منذ منتصف القرن التاسع عشر، أي منذ بداية حركة التحديث التي أدت خلال عقود قليلة إلي تقويض القطاع الأوسع من الأسس التي ارتكز إليها الاجتماع التقليدي. كانت ولادة طبقة يحتكر بعض منها الثروة والبعض الآخر مقاليد الحكم والسيطرة واحدة من أهم الآثار الاجتماعية ـ السياسية لحقبة التحديث. الإقطاع بالمعني الأوروبي، مثلاً، لم يعرف في تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية، وذلك لأن الإقطاعيات التي كانت تمنح لمحصلي الضرائب، أو لقادة الجند، الذي عرف بالإقطاع العسكري، لم يكن يورث أصلاً. بل أن الأرض الزراعية (ما عدا الحدائق الصغيرة) لم تكن تملك، وظلت الأرض تعتبر ملكاً للدولة، ينقل حق استغلالها من واحد إلي آخر. ولكن عصر التحديث أدخل سياسة الملكية الخاصة للمرة الأولي في تاريخ الاجتماع العربي ـ الإسلامي. في البداية كان الهدف هو توزيع الأرض علي زارعيها، ولكن أما للجهل وعدم القدرة علي إدارة الجانب المالي والضرائبي للملكية، أو للوقوع أسري خداع ما، سرعان ما انتقلت ملكيات الصغار لأيدي مالكين كبار من المتمولين أو الأعيان. ولأن الأرض كانت إحدي مصدرين اثنين رئيسيين للثروة، وأن الملكية الخاصة ضمنت حق التوارث، فقد ولد الإقطاع في بلادنا للمرة الأولي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وكما تغير نمط ملكية الأرض، كذلك تغيرت أنماط التجارة والصناعة. لم تعد التجارة الداخلية هي التجارة السائدة، نظراً لأن منتجات الثورة الصناعية الأوروبية أخذت في اجتياح أسواق العالم، بما في ذلك الأسواق الإسلامية. وبعد أن كانت دمشق وحلب والموصل مراكز تجارية كبري، برزت مدن الساحل، مثل بيروت والإسكندرية وأزمير، بدلاً عن الأولي، ومعها أبناء الأسر القادرة علي التعامل بلغة التجار الفرنسيين والبريطانيين. ولأن الحرف التقليدية انهارت وتلاشت، فلم يعد للصناعة إلا معني اكتساب التوكيلات الصناعية الأجنبية وتوارثها.
هذا لا يعني بالتأكيد أن الانقلاب الاجتماعي كان قاطعاً لصالح تمركز محدود للثروة ومصادرها، فقد ظل هناك هامش، بهذا الحد أو ذاك، لتكافؤ الفرص، للعاملين بجد واجتهاد، أو لمن ربطوا أنفسهم بالإدارات الاستعمارية، أو حتي للصوص والمخادعين. ولكن المهم أن طبقة تملك وتتوارث الثروة كانت قد ولدت، وأن أبناء هذه الطبقة أصبحوا الأكثر تعليماً وبروزاً. بكلمة أخري، أصبح هؤلاء هم المجتمع الذي تتداول صفحات الصحف والمجلات أخبارهم؛ وأصبح هؤلاء هم حراس النظام الجديد، حملة قيمه وخطابه، وراسمي ملامح ثقافته. في اسطنبول، الكتاب الذي يتناول ذكريات طفولة وشباب أورهان باموك في اسطنبول الخمسينات والستينات، يصف الروائي التركي مجتمع الطبقة العليا بعد ربع قرن علي قيام الجمهورية. يشير باموك إلي حالة انعدام الوزن التي عاشتها تلك الطبقة، بعد أن أدارت ظهرها لميراثها العثماني ـ الإسلامي وتبنت رؤية وضعية، علمانية، متغربة للعالم؛ فلا هي نجحت في أن تصبح أوروبية ولا هي حافظت علي جذورها التاريخية. ولكن المثير في رؤية الطبقة الجديدة لنفسها أنها افترضت أن لها الحق في أن تقود جماهير الجهلة، المتخلفين، المنشدين لبقايا الماضي، إلي آفاق التقدم والحضارة. بيد أن الحقيقة أنه حتي منتصف القرن العشرين، بعد مرور أكثر من قرن علي انطلاق حركة التحديث والانقلاب الاجتماعي الذي ولدته في المشرق العربي ـ الإسلامي، لم تستطع لا الطبقة الجديدة ولا أي فئة اجتماعية واحدة الجمع بين احتكار الثروة والسلطة السياسية معاً. في مصر وتركيا، مثلاً، حيث تجلت متغيرات المشروع الحداثي كما لم تتجل في أي مكان آخر، لا استطاعت طبقة كبار الملاك ورجال المال الجدد القبض علي مقاليد الدولة، ولا استطاعت الطبقة السياسية الحاكمة أن تصبح شريكاً حقيقياً في ملكية الأرض والمؤسسات البنكية والتجارية الكبري. ما حدث كان تداخلاً جزئياً بين الجهتين، لا تطابقاً كاملاً. وما أن حل عقد الخمسينات من القرن الماضي حتي عصفت الانقلابات العسكرية بالدول العربية والإسلامية، من مصر وسورية والعراق إلي باكستان وتركيا. وبالرغم من أن التحكم بمقاليد الدولة وفر للضباط/ الحكام فرصة سريعة للإثراء، إلا أن هذه الظاهرة ظلت محدودة. كان هوي الضباط أميل إلي السلطة والتحكم والسيطرة أكثر منه إلي الثروة، كما أن الأنظمة التي أقاموها عانت من الاضطراب وفقدان اليقين الأيديولوجي، متنقلة بين سياسات ملكية الدولة، هذه الصورة أو تلك من الاشتراكية، اليسار الماركسي العالمثالثي، أو الليبرالية الغربية.
بيد أن المسافة الفاصلة بين الطبقة المهيمنة اجتماعياً والطبقة الحاكمة لم تستمر طويلاً، ومنذ نهاية السبعينات دخلت المجتمعات العربية والإسلامية حقبة جديدة في تاريخها الحديث، حقبة احتكار طبقة واحدة للثروة والسلطة. ثمة عدد متضافر من المتغيرات التي أدت إلي بروز هذه الظاهرة، من سياسات الانفتاح الاقتصادي وإطلاق الحرية لقوي السوق والارتباط المتزايد بالقوي الاقتصادية الكبري، مروراً باتساع الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون في المجتمعات العربية والإسلامية، إلي التطور الهائل في وسائل التحكم والسيطرة التي تملكها مؤسسة الدولة والحكم. وربما للمرة الأولي في تاريخ هذه المجتمعات، أصبح الحكام، المدنيون منهم أو العسكريون، هم أصحاب الشركات الكبري، هم من يقرر سعر هذه البقعة من الأرض أو تلك، وهم من يحتفظ بالوكالات الأجنبية الرئيسية، التجارية أو الصناعية. يقف هذا التطور التدريجي، من ولادة الطبقة إلي احتكار السلطة والثروة، خلف الاستقطاب الحاد في المجتمعات العربية والإسلامية. الصراع الدائر حول حراسة الجمهورية والعلمانية في تركيا، الحفاظ علي التماسك الوطني في مصر، دحر القوي الظلامية في تونس، هو في صراع أيديولوجي في ظاهره فقط. ولكنه في جوهره صراع حول ادعاء شريحة صغيرة الحق في تشكيل رؤية المجتمع وخطابه، وحول احتكار فئة صغيرة للثروة والسلطة. 9