متلازمة المدافعين عن النظام السوري: الإنكار والتفاصح

حجم الخط
0

نور الله السيّد انخرط في الدفاع عن النظام السوري من غير السوريين أكثر من السوريين أنفسهم. فشاشات التلفزيون العربية والأجنبية تكشف على نحو لافت عن مدافعين متحمسين عن النظام السوري بأكثر مما نشاهد من صحافيين أو سياسيين أو مفكرين سوريين، وهو أمر يثير الاستغراب.والخلاصة الأولى التي يمكن استنتاجها هي قلةُ من يستطيع الدفاع عن النظام السوري من السوريين. وهذا أمر يمكن تعليله بأحد احتمالين. الأول: السوريون جميعهم يرون بأعينهم كيف تقصف الطائرات مناطق مأهولة داخل المدن والبلدات بحجة وجود مسلحين معارضين في أماكن القصف، وهم يعرفون أن هناك بالضرورة ضحايا أبرياء وأن البيوت التي تُدمر هي بيوت لمواطنين مثلهم، ومن ثم فكيف يمكنهم الدفاع عن النظام دون أن يرجف لهم جفن؟ الثاني: هو أن السوريين المدافعين عن النظام غير مُقنعين لأي مشاهد، فأطروحتهم الأساس، ومنذ اليوم الأول للانتفاضة، هي أن المعارضين هم أفراد عصابات مسلحة تمولها وتسلحها كل من تركيا والسعودية وقطر. أي لا وجود لمعارضة سورية طالبت بإسقاط النظام سلمياً طيلة أشهر متلاحقة جابهها النظام بالعنف المسلح ونجح في جرها إلى ساحة الاقتتال التي يفضلها، وهو إنكار لا يمكن لطفل أن يعقله.والمدافعون عن النظام من غير السوريين تعوزهم معرفة تفاصيل ما يجري على الأرض فعلاً ومعرفة الحساسيات الخاصة للمجتمع السوري وطبيعة علاقة المواطن السوري بالنظام. يبني معظمهم مواقفه على معلومات وسائل إعلام النظام لدرجة التكرار حرفياً. والكل يعرف درجة إسفاف وسائل الإعلام السورية المزمن. ويظهر إسفاف هؤلاء المدافعين مثلاً عند وصفهم المعارضة السورية المسلحة على أنها مؤلفة من جهاديين أو سلفيين في أغلبيتها! ربما لا يعرف هؤلاء علاقة المجموعات الدينية المسلحة في المنطقة بالنظام السوري! قال جميعهم تقريباً في بداية الأزمة السورية إن هذه الأزمة عابرة وسيكون النظام قادراً على إخمادها في غضون أسابيع. وها نحن الآن على مشارف الأسبوع المائة من عمر الانتفاضة وهي تزداد أُواراً! وبعض المدافعين عن النظام السوري يفعل ذلك تلبية لدواعي اصطفافات سياسية، وهم عموماً من أنصار حزب الله أو إيران أو بعض الروس الذين يكررون مقولات الخارجية الروسية وهو أمر مفهوم عندما نعرف أنهم كانوا موظفين روس في وقت ما أو لازالوا على رأس عملهم. وإذا تركنا جانباً حزب الهو وإيران وعلاقتهما التاريخية بالنظام السوري وتفضيلهما الدفاع عن النظام السوري لأسباب واضحة مختبئين وراء حجة الممانعة التي كشفتها أحداث غزة القريبة على نحو أكثر من فاضح، فلا مصداقية لروسيا ومن سار في ركابها في الأزمة السورية. فغير تزويد النظام السوري بالسلاح والدفاع عنه باستماتة في كل المحافل العالمية فالموقف الروسي غير أخلاقي بامتياز لجهة أنه يبرر مواقفه في الأمم المتحدة على قاعدة أنه يرفض تدخل الخارج بالشأن السوري، وأنه لا يجوز لأي دولة أن تتدخل بشؤون أي دولة أخرى. ولكن روسيا تنسى أنها المتدخل الأكبر في سورية وعلى كل الصُعد. فالمتابع للشأن السوري سينتابه شعور بأن وزير الخارجية الروسي لافروف هو المتحدث الرسمي باسم سورية أو وزير خارجيتها. فآخر تصريح سمعناه لوزير الخارجية السوري يعود إلى قرابة ثلاثة أشهر في حين أن لافروف يدلي كل أسبوع تقريباً بتصريح مدوٍ عن سورية. فهو مثلاً يطالب بحماية الأقليات في سورية وينسى من نكّل بالشيشان، وآخر تصريحاته وصل إلى حد الهلوسة بالتحذير من تسلم القاعدة الحكم في سورية عند سقوط النظام! روسيا تطالب دائماً بالالتزام باتفاق جنيف وعندما يُطلب منها موافقة مجلس الأمن عليه لإعطائه قوة التنفيذ ترفض ذلك! أي أنها تطرح حلاً لا يحل شيء ولا يقدم سوى كسب الوقت للنظام السوري. فئة أخرى، ربما من حيث لا تدري تقدم دفاعاً عن النظام السوري، تدعي الحياد والتحليل لرسم صورة للمشهد السوري. وفي سياق ذلك تنسى هذه الفئة، تاريخ الانتفاضة السورية والكثير من ملامحها وملاحمها. إذ يميل بعض ‘محللي’ هذه الفئة إلى وضع الانتفاضة السورية باعتمادها العنف المسلح على قدم المساواة مع النظام ناسين أن المظاهرات السلمية شملت كل المدن السورية على مدى أشهر وأن النظام قتل المتظاهرين حتى الذين كانوا يقدمون الورود والماء في داريا مثلاً للأمن والجيش ليقولوا لهم إن مظاهراتهم سلمية، ولكن دون فائدة! داريا هي التي عرفت أكبر مذبحة أو مسلخة نفذها النظام السوري بالمواطنين وهي البلدة التي اجترحت شعار: ‘سلمية…سلمية’ ومات من أجله الصحافي غياث مطر تحت التعذيب! محللون آخرون يختبئون وراء نظريات العلوم السياسية لأوضاع يُدان فيها طرف أو آخر. فهناك مثلاً من يتحدثون عن التوازن الأخلاقي، ويقولونه بالإنكليزية moral balance معطين لقولهم هذا نكهة مصداقية على أساس أن هذا شيء من نظرية معروفة. وهذا التوازن الأخلاقي يعني أن المدينتين الكبيرتين دمشق وحلب لم تخرجا ضد النظام كما حدث في القاهرة والإسكندرية في مصر مثلاً، ولم تُعبرا عن موقف مناهض للنظام، ومن ثم فيمكن اعتبار أن هاتين المدينتين الكبيرتين لا تزالان تشكلان رافعة معنوية للنظام بصمتهما على الأقل وهذا يمنح النظام مصداقية الاستمرار. ينسى هؤلاء ‘المحللون’ أن النظام السوري لا يسمح بالتظاهر، وأن قتلَ المتظاهرين أمر طبيعي بالنسبة للنظام. دمشق وحلب وكل المدن السورية لم تكن مدناً صامتة يوماً، ولكنها مدن خائفة، خائفة من بطش همجي، ومن ثم فكيف يمكن الحديث عن توازن أخلاقي! هم لا يعرفون بالطبع أنه في بداية الأزمة الســـورية تساءل أحد أفراد الدائرة المقـــــربة من الأسد، وبحـــضور الأسد نفسه، عن محظور ترك المواطنين يتــــظاهرون بقـــدر ما يريدون خاصة وأنه يمكن السيطرة عليهــــم دائماً وبطرائق مختلفة. فأجابه الأسد قائلاً: إذا تركنا المواطنين يتظاهرون اليوم في حي الميدان فغداً سيتظاهرون في ساحات دمشق وبعد غد سيحتلون ساحة الأمويين ومعهم شباب من كل سورية، وبعد أسبوع سيتظاهرون على أبواب قصر الشعب حيث نحن هنا ويقتحمونه ويدوسوننا بالنعال…وهو أمر لم يفعل النظام سوى تأخيره إلى حين.’ اكاديمي سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية