متلازمة الموت والزوال والخلود!

حجم الخط
0

‘موتى يجرون السماء’ لموسى حوامدة:

إيهاب خليفةعن دار أرابيسك صدرت المجموعة الشعرية الأحدث للشاعر موسى حوامدة ‘موتى يجرون السماء’ تعبر المجموعة عن متلازمة يستدعي بعضها بعضا، وبحدوث ركنها الأول تتوالى أركانها التالية بحتمية حتى لو كانت متناقضة!. إنها متلازمة إنسانية تختص بعالم الشاعر وتتمركز فيه، ولكن ماهي المتلازمة التي أقترحها لقراءة ‘موتى يجرون السماء’، وهو مسمى قد يبدو دخيلا على قراءة الشعر ومستعارا من المصطلحات الطبية!

، تتلخص متلازمة موسى حوامدة فيما يأتي:

الموت المتكرر للجماعة واقتناص أفرادها عبر مصائر فادحة (في دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرهما) يصبح موتا لهذه الذات الكونية، وحياة لها! فهو موت يعبر عن فناء الجسد المادي، وميلاد المعرفة التي تنبثق من تأمل المصائر، حيث يجرها لمكاشفة معاني الخلود والزوال، وتأمل صيرورتها من الانتقال من وطن آخر. وفي ديوان موسى حوامدة تكتشف الذات أنها خالدة وأبدية، لكن خلودها وأبديتها مرتبطان بالنصوص التي تخلد انتماءها للجماعة وصراعها معها في آن! بداية فالعنوان مخاتل يحمل دلالات مواربة، يضع لنا الشاعر مصابيح ضيقة تقودنا نحو مقاصده اللامتناهية، يضعنا موسى حوامدة أمام تناقض باد بين دلالة الموتى وانتفاء الفعل عنهم وبين تحوير معنى السماء لتصبح لصيقة بنقيضتها / الأرض، فالعنوان دال من خلال نظرة مسطحة على أن موتى موسى حوامدة يباشرون حقائقهم الجديدة وأن أفعالهم لم تنتف عنهم، بل على حد زعمه هم يجرون السماء، يفتح لنا العنوان إذن أسئلة تفكك مفهوم الموت والسماء، الموتى يجرون والسماء مصدر الوحي وما تومئ له من عالم مواز غير متجسد تمسي لصيقة ومجرورة، إنها بفعل الموت فقط أمست غير متعالية، هي بكيانها الهائل ورصيدها المكتظ في المخيلة الدينية طيعة ومنساقة بمشيئة الموتى، والموتى مستمرون في حضورهم، ولكن لم يجر الموتى سماءهم؟!

، هل يعنى هذا أنهم غير ميتين، وأنهم لن ينتقلوا إلى عالم غيبي؟! هل يعني ذلك أن السماء صارت واهنة وهي تتحرك كجثة تابعة لمشيئة موتى، أم أنهم يجرون السماء لأنها صارت عبئا عليهم من ثقلها؟

، لعل الموتى إذن مستمرون في عبوديتهم وعذاباتهم السرمدية السيزيفية، وبعد أن جروا أكفانهم وصلبانهم وقبورهم، لم يستكينوا إلى راحة منشودة بل دلفوا إلى عذابات أبدية جديدة، عنوان مثل ‘موتى يجرون السماء’ يصلح بسبب هذه الفرضية لتأمل الديوان رغم ما يقدمه من إرباك للقارئ، وعدم اتكائه إلى مدلولات جاهزة ومجانية. الموت بحضوره الكاسح يطغى على عدد غير قليل من نصوص الديوان، فهو دال رئيسي في قصائد ‘حين يأتي الموت’ ليست ميتة هذه القصيدة ‘شجرة الموتى’ ‘ موتى يجرون السماء ‘وللندم الذي يخلفه الموتى’ … ، بحيث يغدو المهيمن الأوحد ورغم هيمنته، فالذات الشاعرة هنا لا تتوجس منه، ولا تعيره التفاتة ما، بل تتهيأ لمواجهته بندية تامة، في القصيدة الأولى ‘حين يأتي الموت’ يؤسس الشاعر لمراسم دفن بعد حداثية فالجرح الفلسطيني يتعمق، والذات العربية مهزومة و مأزومة بمآزقها، إنه يشيد وداعه الخاص هازئا بجلجامش الباحث عن الخلود بسبب بذرة الفناء فيه، يتكئ الشاعر على هذه اللحظة التي يواجه الموت فيها للتشبث بقناعاته فالكتابة – التي كانت تثور ما حوله والتي جعلته عرضة للملاحقة القضائية، ومجرما من أصحاب التآويل الموبوءة برؤى الماضي، هذه الكتابة لن يحمل لها اعتذارا، كما أن ذاته التي تلاشت لتحقق حلم الجماعة مشيحة بوجهها عن أحلامها الشخصية ستظل ملتصقة بانتمائها، يقول:

حين يأتي الموت / لن أعتذر للريح التي تَنفستُها / ولا للخيطان التي لامَسَتْ جسدي، / لن أعتذر للماء الذي شَربتُ / ولا للوهم الذي تلبسني / أو توهمت، / ولا للبلاد التي ظلت عالقةً في ظهري كالسلحفاة…/ لن أعتذر لأحدٍ / أو بلد.

إنه ولفرط قناعاته بذاته لا يفكر في لحظة تبجيل له في وداع جسده، بل ينكر المشيعين، والقصائد التي سوف ترثيه لا يريدها، يريد أن يمضي خفيفا، دون ان يشغل أحدا بمصيره القادم: حين يأتي الموت / لن أساومَه / لِيُحرِّضَ المُقرَّبين / على حفلات النواحْ؛/ … كُلَّما كان عددُ المشيعين أقلّ/ كان ضميري أكثرَ بياضاً،/ وكلَّما كانت الدموع أقلّ/ كانت أخطائي أجمل./ لينصرفِ المُعَزّون / قبل تدشين البياض../ لينصرفوا؛ / ليست لي حاجةٌ إلى مديح ناقص، ولهذا يجهز موسى حوامدة مشيعين جددا لوداعه القادم، فذاته المنتمية إلى الكون تحتاج صنفا مبتكرا من المودعين، صنفا يموت بموته ورغم ذلك فهو الذي سيجعل التأبين نابضا بمعزين غير معتادين:

جبالٌ لا تلهيها صلاةٌ/ ولا أدعيةٌ عن مُناداتي/ تموتُ معي؛/ تمشي في جنازتي،/ بكامل العنفوان تُحيي حفلَ الختام.

ترسخ قصيدة ‘ليست ميتة هذه القصيدة’ لعناية الشعر بحقائق الوجود واضطلاعه بمهمة شغل النقاط الشاغرة في الحياة، فقصائد موسى حوامدة هي رفاء حداثي يعاين رتوق الأنظمة البالية وخواء الخطاب الديني، وهي بهذا تضع مرآة شديدة الوضوح أمام الرجعية السلفية لتكاشف تعفن تصوراتها وعجزها عن مواكبة اللحظة الراهنة:

ليست ميتةً هذه القصيدة؛/ إنها ترفو جواربَ السماء/ بخيط من نور،/ تَحبك وجهَ الشرق بعباءةٍ فضية، / تمسح جبين الغروب/ بيدٍ من ذهب.

كذا تتكئ هذه القصيدة على محنة الشاعر الخاصة حيث تفقد لغته باب التواصل مع الذات الجمعية التي تفسر الظاهر بآليات جامدة، ولا تتعرف السياق الخاص بالنسق الشعري، مما يجعلها تجهض النص بالـتآويل الهشة، فالشاعر يعقد مقارنة بين مأساته وبين مأساة الحلاج، مبينا محنة العقل العربي في اللحظة الراهنة:

ليست ميتة هذه القصيدة؛/ إنه الحبُّ يعبر شريان العالم،/ إنه الرمز الخفيُّ في شِفرة الحلاج،/ الرمز المقدس في ترهات ليوناردو دافنشي. فبينما يخوض حربا مقدسة ضد الكيان اليهودي المتغطرس، وما تحمله أجندة هذا الكيان من طمس ومحو للخارطة العربية، تتشابك نصوص حوامدة مع السلفيين لتمسي قصائده تناوش في اتجاهين:

اتجاه يناوش السلفية الجامدة وآخر يعري تغول الكيان الصهيوني ويندد بفظائعه ومهازله: اسكبوا حبر الأموات في دم السفلة، / السفلة الذين يرفعون شعار الله ويقتلونه بلا سببٍ./ أيها السفلة المدججون بالخِسَّة،/ استريحوا هنا تحت ظلال القصيدة؛ / القصيدة التي لم تمت إلا فوق سحنكم الهرمة / الراعفة بعنجهية الدمار المزعوم؛ / بسخرية القدر المنوط بمسيرة الخراب.

في ‘الشبيهة’ يبين الشاعر أن المصائر محتدمة ومتشابكة، وقضاياه الشعرية ليست محل اختيار، أو مزايدة أو شك، ويؤرخ للمحرقة الجديدة التي يدفع ثمنها شعب أعزل قابض على غد حر تخاذلت عنه أنظمة تكرس للخنوع:

الشبيهة بالمحرقة،/ تلك التي لم يعترف بها الوشاة؛/ تلك التي اندلعت في ورق المحرر الجبان/ حين انتهى الموسيقيُّ من عدِّ درجات المَطهر/ حطَّ غرابٌ أشيب عند نافذة المودةْ،/ المقبرة القديمة لم تكترثْ لمرور الجنازات،/ والسور المتآكل لم يأبه بعبور الطيور /بينما لا يزال متصلا بمشيمة الوطن وحبله السري عالقا بترابه المقدس، حيث منحه هذا التعلق الأمومي رؤى خصبة، لقد فقد الوطن لكنه لم يفتقد الرؤية، وامتلك في المقابل المعرفة التي تنبثق من تأمل المصائر، المعرفة التي أسست يوتوبياه الخاصة، يوتوبياه التي شيدها بعيدا عن طنطنة الشعارات الخاوية والطبول الجوفاء:

الشبيهة بتلك الرسالة كانت أيامي التاليةْ/ ضحكت عليَّ الداية، وهي تقطع حبل المشيمةِ،/ مِن هذا الشريط الرفيع جئتَ للفلسفة؛/ من هذا الحبل الطري شربت حليبَ الإغاثة./ دون فراش دافئٍ، / ودون تَبتُّلاتٍ كثيرة، / هزمتَ طنينَ القطط الملهوفة،/ هربتَ كجلدِ الماعز الرقيق من فوهات الطبول.

وتومئ أخيرا قصائد ‘موتى يجرون السماء’ إلى هاجس وجودي محض يرسخ إلى قيمة الحرية الإنسانية، وأن الإنسان أقدم شيء الوجود، وهو حر إرادة واختيارا، وأن وجوده سابق على ماهيته، فالإنسان أزلي، مما يعلي القيمة التحريضية لنصوص الديوان فهي ليست نصوصا خانعة، ولا مهادنة لانسحاق الذات المعاصرة واستسلامها، بل تتأسس رغم كل شيء في منطقة مناوئة: قُل: موتاً أموت،/ حياةً لا أحيا،/ سلسبيلا أهطلُ من يد الغيمة/ كفناً أخضرَ ألبس ساعة الخلاص.

ومع الخلاص تسترد الذات الشاعرة كونيتها وازليتها، إنها تفنى لتخلد: ‘إنني عائد مني إليَّ’ ، لذلك فالموت الجسدي ليس سوى مرحلة لحياة الإنسان في المسافات الشاغرة في الكون!. شاعر من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية