متلازمة مواجهة الإرهاب واحتضان شباب الإخوان

يبدو جلياً للمهتمين بالشأن المصري أن بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين لم تكتف بما دأبت عليه منذ بضعة أسابيع، من تعريض المجتمع المصري لمخاطر متعددة، بما فرضته عليه من مواجهات تصادمية عنيفة وما شنته من اعتداءات ضارية ضد مؤسسات الدولة ومنشآتها التاريخية، وما قامت به من محاولات مجنونة للاستيلاء على بعض مفاصلها الحساسة، وما ترتب على ذلك من قتل متعمد لعدد من أبناء جهاز الشرطة وإحراق وتخريب لدور العبادة وقتل لمواطنين أبرياء.. الخ. وما نتج عن ذلك كله من تعميق لحالة الانقسام والاستقطاب السياسي ـ الاجتماعي الحادة التي بذروا بذرتها منذ أن فاز مرشحهم بمنصب رئيس الجمهورية في حزيران/يونيو 2012، بل برهنوا بأدلة قاطعة في ضوء المحاولة البائسة الفاشلة لاغتيال وزير الداخلية، على انهم مشاركون إما بالصمت أو التنسيق في عملية جر الوطن المصري كله إلى صراع سياسي دموي لا يعلم إلا الله إلى أين سيقود البلاد.
قد يقول قائل إن جماعة الإخوان بريئة من هذه العملية، خاصة أن التحليلات التي خرج بها بعض المتخصصين الأمنيين حتى الآن، تشير بأصبع الاتهام إلى تنظيم ‘القاعدة’، لكن هناك على الجانب الآخر من لا يعفي الجماعة ـ وفق شواهد موثقة – من التنسيق مع خلايا ‘القاعدة’ لتنفيذ هذه العملية التي تتسم بالجبن.
لهذا السبب تساءلت صحيفة ‘الديلي تلغراف’ عدد الجمعة 6 ايلول/سبتمبر، عما إذا كان هذا الاستهداف ‘يُمثل موجة جديدة من الإرهاب الذي سيتعرض له المجتمع المصري لفترة قادمة، أم سيسجل كمحاولة فاشلة تضاف إلى محاولات التيار الإسلامي السابقة والكثيرة؟’.
ورغم أننا نتفق مع الكثيرين على أن طبيعة هذا العمل الجبان ومن قاموا بالتخطيط له وتنفيذه لم تتضح بعد، ونتوافق مع الصحيفة على أنه مستنسخ من بعض البيئات العربية المجاورة، التي تختلف كثيرا عن البيئة المصرية التي تتعايش معه في صحراء سيناء فقط.. إلا أننا نميل إلى الاعتقاد أن مثل هذه الأفعال الإجرامية حتى لو تكررت ـ وندعو الله ألا يحدث ذلك ـ لن تعيد الأوضاع في الشارع المصري إلى ما كانت عليه قبل الثلاثين من شهر يونيو الماضي، كما لن تؤدي إلى انهيار الدولة المصرية.. ولن يستسلم لها الإنسان المصري الثائر، الذي يمثل الغالبية العظمى في مجتمعه اليوم، وما تعكسه شرائحه السياسية والعمرية من فهم واضح لمتطلبات التغيير والخطوات الصحيحة المؤدية إليه.
نقول لغة التحريض التي ينشرها بعض قيادات الجماعة ممن لا زالوا طليقين، ومطالب الشرعية المغلوطة التي يتمسكون بها، ومسلسل الأكاذيب، سواء في ما يتصل بقدرتهم على التصدي أو بفشل الدولة في استكمال ‘مخططها الانقلابي’.. لن تجدي مع المجتمع المصري وشباب ثورته شيئا.
ونؤكد أن الموقف المجتمعي الذي يضم مؤسسات الدولة الأمنية والغالبية العظمى من أبناء الشعب، ويجعل منهم ‘يدا واحدة ‘ قادرة على التصدي لكل أشكال التخريب والدمار التي يقوم بها الإرهابيون، لم يصدق بيانهم الذي تنصلوا به من محاولة الاعتداء على وزير الداخلية.. ولن يصدق حرف واحد فيه، إلا إذا ترجموا هذا الانكار إلى فعل ملموس ذي نتائج إيجابية.
لماذا؟
لأن تاريخ الجماعة في مجال العنف منذ أربعينيات القرن الماضي معروف ومنشور وتكررت الإشارة إليه على صفحات مذكرات الكثيرين من قاداتها الذين توفاهم الله.. والكثير من الشهود الأحياء يملكون الأدلة غير المكذوبة التي تؤرخ لكافة ما أقدموا عليه من عمليات عنف وترويع منذ أفرج عنهم الرئيس الأسبق أنور السادات، بالإضافة إلى اتفاقاتهم التي عقدوها خلال فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك، وما نقضوه من تعهدات وما بثوه من رعب وتخويف بعد اذار/مارس 2011 وما هددوا بإشعاله حريقا في عموم الوطن ‘إن لم يفز مرشحهم للرئاسة بجولة الإعادة’..
نكرر القول.. استمرار التحريض والعنف والترويع والقتل، لن يُسقط الحكومة المصرية الحالية ولن يرجع عجلة الأحداث إلى الوراء لتعيد صياغة الحاضر بما يتفق مع أهوائهم المرفوضة سياسيا ومجتمعيا وتنظيميا من جانب بعض التيارات الإسلامية الأخرى، وعليهم أن يستوعبوا حركة التاريخ ودلالاتها..
وحديثهم يؤكد.. التهديد بإشعال البلاد ان لم يفز مرشحهم في الانتخابات الرئاسية، رفع الإعلان الدستوري المشؤوم تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 فوق الرؤوس ترهيبا، رغم ما سببه من انقسام واحتراب داخل المجتمع.. ومشاركتهم في موقعة الاتحادية بكل تكبر وغطرسة، ومباركتهم بالصمت عمليات القتل المتعمد لقوات الجيش المصري فوق تراب سيناء.. وإعلانهم من فوق منصة الصالة المغطاة باستاد القاهرة يوم 10 يونيو 2013 ألا مكان تحت الشمس لإدارة شؤون مصر إلا لمنهاجهم والمتآلفين معهم كالجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية. وحديثهم أيضاً بعد الثالث من يوليو، يعلن بلا خجل أن الإرهاب في سيناء سيتوقف فقط عندما يعود مرسي للسلطة، وأن دم رجال الشرطة والجيش حلال، وأن أرواح الـ24 جنديا مصريا الذين تم اغتيالهم بدم بارد بالقرب من رفح المصرية هي قربان لعودة مرسي، والا دية لمن يقتل من المواطنين المؤيدين للانقلاب على الشرعية.. وأن الخطوات التصعيدية التي سيلجأون إليها لا تخطر على بال أحد، وأن الرؤوس التي اينعنت حان قطافها بلا تردد ولا سابق إنذار.
عليهم أن يعوا بكامل إرادتهم أن الأغلبية الساحقة للرأي العام المصري انقلبت ضدهم كما حدث في تسعينيات القرن الماضي.
من جانبي لا أحبذ أن تلجأ الدولة إلى مزيد من الإجراءات الأمنية ضد جماعة الأخوان المسلمين، ولا أي من تيارات الإسلام السياسي، لأن مثل هذه الإجراءات لا تساهم في ايجاد حلول جذرية للمشاكل السياسية.. لا بد من التدقيق في السياسات التي تتعامل مع تنويعات هذا التيار، والتي يجب ان تميز بين أصحاب الأيدي الملوثة بالدماء والأبرياء من كل ذنب وسوء. أعرف أن اللحظة شديدة الوطأة على الحكومة الانتقالية والأجهزة الأمنية، لكن مسؤولية الأوطان تتطلب العمل على توفير المناخ لقيادات التيار السياسي الإسلامي الجادة المؤثرة الشجاعة بكل ألوانها لكي تتحمل مشقة المراجعة اللازمة لما جرى والمشاركة الفعالة في تفتيت جدار الانسداد السياسي الذي تعاني منه البلاد..
لا بد أن تترك الدولة باباً مفتوحاً لشباب تيار الإسلام السياسي لكي يعي أبعاد تجربة تعايشه مع الثورة التي اندلعت في شهر يناير 2011 وموجتها التي تجددت في شهر يونيو 2013، ويقارن بين ما كان يأمل في تحقيقه على يد قياداته التي نكصت الوعود وأهدرت القدرات وضيعت الطاقات، وبين ما استفاده من تجربته الذاتية على مستوى الفعل الوطني الثائر الذي لا ينكره إلا جاحد أو مستغرق في أكاذيب فرضت عليه، وأن يكون على ثقة بأن مستقبله الوطني يبدأ من الاعتراف بها والانتباه الى أن غده سيكون أكثر إشراقا وهو ضمن نسيج المجتمع الذي يستعد للتغيير.
أقول نعم للجهود الشعبية والرسمية التي تهدف لاستئصال سرطان الإرهاب الذي يخطط للانتشار في طول البلاد وعرضها.. وعلى نفس المستوى أقول نعم لكافة مساعي استعادة شباب جماعة الإخوان إلى الصف الوطني بالاقناع وتبادل الرأي والنقاش الحر، على قاعدة أنه لا يوجد من هو أفضل إسلاما من غيره، كما لا يوجد من يحتكر الحقيقة بمفرده، وذلك من منطلق الحرص على إبعاهم عن منطقة اليأس التي لا بد أن تحط عليهم بعد فقدانهم الثقة في قياداتهم وفي مشروعهم السياسي بالكامل..

‘ استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية