ألحق ثلاثة رؤساء ديمقراطيون أضراراً تاريخية في الشرق الأوسط: جيمي كارتر ساعد في ضعضعة مكانة الشاه، وبالتالي للثورة الإسلامية في إيران؛ أما بيل كلينتون فلم يشخص التهديد المتشكل من القاعدة؛ وباراك أوباما سمح في سياسته تجاه العراق بانبعاث داعش، وضعضع الشرق الأوسط كله في موقفه من الربيع العربي. فهل ستواصل إدارة بايدن – هارس المسار الهدام للإدارات الديمقراطية السابقة؟
تشير تصريحات بايدن منذ دخوله البيت الأبيض إلى تواصل ميل هذه السياسية الهدامة: المغازلة المنبطحة للفلسطينيين دون أي طلب لمقابل سياسي منهم؛ والإشارات المتصالحة تجاه إيران وشركائها، والابتعاد الاستعراضي عن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كلها أدلة لا لبس فيها على العودة إلى مسار التحطم الأمريكي في منطقتنا. بدلاً من أن يتعلم من نجاحات إدارة ترامب في كسر المسلمات الديمقراطية التي خلدت النزاع العربي الإسرائيلي وبؤس الشرق الأوسط – يرفض بايدن وإدارته إنجازات الإدارة السابقة ويعودان إلى عقيدة سياسية لم تجد نفعاً لا للولايات المتحدة ولا للعالم.
في خطاب السياسة الخارجية الأول له، تحدث بايدن عن رغبته في “إصلاح” التحالفات السياسية للولايات المتحدة، التي دمرها سلفه، على حد قوله. ويفهم من خطابه أنه يرى ثلاث دوائر تحالفات مركزية، هي: جيران الولايات المتحدة المباشرين – كندا والمكسيك؛ والشركاء الأوروبيون لواشنطن – بريطانيا، ألمانيا، فرنسا وحلف الناتو؛ وحلفاء الولايات المتحدة في المجال الآسيوي – اليابان، وكوريا الجنوبية وأستراليا. تعتزم إدارة بايدن اعادة بناء “تحالفات ديمقراطية. مع هذه الدول. مقلق للغاية أن لم يشر بايدن إلى حليفة شرق أوسطية ديمقراطية واحدة: إسرائيل. الأمر ليس مصادفاً، ففضلاً عن التصريحات عن علاقات صداقة قريبة مع إسرائيل، تبدو إدارة بايدن مصممة على تبني النهج الذي كان متبعاً في عهد أوباما: التحفظ من الحلفاء القدامى في الشرق الأوسط – إسرائيل، مصر، السعودية، الإمارات، وبناء تحالفات جديدة مع إيران والفلسطينيين وعلى ما يبدو أيضاً الإخوان المسلمين.
في محور أنظمة الحكم المطلق الصاعدة التي حددها بايدن كهدف صراع مركزي في سياسته الخارجية، ضم الصين وروسيا فقط- دون إيران، وفنزويلا، وكوبا، وكوريا الشمالية. وبينما يتحدث عن الحاجة إلى تجديد التحالفات القومية لغرض الدفاع عن الحريات وعن الحقوق الكونية، يختار بايدن التجاهل المقصود لدول تشكل تهديدًا مباشراً على أمن الولايات المتحدة بقدر لا يقل عن الأنظمة في موسكو وبكين. والأخطر من ذلك: ففي الخطاب الذي ألقاه أمام موظفي وزارة الخارجية، تجاهل بايدن تماماً مسألة النووي الإيراني وكأنها لم تكن موجودة. وبالأساس، لم يقل كلمة عن التهديد الإيراني على إسرائيل. عملياً، لم يقل حتى ولا كلمة واحدة عن إسرائيل.
هذه مأساة الشرق الأوسط. في كل مرة يظهر فيها نور في نهاية نفق النزاع، يأتي أحد ما – من خارج المنطقة أو من داخلها- يحرص على إنزال المفتاح. في عهد حكم ترامب، كان يخيل أن التفكير من خارج العلبة يخرجنا من المسار الهدام الذي اعتدنا عليه. المبادرة المسؤولة وحدها من جهة شعوب المنطقة ستنجح في منع العودة إلى العلبة الفظيعة إياها.
بقلم: الداد باك
إسرائيل اليوم 9/2/2021