د. عصام نعمان
احيا قادة اسرائيل العسكريون وخبراؤها الإستراتيجيون الذكرى الخامسة لحربها العدوانية الثانية على لبنان والمقاومة بتقييم إخفاقاتها وإنجازاتها. غالبية هؤلاء اقرّت بضخامة الإخفاق الاسرائيلي العسكري والسياسي، واعترفت تالياً بهزيمة اسرائيل وبإنتصار حزب الله. الاقلية عثرت، رغم ذلك، على إنجاز يتيم هو قدرة الجيش الاسرائيلي على إثبات قوته الردعية بدليل الهدؤ الذي يخيم على جبهة اسرائيل الشمالية مع جنوب لبنان. غير ان الغالبية والاقلية إتفقتا على ان الهدؤ القائم قد يكون مؤقتاً لأن مرده قرار سياسي اتخذه حزب الله بدافع إنشغاله حالياً بالوضعين اللبناني والسوري المضطربين.
قيادة اسرائيل كانت استوعبت دروس الحرب الثانية، وباشرت إعادة نظر شاملة بالجيش الاسرائيلي، تنظيماً وتسليحاً وتدريباً واجهزةً واستخبارات وتنسيقاً مع سائر مؤسسات الحكومة والبلديات في ما يُعرف ببرنامج تحصين الجبهة الداخلية. الى ذلك، صعّدت اسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ‘الحرب الناعمة’ ضد سوريا وإيران وقوى المقاومة العربية المتحالفة معهما.
الحرب الناعمة، وقوامها مجهودات استخبارية لإشعال الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية ولإيقاع الفرقة والشرذمة في المجتمعات التعددية، تتخللها احياناً فصول ساخنة كقيام اسرائيل بضرب مجمّع سوري لتصنيع الصواريخ قرب حلب سنة 2006 وتدميرها مبنى قيد الإنشاء قرب دير الزور سنة 2007 بدعوى انه كان يُعَدّ ليكون مأوى لمفاعل نووي. ومع إندلاع الحراكات الشعبية للمعارضة الوطنية الإصلاحية في سوريا منتصفَ شهر اذار/ مارس الماضي، حاولت قوى معادية للنظام السوري إستغلالها بدس مجموعات مسلحة في مناطق درعا وتل كلخ وجسر الشغور بقصد إشعال اضطرابات امنية لإضعاف النظام وحمله على وقف دعمه لقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية والخروج من تحالفه مع ايران.
اذ صعّدت الولايات المتحدة حملتها على سوريا بقصد إضعافها بإطالة امد ازمتها الداخلية، اتخذت اسرائيل موقف المراقب المترقب، متحاشيةً إظهار انخراطها السري والواسع في مختلف اوجه الحرب الناعمة، واحياناً الساخنة، ضدها. وهي تتعاون، في هذا السياق، مع اميركا على إطالة امد الازمة لإرهاق الاقتصاد بما هو مقتل النظام في هذه الآونة.
بالتزامن مع انخراطها الفاعل في الحرب الناعمة بجميع وجوهها، تتابع اسرائيل إستكمال متطلبات استراتجيتها العليا، محلياً واقليمياً ودولياً، وتستعد لتنفيذ ما تجد نفسها قادرة على تحقيقه مرحلياً. في هذا المجال، ترى اسرائيل في القدرات النووية والصاروخية الإيرانية المتعاظمة خطراً داهماً، كما ترى في تحالف سوريا والمقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية خطراً رديفاً للخطر الإيراني ومكمّلاً له. غير انها لا تجد في نفسها القدرة الكافية لضرب ايران وتعطيل برنامجها النووي. لذلك تحاول مستميتةً حمل اميركا على القيام بهذه المهمة أصالةً عن نفسها ونيابةً عنها. فواشنطن تستشعر خطر ايران النووي وتدرك انعكاساته السلبية على مصالحها النفطيـة في المنطقة كما على امن اسرائيل. لكن اميركا ليست في وارد خوض حرب ضد ايران بسبب عجزها عن تغطية تكلفتها الباهظة في غمرة ازمتها الإقتصادية والمالية الراهنة من جهة، ومن جهة اخرى بسبب عدم وثوقها من قدرتها على الإنتصـار فيها.
الى ذلك، تعلم اسرائيل ان امتلاك ايران اسلحة نووية لا يعني بالضرورة الرغبة في استعمالها. فالسلاح النووي لم يستعمل قط منذ العام 1945 وربما لن يستعمل ابداً، لا في الحاضر ولا في المستقبل، نظراً لما يجرّه على الاطراف المتحاربة من اضرار جسيمة متبادلة. غير ان اسرائيل تتخوّف من قدرة ايران على صنع اسلحة نووية تكتيكية، اي ذات مدى قصير وفعالية محدودة، ومن إحتمال تسليم هذه الاسلحة الى تنظيمات المقاومة في لبنان وفلسطين، لأن من شأن ذلك وضع سلاح خارق لتوازن القوى الراهن في يد اعداء اسرائيل ما يؤدي الى إضعاف قدرتها الردعية ووضعها تالياً تحت رحمة المقاومة. لذلك ترى اسرائيل ان الطريقة الأفعل لتفادي هذا الخطر الشديد الإحتمال هي في ‘قطع’ اليد التي يمكن ان تستعمل اسلحةً نووية تكتيكية، اي ‘قطع’ يد المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية. كيف السبيل الى ذلك؟
من مراجعة التقارير والتحليلات والدراسات الصادرة عن خبراء ومحللين ومراكز ابحاث استراتيجية، يمكن استخلاص مفاصل استراتيجية اسرائيل لمواجهة اعدائها، ولا سيما سوريا و’حزب الله’ و’حماس’ ، على النحو الآتي: اولاً، تحصين الجبهة الداخلية بإعتبارها هدفاً مركزياً لهجومات اعدائها، وإعدادها لتحّمل اعباء حرب طويلة نسبياً.
ثانياً، التزوّد بكميات كبيرة من المنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ الباليستية بعيدة المدى والصواريخ الثقيلة والصواريخ قصيرة المدى، و خصوصاً منظومات ‘حيتس’ و’العصا السحرية’ و’القبة الحديدية’ ، ونشرها في جميع انحاء الكيان الصهيوني ليصبح، بحسب المحلل العسكري اليكس فيشمان (صحيفة ‘يديعوت احرونوت’ 13/7/2011 ) ‘اكثر دولة في العالم محمية من الصواريخ حتى سنة 2015′ . ثالثاً، تصعيد الحرب الناعمة المقرونة بفصول ساخنة بغية إضعاف اعدائها الرابضين في جوارها الجغرافي، اي سوريا و’حزب الله’ وحماس’ ، ومحاولة شلّهم وحتى إخراجهم من حومة الصراع اذا تيّسر لها ذلك.
رابعاً، استكمال مرامي الحرب الناعمة واغراضها في مدى 18 الى 24 شهراً كحد اقصى، وهي المدة اللازمة لإستكمال ايران قدرتها على صنع اسلحة نووية تكتيكية وتجهيز اعداء اسرائيل في جوارها الجغرافي بها من جهة، ولإستكمال نشر منظومات اسرائيل الدفاعية المضادة للصواريخ من جهة اخرى.
خامساً، استباق اي تهديد خطير وبازغ من ايران وحلفائها بشن حربٍ شاملة على لبنان و’حزب الله’ (وعلى سوريا اذا ما بدا انها عازمة على نجدته) ، وكذلك على قطاع غزة و’حماس’ وسائر فصائل المقاومة.
الحرب الاسرائيلية الثالثة على لبنان والمقاومة ستكون، بحسب تصريحات القادة العسكريين والمحللين الاستراتيجيين الاسرائيليين، شاملة ومدمرة وبكل اسلحة البر والبحر والجو. غير ان ميزتها الفارقة، هذه المرة، ستتركّز في استعمال القوات البرية بكثافة لتمكين اسرائيل من تحقيق غايتين بالغتي الاهمية في نظرها: الاولى، محاولة إقتلاع المقاومة او تدميرها على الاقل. الثانية، اذا تعذر تحقيق الغاية الاولى – وهو امر شديد الإحتمال إن لم يكن محتوماً- فمحاولة السيطرة على اوسع مساحة ممكنة من الاراضي اللبنانية التي تجاور سوريا من الشرق والشمال بقصد ضمان استصدار قرار من مجلس الامن يقضي بنشر قوات دولية على طول الحدود اللبنانية السورية لعزل لبنان وقطع الإمداد اللوجيستي عن حزب الله ومقاومته.
يدرك القادة العسكريون الاسرائيليون ان الحرب الشاملة ضد لبنان (وسوريا) مُكلفة للغاية، بشرياً واقتصادياً وسياسياً، فضلاً عن ان النجـاح فيها غير مضمون لثلاثة اسباب:
اولها، تجذّر المقاومة في جميع قرى الجنوب والبقاع ما يجعل نجاح الهجوم البري الاسرائيلي صعباً إن لم يكن مستحيلاً.
ثانيها، إمتلاك المقاومة عدداً كبيراً من الصواريخ القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى ما يمكّنها من تدمير اسرائيل عمراناً واقتصاداً وسكاناً وجيشاً على نحوٍ لا تستطيع تحمّله.
ثالثها، ارجحية انخراط سوريا في الحرب ما يؤدي الى مضاعفة تكلفتها الباهظة على اسرائيل. خيار اسرائيل الارجح هو الإستمرار في إعتماد الحرب الناعمـة وتصعيدها، وعدم اللجوء الى الحرب الشاملـة إلا في حالة واحـدة: خروج او إخراج سوريا لا سمح الله من حومة الصراع. ‘ كاتب من لبنان