الحكومات العربية وبالتحديد حكومات البلدان الغنية بكل الوزن الثقيل الذي تتمتع به – ما يصفه مسؤولوها- بعلاقاتها الإستراتيجية مع أمريكا والغرب، وأكثر تحديداً بريطانيا وفرنسا، لم تستطِع في أي يوم من الأيام أن تستقطب اهتمام أي من تلك القوى الكبرى، إزاء أي قضية من قضاياها. هذه الملاحظة تعطي مؤشرا على الأقل، وكأن أو لأنّ فعلاً وواقعاً – تلك القوى الكبرى التي هي الأخرى تصف علاقاتها بحكومات البلدان العربية الغنية تحديداً بالإستراتيجية، تعتبر البلدان العربية تلك ممراتٍ مباحةً لها.
في المقابل لفتت الانتباه، خلال الأسبوعين الماضيين، علامة فارقة في علاقة إيران بأمريكا والغرب. وبدأنا نتساءل ما الخلل في الحكومات العربية، الذي يجعلها مفعولاً بها دائماً من فاعلها الأمريكي والغربي، ولا يجعل إيران كذلك، بل يجعلها أحياناً فاعلة في القرار الدولي ورقماً صعباً في معادلة الصراع .
في محادثات (5+1) الأخيرة في جنيف أُضطرَّ ثلاثة وزراء خارجية غربيين، وعلى رأسهم جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، إلى قطع التزامات مهمة لهم وهرعوا بصورة مستعجلة، وكأنهم في حالة حرب، أو في حالة طوارئ قصوى (لا يلوون على شيء) إلى جنيف، للاجتماع مع محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، ورئيس المفاوضين في مفاوضات ‘البرنامج النووي الإيراني’. وبدأنا نتساءل أكثر مقاربين أو مقارنين بين الحالة العربية والإيرانية: ما سبب كل هذا الاهتمام بإيران، الذي لم تحصل حكومات البلدان العربية قطُّ ولا أعتقد أنها ستحصل أبداً على أقل من واحد في المئة منه؟ لا شك أن شكل الاهتمام ومضمونه وسرعة الاستجابة لاجتماع جنيف عكس إن لم يكن خوفا فقلقاً أمريكيا غربيا من إيران، ولكن لماذا؟ ولماذا تحسب أمريكا ألف حساب لإيران وتعتبر حكومات البلدان العربية مجرد تحصيل حاصل؟ لقد عُدَّتِ المفاوضات الأخيرة في جنيف بين إيران ونظرائها الغربيين الأكثر جدية وكثافة وأهمية، ولعل الأهم فيها أنْ يستغرق اجتماع الوزير الأمريكي مع نظيره الإيراني ثماني ساعات، وهو الاجتماع الأول من نوعه منذ اندلاع الثورة الشعبية الإيرانية عام تسعة وسبعين وتسعمئة وألف، وهو ما استرعى ولفت نظر كثير من المراقبين الذين اعتبروه ‘انفراجاً نوعياً’ في العلاقات بين البلدين.
وذهب كيري إلى أبعد من هذا بالطلب من الكونغرس، لا سيما مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، بتخفيف لهجة الانتقاد لإيران، مما يشي برغبة أمريكا باحتمال رفع العقوبات الاقتصادية عنها. والمعطى الأهم الآخر، ربما أن يمشيَ الوزير الإيراني مع مفوضة العلاقات الخارجية الأوروبية البارونة كاثرين أشتون بمنتهى الاسترخاء والانسجام نحو مؤتمرهما الصحافي، لدرجة أن بعض الصحافيين أطلق طُرفةً باحتمال وجود مشروع ‘زواج متعة’ بين ظريف وأشتون.
رغم أن الاجتماع بكل الاهتمام غير المسبوق الذي سبقه وتخلله وأعقبه، فشل في إقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي الذي تصر إيران على أنه سلمي، والذي سبق ذلك تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني، بأن حقوق الشعب الإيراني وحق إيران في امتلاك القدرة النووية لأغراض سلمية، هما خطان أحمران، ورغم أن المفاوض الإيراني لم يوافق أيضاً حتى على تخصيب اليورانيوم في بلد محايد أو في تقليل نسبة التخصيب، فقد أعلنت أشتون عن أنَّ تقدما كبيراً قد تم إحرازه، واتفقت مع نظيرها الإيراني جواد ظريف على اجتماع 5+1 في العشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر). وحتى المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية الفرنسي في جنيف، على إثر انتهاء الاجتماع، كان قبل منتصف الليل بقليل مما يدل على حالة من الطوارئ القصوى ووعورة الاجتماع وخطورته الإستراتيجية مع المفوض الإيراني، الذي دعا فيه إلى التريث في رفع العقوبات عن إيران.
كثير من المحللين رأوا في اللهجة الفرنسية تبايناً واضحاً مع أمريكا وسائر الاتحاد الأوروبي. معلوم أن فرنسا من أشد المناوئين لإيران الذي أحد أهم أسبابه ربما دعمها لنظام (الأسد) إضافة إلى الفلسفة الأيديولوجية الإيرانية في إدارة الحكم، باعتبار فرنسا تؤمن بالعلمانية المطلقة في إدارة الحكم على عكس نظيراتها الأوروبية والأمريكية التي تتسامح مع الثقافات والمعتقدات الأخرى بدرجة ما .
ونثير تساؤلات أكثر حرقة وألما من قبيل لماذا تحترم أمريكا والغرب سيادة إيران ولا تلقي بالاً لسيادة البلدان العربية، تحديداً الغنية التي تستفيد منها بدون أي تحفظ من حكوماتها؟ ولماذا تهدر أمريكا سيادة البلدان العربية بطائرات بدون طيار وبقوات خاصة ولا نسمع مسؤولاً عربيا واحداً يقول إن السيادة خط أحمر؟ أهو الخوف من أمريكا؟ بعد أن قدمت أمريكا لهم نماذج عبد الناصر والملك فيصل وصدام حسين وعرفات وبومدين وغيرهم من الأحرار، لمن لا يرضخ منهم لها فسيلاقي المصير نفسه؟ ولماذا تحرص أمريكا والغرب على الجلوس مع إيران حول طاولة مستديرة مرات ومرات، بل وتستجدي الجلوس معها، وهذه المرة هي الأهم والأخطر ربما ولعل المرة القادمة ستكون فاصلة ومفصلية، بينما مع الحكومات العربية تغض الطرف وتدير الظهر وتعاملنا كالعبيد (أو عبيداً فعلاً) فأمريكا تغير طائراتها بدون طيار على بلداننا مستهينة بسيادتنا التي ندعيها في إعلامنا، من غير إذن معلن على الأقل، وتقتحم مدننا وتعتقل من تشاء ومن غير إذننا المعلن كذلك على الأقل. ونسوق مثالاً آخر، مع أن العراق زمن صدام حسين لم يصل إلى حتى أقل من واحد في المئة في برنامجه النووي مما وصلت إليه إيران حاليا، فلم تغزُ أمريكا إيران غير أنها غزت العراق ودمرته وجوعته وارتكبت المجازر جواً وبراً وبحراً في حق شعبه، واغتصب جنودها الحرائر العراقيات في سجن ابوغريب المشؤوم.
ولم يكن كل ذلك مبنيا على حقائق، ولم يكن بقرار أممي فقد كانت ذريعة امتلاك (العراق- صدام حسين) لأسلحة نووية فبركة لغزو العراق. وبعد ذلك سلمت العراق ليس باختيارها بطبيعة الحال إلى إيران، كما يعتقد الكثيرون من السنَّة العرب، وإنما بفعل السياسة الإيرانية الذكية التي حصلت على العراق من غير أن تنفق ريالا واحداً في غياب كاسح لجيران العراق الجنوبيين بلدان الخليج العربي. كانت دعوى كثير من حكومات الخليج العربي أن العراق-صدام غزا الكويت ولم يريدوا أن يدركوا أن العراق- صدام انتهى في 2003، بَيْدَ أن السنة العرب الذين عانى الكثير منهم مثل غيرهم في العراق من بطش (نظام صدام حسين) غدوا لوحدهم، ولو أن حكومات الخليج العربي تدخلت لملء الفراغ السياسي بدءاً من 2003 وأعادت على الأقل فتح سفاراتها وقامت بتفعيل علاقاتها مع الشعب العراقي بأطيافه كافة، لَما تم تشييع العراق وتحييد السنة على الأقل بالصورة التي عليها الآن.
والمسألة ليست في حاجة إلى تفكير، إيران دولة واحدة موحدة، تفكيرها واحد وقرارها واحد وأصرت على أن تخلق قوة نووية رادعة لإسرائيل، لأن منطق إيران كان دائماً وأبداً، طالما إسرائيل لديها قدرة نووية قادرة على حمل مئتي رأس نووي على الأقل، فإن إيران من حقها على الأٌقل أن تمتلك الطاقة النووية للأغراض السلمية. كل المؤشرات المؤدية لاجتماع جنيف الأخير تدل دلالة قاطعة على أن أمريكا والغرب رأتا من إيران العين الحمراء الكاملة، أما الحكومات العربية (23 أو 24 لم أعد أهتم كم؟) فتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، لا يتعاطون مع أمريكا في الشأن العربي موحدين، وإنما فُرادى وحسب مصلحة كل بلد، فلم ترَ منهم أمريكا أي شيء ولا حتى ربع عين حمراء، بل إن الحكومات العربية تحرص وتتحرى تحريا شديداً ألا يفعلوا أي شيء يقلق أمريكا والغرب.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري