متى يستعيد الذهب الأسود الذي تحول إلى رماد بريقه؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

الذهب الأسود تحول إلى رماد هش، حرقته نار حرب الأسعار التي أشعلتها السعودية منذ نهاية الأسبوع الأول من اذار/مارس الماضي. الآن تجري السعودية والدول المصدرة الأخرى حول نفسها، في محاولة لإطفاء النار التي تأكل النفط. وعلى الرغم من أن الدول المصدرة من أوبك وخارجها اتفقت على تخفيض الإنتاج فيما بينها بما يعادل 10 في المئة من الإنتاج العالمي في منتصف نيسان/أبريل، فإن السوق صوتت بقوة ضد الاتفاق بمجرد عودتها للعمل بعد انتهاء إجازات الربيع. التصويت بسحب الثقة من الاتفاق ومن سياسات الدول المصدرة كان قاسيا ومؤلما، سقطت فيه أسعار العقود الآجلة لشهر أيار/مايو إلى داخل منطقة سلبية سحيقة للمرة الأولى في التاريخ، هبط فيها سعر البرميل من خام القياس الأمريكي إلى دين على المشتري بمبلغ 37.63 دولار، عندما حل أجل التعاقد على بضاعة عينية حاضرة، لا يوجد مكان لتخزينها. لم يحدث أن رأى أحد هذه الظاهرة من قبل. العقود الآجلة لخام القياس الأمريكي، التي لم تجد مشترين حتى موعد أجلها، سقطت في الهاوية، وسحبت معها أسعار العقود الآجلة لشهر حزيران/يونيو. عقود خام برنت الأوسع انتشارا المستخدم في تسعير ما يقرب من ثلثي خامات النفط على مستوى العالم تعرضت للضرر أيضا.

خليط من الأسباب

حرب الأسعار وتخمة المعروض، العوامل التي أدت إلى هبوط أسعار النفط إلى قاع سحيق لا تعكس جميعها أسبابا أساسية، وإنما تعكس خليطا من الأسباب التي تعود إلى متغيرات حقيقية، وأخرى تتعلق بالمضاربة، وبطريقة إدارة أسواق النفط في العالم. ويوجد سببان حقيقيان أسهما في انهيار أسعار النفط. السبب الأول يتعلق بتخمة المعروض، وهو متغير نشأ عن حماقة وغباء من اتخذ القرار بإغراق السوق بالنفط. والسبب الثاني هو شحة الطلب، التي نتجت كمفعول لعاملين شددا من قوته، الأول هو انتشار وباء فيروس كورونا، الذي ادىي إلى توقف حركة النقل والأنشطة الاقتصادية داخل الدول وعبر العالم بمعدل يتراوح بين 50 إلى 80 في المئة، والثاني هو الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين، التي تسببت في تباطؤ النمو في الصين وعلى مستوى العالم ككل. وقد لعبت الزيادة الهائلة في تخمة العرض، والتراجع المفاجئ في مستوى الطلب بسبب الإجراءات الاحترازية التي تم اللجوء إليها، ومنها إغلاق مدن ومصانع ووقف حركة الطيران والنقل، إلى الضغط على الأسعار إلى أدنى معدل. وزادت شدة هذه الضغوط مع نقص الطاقة التخزينية المطلوبة لاستيعاب الفائض.

وعلى الرغم من أن هذا المؤشر كان كافيا لأن تكف السعودية ومعها روسيا عن حرب الأسعار وإغراق السوق بالنفط الرخيص، فإن السعودية على وجه التحديد استمرت في الحرب مستعينة بقدرتها على التوسع في الإنتاج. وتردد هناك أنها ماضية في الحرب حتى لو انخفضت الأسعار إلى ما دون 10 دولارات للبرميل. ومع استمرار التوسع في الإنتاج، على الرغم من عدم وجود طاقة تخزينية لدى الدول المستوردة للنفط، بدأت السعودية حملة شرسة لاستئجار ناقلات نفط عملاقة تبلغ سعة الواحدة منها 2 مليون برميل، لاستخدامها في نقل النفط من مواقع الإنتاج إلى نقاط التوزيع الرئيسية حول العالم، واشترطت في عقود الاستئجار أن يكون لديها خيار استخدام هذه الناقلات كصهاريج عائمة لتخزين النفط، مقابل رسوم بلغت 150 ألف دولار يوميا للناقلة الواحدة، زادت بعد ذلك إلى الضعف لتصل إلى 300 ألف دولار كل يوم. وتقدر شركة لويدز البريطانية المتخصصة في التأمين البحري أن السعودية استأجرت وحدها حوالي أكثر من 60 ناقلة نفطية عملاقة، إضافة إلى عدد كبير من الناقلات الأصغر.

المخزون النفطي العائم

ومع تراكم المخزون النفطي العائم الذي لا يجد مشترين، فإن تجار النفط الذين في حوزتهم عقود آجلة لم يتم بيعها، وقعوا في مأزق كبير، خصوصا مع اقتراب انتهاء صلاحية العقود الآجلة لشهر أيار/مايو، وتحويلها إلى عقود بضاعة حاضرة في نهاية يوم 19 نيسان/أبريل. وهكذا لم تكن لدى هؤلاء التجار مهلة طويلة من الوقت للتصرف في العقود التي في حوزتهم، فبدأوا في حرق العقود الآجلة تسليم شهر أيار/مايو في السوق، خصوصا مع عدم وجود أماكن لتخزين النفط، والارتفاع الصارخ في تكلفة التخزين في الناقلات. وهكذا هوت أسعار العقود، خصوصا أسعار عقود خام غرب تكساس الوسيط، بينما كانت ناقلات تحمل النفط السعودي الرخيص لا تجد مكانا ترسو فيه على شواطئ الولايات المتحدة في الشرق وفي الغرب. وهكذا فإن توقيت التسويات في سوق العقود الآجلة لعب دورا مهما في إغراق الأسعار. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن المضاربين في أسواق العقود الآجلة ليس من الضروري ان تكون لديهم خبرة بأصول سوق البضاعة الحاضرة، أي السوق العينية الحقيقية التي يتم من خلالها تبادل النفط الفعلي مقابل الدولار، الذي هو العملة الأساسية لتسوية عقود النفط. وقد تعرض متعاملون في سوق شنغهاي وفي سنغافورة لخسائر فادحة لأنهم ليسوا على دراية بقواعد التعامل في السوق الآجلة وفي سوق البضاعة الحاضرة.

ومما يزيد الطين بلة أن أسواق العقود في العالم، خصوصا في الولايات المتحدة، يطاردها شبح قرب وصول حوالي 50 مليون برميل من النفط السعودي الرخيص في صهاريج على ظهر ناقلات عملاقة بدأت فعلا رحلتها عبر المياه المفتوحة من السعودية إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

المتغير المباشر

هذا الشبح ما يزال حتى الآن يخيم على المعاملات في أسواق النفط العالمية، وهو المتغير المباشر الذي يضغط على أسعار النفط في أسواق العقود تسليم شهر حزيران/يونيو. خام القياس الأمريكي يدور حول 15 دولارا بينما خام برنت يدور حول 20 دولارا، وهو ما يقل عن نصف الأسعار لكل منهما في اوائل العام الحالي.

ومع انتشار الفزع من التأثير المحتمل لغزو ناقلات النفط المحملة بالنفط السعودي الرخيص، فإن المتعاملين في أسواق النفط والمواد الخام في الولايات المتحدة، وكذلك شركات النفط الأمريكية الكبيرة والصغيرة يمارسون حملة ضغط قوية على الرئيس الأمريكي لاتخاذ إجراءات ضد النفط السعودي القادم، الذي سيشكل تهديدا مضاعفا للمنتجين الصغار في حقول النفط الصخري. ولذلك فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سارع إلى تخفيف مخاوف شركات النفط الأمريكية، وأعلن انه سيلجأ إلى فرض رسوم جمركية على النفط السعودي. ثم أعلن بعد ذلك انه سيمنع النفط السعودي من دخول السوق الأمريكية، وهو ما يساوي إعلان حظر على استيراد النفط السعودي. كذلك أعلن انه سيتيح للشركات الخاصة مساحات للتخزين في منشآت الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، لمساعدة هذه الشركات على شراء وتخزين النفط الرخيص، ثم تحقيق هامش ربح مرتفع فيما بعد.

ومع ذلك فإن تجار النفط في الولايات المتحدة يسعون الآن إلى التخلص من عقود حزيران/يونيو بأقل خسارة ممكنة، من أجل تجنب الوقوع في المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه في عقود شهر أيار/مايو. وبينما المنتجون الأمريكيون يحاولون تقليل خسائرهم إلى الحد الأدنى، فإن السعودية ستجد نفسها في مأزق شديد، بينما ما يقرب من 50 مليون برميل من نفطها، قد تم تحميلها فعلا، وهي في طريقها للولايات المتحدة حسب بيانات الشحن البحري للشركات المالكة الناقلات، وقد يتم منعها من دخول الموانئ الأمريكية.

سوق مضطربة

 

الأوضاع في أسواق النفط، أسواق البضاعة الحاضرة وأسواق العقود، ستظل مضطربة جدا حتى الأسبوع الثالث من شهر أيار/مايو على الأقل. الأسباب الرئيسية وراء هذا الاضطراب تتمثل في الآتي:

أولا، أن السوق المتخمة بالنفط الرخيص لن تتأثر كثيرا بتخفيضات الإنتاج التي أعلنتها أوبك والدول المصدرة غير الأعضاء. ذلك أن كمية الفائض في المعروض حاليا تتجاوز كمية التخفيضات التي قد تصل إلى 17 مليون برميل يوميا، بالتعاون بين السعودية وروسيا وكندا والنرويج والولايات المتحدة والمكسيك وسلطنة عمان واذربيجان وغيرها. وطبقا لتقديرات وكالة الطاقة العالمية فإنه بينما كانت السعودية تغرق الأسواق بالنفط في شهري اذار/مارس ونيسان/ابريل كان الطلب العالمي على النفط ينكمش بمقدار 29 مليون برميل يوميا.

ثانيا: أن تقديرات تعافى سوق النفط في النصف الثاني من العام الحالي مبنية على أساس أن الاقتصاد العالمي ككل سيتعافى، وسينتقل من الانكماش إلى النمو. هذه التقديرات في واقع الأمر تعكس تفاؤلا أكبر من اللازم، لأن التعافي سيكون بطيئا وتدريجيا، على الأقل حتى بداية العام المقبل. ولذلك فإن الطلب العالمي على النفط حتى نهاية العام الحالي سيكون أقل مما كان عليه في العام الماضي. وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يكون الطلب على النفط في الأشهر الستة الأخيرة من العام أقل من العام الماضي. الوكالة تتوقع أن يكون الطلب في شهر مايو أقل بحوالي 26 مليون برميل يوميا، وفي شهر حزيران/يونيو بحوالي 15 مليون برميل يوميا، وعلى مستوى العام ككل سيكون أقل بحوالي 23.1 مليون برميل يوميا. وسوف يرتبط تعافى الطلب العالمي على النفط بالتعافي الاقتصادي في كل من الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، وفي الهند ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما أن أسعار النفط سترتبط أيضا بمدى التزام الدول المصدرة بتخفيضات الإنتاج المتفق عليها.

ثالثا: نظرا لأن أسواق العقود الآجلة هي التي تقرر إلى حد كبير أسعار البضاعة الحاضرة في أسواق مثل أوكلاهوما وسنغافورة وروتردام، فإن التخمة الموجودة في المعروض النفطي حول العالم، وانخفاض المساحات المتاحة للتخزين، سيستمر في الضغط على أسعار العقود الآجلة بما يؤدي إلى تراجع أسعار النفط في سوق البضاعة الحاضرة. ولذلك فإن هناك حاجة إلى تخفيضات أشد حدة في الإنتاج والمعرض؛ فذلك هو أفضل السبل لإتاحة السحب من المخزون، وتحرير مساحات لدى المصافي وشركات النفط لتخزين كميات جديدة. وإذا لم تتخذ الدول المصدرة قرارات جريئة بتخفيض الإنتاج بكميات أكبر من التي تم الاتفاق عليها في منتصف نيسان/أبريل فإن أسعار النفط ستستمر أقل من 30 دولارا بالنسبة لخام برنت وفي حدود 25 دولارا لخام غرب تكساس في أحسن الأحوال خلال النصف الثاني من العام الحالي. التخفيضات الحادة في الإنتاج ستحدث إجباريا في الولايات المتحدة بخروج نسبة كبيرة من منتجي النفط الصخري من السوق. ذلك أنه مع انخفاض الأسعار إلى ما دون مستوى التكلفة الحدية أو النفقات الجارية، يصبح إنتاج كل برميل تكلفة صافية بلا عائد، أي خسارة، وهو ما سيؤدي عمليا إلى توقف الإنتاج بسبب العجز عن التمويل.

انخفاض الصادرات إلى آسيا

 

من المفيد الإشارة هنا إلى أن الدول العربية المصدرة للنفط تربط أسعار خاماتها بأسعار خام القياس العالمي برنت المستخرج من بحر الشمال. كذلك فإن النسبة الأعظم من صادرات الدول العربية الخليجية تتجه إلى أسواق الشرق الأقصى، فالسعودية أكبر مصدر للنفط في العالم، هي في الوقت نفسه أكبر مصدر للنفط الخام إلى اليابان، رابع أكبر مستورد للنفط في العالم. كما أن العراق، ثاني أكبر الدول العربية المصدرة للنفط هو المصدر الأول للنفط إلى الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم. ومع أن عقود الإمدادات السنوية بين الدول المنتجة والدول المستوردة تختلف من حيث شروطها من عقد إلى آخر، إلا أنها تتفق جميعا في كونها ترتب حقوقا والتزامات للأطراف المتعاقدة وعليها، تتضمن الاتفاق على حدود معينة للكميات، ونظام متفق عليه لتحديد الأسعار (بالإشارة إلى خام برنت) ومواصفات الخامات المتعاقد عليها، إضافة إلى جدول تقريبي بمواعيد التسليم في موانئ الاستقبال. وفي العادة تتضمن هذه العقود مرونة كافية للطرفين أو الأطراف المتعاقدة.

ومنذ بدأت حرب أسعار النفط في الأسبوع الثاني من شهر اذار/مارس، استهدفت السعودية زيادة حصتها في السوق، عن طريق توسيع أسواق خاماتها في كل من شمال غرب أوروبا والولايات المتحدة. ولتحقيق ذلك فإنها عرضت خصومات في الأسعار تصل إلى 10 دولارات في البرميل الواحد تحت سعر خام برنت. لكن السعودية لم تحقق نجاحا كبيرا في أسواق أوروبا التي تعتمد إلى حد كبير على إمدادات مستقرة من روسيا والنرويج وبحر الشمال وشمال افريقيا، بناء على اتفاقيات طويلة الأجل. ولذلك فإن السعودية تركز الآن على محاولة تصريف نفطها في الولايات المتحدة، وهي تواجه مصاعب واتهامات شديدة هناك.

أما في أسواق آسيا، فإن مستوردي النفط، خصوصا في الصين والهند، نظرا للوفرة في المعروض ونقص الطلب، طلبوا من الموردين تخفيض الكميات وتأخير مواعيد الشحن والتسليم منذ شهر شباط/فبراير الماضي وحتى الآن. ولا تتأثر أسعار الإمدادات لهذه الدول بالاضطرابات في الأسواق العالمية نظرا لارتباطها بالاتفاقيات الطويلة الأجل للإمدادات، وبالأسعار المعلنة للتصدير التي يجري مراجعتها شهريا، ونسب الخصم الممنوحة عليها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية