الذين يعرفون قطاع غزة وحدهم يدركون خصوصية الاحتفال بالعيد هناك، واهمية طقوسه التي ينتظرها الجميع وخاصة الاطفال طوال العام. على مر السنين اظهر الغزيون قدرة استثنائية على الفرح رغم الفقر والحصار ورائحة الموت التي لا تكاد تغادر هواءهم. الا ان العيد هذه المرة مختلف تماما. انه اقرب الى مأتم كبير يتجاوز حدود القطاع الى قلب امة ووجدانها. عندما يستيقظ اطفال غزة صباح العيد لن يجدوا بهجة الملابس الجديدة و»المعمول» والعيدية، ومتعة التنزه على الشاطئ. لن يجدوا الا الاشلاء والحطام واصوات الانفجارات المرعبة وشبح الموت الاسود يلاحق ارواحهم الغضة.
ما لم تحدث مفاجأة، يصعب على المراقب ان يشعر بتفاؤل تجاه التوصل الى وقف لاطلاق النار او حتى هدنة مؤقتة خلال العيد. الاجتماع الدولي الذي انعقد في باريس السبت بحضور الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وقطر وتركيا، فشل في تأمين موافقة اسرائيلية على مجرد هدنة انسانية لاربع وعشرين ساعة قابلة للتجديد، بالرغم من نداءات الاستغاثة التي تطلقها المنظمات الانسانية والطبية العالمية بعد ان اصبحت غزة منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى كارثي.
اما الرسالة الاسرائيلية فواضحة ومفادها انها لن تتوقف مع استمرار فشلها العسكري، ومهما غضب العالم من الصور الرهيبة لضحايا العدوان. وحسب تقارير فان المؤسسة العسكرية طلبت من الحكومة المصغرة امهالها «عدة ايام» للقضاء على الانفاق التي اكتشفت فجأة انها اخطر على اسرائيل من البرنامج النووي الايراني، بالرغم من ان نتنياهو اعترف الاحد في احاديثه التلفزيونية انه «لايعرف ان كان ممكنا تدمير كافة الانفاق والصواريخ»، وهو ما يمثل اعترافا ضمنيا باكبر فضيحة استخباراتية في تاريخ اسرائيل. ومع ذلك فان شخصا او جهة ما في غرفة مظلمة بكواليس المؤسسة الامنية الاسرائيلية الفاشلة مازال يعتقد ان استمرار قصف غزة سيدفع الغزيين الى الثورة على حكم حماس عندما تفشل في النهاية في الحصول على مقابل يكافئ وقوع اكثر من الف قتيل.
اما المقاومة فاشترطت، واسرائيل رفضت، ان تقترن اي هدنة انسانية بانسحاب اسرائيلي من القطاع. وهي تسابق الزمن لالحاق ضرر باسرائيل يجبرها على قبول شروطها ما يسمح للمقاومة باعلان الانتصار، الا انها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على وحدتها في اتخاذ القرارات السياسية وحتى الميدانية، الى جانب منع وصول الحالة الانسانية في القطاع الى الانهيار الكامل.
اما الدول العربية فاصبحت تتعامل مع العدوان الاسرائيلي على انه نوع من «الكوارث الطبيعية العالمية» اي مثل الزلازل والبراكين، والتي لا تملك حيالها الا ارسال المساعدات الانسانية. الفارق في حالة غزة ان اغلب هذه المساعدات الانسانية اما لم تصل او لم يعلن عنها اصلا.
اما الادارة المصرية، فقد وجدت فيما اعتبرته تصعيدا اعلاميا ضدها من جانب خالد مشعل مبررا للتمسك بمبادرتها، مع فتح المعبر امام الجرحى والحالات الانسانية. بل وابدت تشددا حيال هذا الموقف اثار دهشة وزير الخارجية الامريكي جون كيري، الذي كان لم يستوعب بعد صدمة تفتيشه امنيا في قصر الاتحادية. وبالرغم من قلق مصري خفي من الغضب الشعبي المتزايد تجاه وحشية العدوان الاسرائيلي، فان القاهرة لا تتوقع مواجهة ثورة بسبب غزة، خاصة بعد مجزرة الفرافرة الارهابية التي وجدت من يتهم حماس او منظمات متعاطفة معها بارتكابها(..). وهي تثق، محقة او مخطئة، في ان الحل لن يكون ممكنا اوقابلا للتطبيق الا عن طريقها، وترى في اجتماع باريس الذي لم تحضره دليلا على ذلك.
وهكذا يدخل الوضع في غزة حالة من الضبابية السياسية التي يصعب معها على المحللين توقع ما يمكن ان يحصل خلال الساعات او الايام المقبلة، ما لم تحدث مفاجأة. وبكلمات اخرى، وبكثير من الاسى والخزي والعار، وحتى اشعار اخر، فان العالم بأسره لا يستطيع ان يعرف متى سيعود العيد الى اطفال غزة.
رأي القدس