متي سيحاكم المحافظون الجدد علي جرائم الإبادة في العراق؟

حجم الخط
0

متي سيحاكم المحافظون الجدد علي جرائم الإبادة في العراق؟

عمر نجيبمتي سيحاكم المحافظون الجدد علي جرائم الإبادة في العراق؟ المحافظون الجدد الذين يحكمون في واشنطن والذين غرقوا في وهم الأساطير الدينية اليهودية والمسيحية فورطوا الولايات المتحدة الأمريكية في حرب العراق يواجهون نكسة جديدة ستزيد من العصف بقدرتهم علي ممارسة التضليل والكذب ومن فرصهم للإستمرار في التحكم في مقاليد السلطة.فقد تمكنت دراسة حديثة أجراها باحثون عراقيون وأمريكيون في الصحة العامة، من وضع رقم تقريبي للخسائر البشرية في العراق منذ شن الولايات المتحدة هجومها علي العراق في آذار (مارس) 2003 وحتي الصيف الماضي، حيث أفادت أن قرابة 655 ألف عراقي قتلوا، وذلك نتيجة الصراع الدائر في البلاد وما سببه من العنف الدامي، أو بسبب تدهور الأوضاع الصحية. ووجدت الدراسة أن عدد الأفراد الذين يتوفون في العراق واصل ارتفاعه كل عام منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة.الدراسة التي جاءت تحت عنوان التكلفة البشرية للحرب الدائرة في العراق هي نتيجة تقدير استقرائي من مسح مع أكثر من 1800 أسرة عراقية، تضم قرابة 13 ألف فرد، وتمثل جميع أطياف المجتمع العراقي. وقد اجريت الدراسة في الفترة الواقعة بين ايار وحزيران (مايو ويونيو) من هذا العام.ودلت الدراسة التي أنجزتها مجموعة من جامعة جون هوبكنز الأمريكية، بمساعدة عاملين بجامعة بغداد ونشرتها مجلة لانسيت البريطانية يوم الأربعاء 11 تشرين الاول (اكتوبر)، أن واحدا من بين كل أربعين عراقيا قتلوا نتيجة النزاع بالعراق، وذلك بعد دراسة معدل الوفيات خلال فترة ما قبل الغزو.وكانت التقديرات السابقة لهذه المجلة الطبية قد ذكرت، في تقرير لها نشر في تشرين الاول (أكتوبر) 2004. أن مائة ألف مدني من العراقيين قتلوا بمسائل مرتبطة بالغزو بين اذار/ مارس 2003 وايلول/ سبتمبر 2004.وقد ارتفع معدل الوفيات من 5.5 لكل ألف نسمة سنويا قبل الغزو الأمريكي، إلي 13.3 لكل ألف خلال فترة الاحتلال. وأكد معدو التقرير أن ارتفاعا كهذا يتطلب مساعدة إنسانية عاجلة.كذلك أظهرت الدراسة أن عدد الوفيات هو 20 مرة أعلي من الرقم الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن القتلي المدنيين العراقيين خلال رده علي أسئلة الصحافيين بعد خطاب ألقاه في كانون الاول (ديسمبر) المنصرم في فيلادلفيا. وصرح بوش حينها في رده أستطيع القول إن 30 ألف عراقي زيادة أو نقصانا، قتلوا نتيجة الغزو الأولي وتواصل العنف الدائر ضد العراقيين . هذا الإحصاء يؤكد ما اجمع عليه الباحثون في اعتبار أزمة العراق أحد أخطر نزاعات القرنين الماضي والحالي.ساسة البيت الأبيض وفي مقدمتهم الرئيس بوش الذين فقدوا كل مصداقية لهم سواء داخليا أو خارجيا بعد أن تفوقوا علي أي نظام سابق في الكذب، سارعوا الي محاولة تكذيب التقرير الذي سجل جزءا من جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تمارسها جيوشهم وعملاؤهم في العراق باسم الديمقراطية وبناء شرق أوسط جديد.ففي تعليق له علي التقرير الفضيحة قال جورج بوش أعلم أن الكثير من الأبرياء قضوا، ويؤلمني ذلك ويحزنني إلا أنه أضاف أنه وكبار مستشاريه يعتقدون أن الطريقة التي أجريت بها الدراسة تفتقر إلي الكثير من المصداقية . وقدر الرئيس الأمريكي مجددا كذبته السابقة عن أن عدد العراقيين الذين قتلوا بنحو 30 ألف شخص. كما اعتبر قائد قوات الإحتلال بالعراق الجنرال الأمريكي جورج كايسي أن ما جاء في الدراسة الأمريكية لا يتمتع بالصدقية. وقال كايسي خلال مؤتمر صحافي بواشنطن إن هذا الرقم 650 ألفا يبدو أكبر من الأرقام التي رأيتها.. لم أر رقما أكبر من خمسين ألفا. وكذلك، لا أعطي أية صدقية علي الإطلاق لهذه الدراسة.الدراسة جاءت في وقت غير مناسب للمحافظين الجدد، أي قبل أقل من شهر علي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي ستجري في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، والتي قد ترجح كفة الفوز لصالح الديمقراطيين علي حساب الجمهوريين خاصة بسبب سقوط أمريكا في المستنقع العراقي.التأييد الأمريكي العام للحرب في العراق أخذ نفس المسار الذي أخذه في حربي كوريا وفيتنام، حماسة جارفة في بداية اندلاع الحرب، يعقبها تدن واضح في التأييد بسبب تصاعد عدد الضحايا؛ الأمر الذي أجج العقدة العراقية، وهو في طريقه الآن ليجهض السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بأساليبها التي تبناها المحافظون الجدد، علي مدي العقود القادمة، ويذهب بعقيدة بوش الأحادية أدراج الرياح. ان حرب العراق تمثل حالة خاصة في سجلات الفشل الأمريكي؛ لأن تدني التأييد الجماهيري الأمريكي لحرب العراق كان أسرع كثيرا من نظيره في حربي كوريا وفيتنام. ففي بداية 2005، حينما وصلت خسائر القوات الأمريكية بالعراق إلي 1500 قتيل، سجل صعود كبير لعدد الأمريكيين الرافضين للحرب؛ إذ رأي حوالي 50 في المائة من الجمهور الأمريكي أن الإدارة الأمريكية ارتكبت خطأ فادحا بدخولها حرب العراق. وهي نفس النسبة الرافضة لحرب فيتنام في عام 1968 حينما ارتفع عدد القتلي الأمريكيين إلي 20 ألفا، وليس 1500 فقط. وفي سنة 2006 قفزت نسبة الرافضين الي أكثر من 60 في المائة.أكاذيب بوش وإدارته عن حرب العراق وخسائر القوات الأمريكية لن تنفع، فكما نمت عقدة فيتنام وترعرعت، فإن عقدة العراق في طريقها لذلك، وكما أدت العقدة الأولي إلي خلو الحرب الباردة من أي محاولات فيتنامية أخري من جانب الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإن العقدة الثانية ستؤدي غالبا إلي خلو العقود القادمة من أي محاولات عراقية من جانب الإدارة الأمريكية الحالية، وما يعقبها من إدارات، بل قد تؤدي الي أفول نجم الولايات المتحدة كقوة عالمية أولي وتوجهها الي الإنعزال علي الساحة الدولية. فحسب استطلاع أمريكي، أُجري في مستهل هذا العام في ولاية ألباما الأمريكية، رفض ثُلثا العينة عودة القوات الأمريكية إلي العراق إذا ما قررت واشنطن سحب قواتها حتي ولو حدثت حرب أهلية. ويشير المؤرخ الأمريكي البروفيسور جون موللر إلي أن العقدة العراقية بدأت في الظهور علي الرئيس الأمريكي ذاته الذي باتت عقيدته الأحادية محل تساؤل وشك. بمعني أن العقيدة الأحادية البوشوية ذهبت أدراج الرياح؛ وصارت هي أيضا ضحية للعقدة العراقية. وتبين للرئيس بوش ولجميع الطاقم الحكومي الأمريكي، أن القوة الأمريكية يمكن ردعها علي يد مواطنين عراقيين مدربين علي خوض حروب غير منظمة. وإذا كانت عقدة العراق قد أخلفت من ورائها تجرؤ العراقيين علي ردع القوة العظمي، فإنها أيضا جرأت كلا من كوريا الشمالية وإيران علي تلك القوة العظمي التي باتت غير قادرة علي صد الدولتين الآسيويتين عن مشروعهما النووي؛ خاصة بعد تولي الرئيس الإيراني الجديد الذي أعلن صراحة بأنه لا يضع الولايات المتحدة في أدني اعتبار، أي أن أكبر مستفيد من عقدة العراق هم أعضاء محور الشر . التاريخ لن يرحم فأمريكا التي تلفق لخصومها تهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية لتكون مدخلا للتدخل وفرض الحصار خدمة لأطماعها في التوسع ونهب الخيرات والإساءة للأديان، تبرز كأهم مدمر للجنس البشري فهي التي قتلت ما يزيد علي مليوني فيتنامي خلال حربها ضد هذا البلد من سنة 1962 الي 1975، وهي التي جوعت شعب العراق لمدة 13 سنة بعد حرب الخليج الأولي فقتلت بشكل غير مباشر أكثر من مليون ونصف مليون عراقي غالبيتهم من الأطفال والشيوخ والنساء والمرضي، والولايات المتحدة هي التي أشعلت الحروب وتدخلت في كل قارات العالم من سنة 1846 حتي الآن فحصدت أجيالا كاملة من الجنس البشري، وأمريكا هي التي تمرست علي سرقة الأوطان وتشريد شعوبها الأصلية، فقدمت فلسطين للصهاينة وفرقت في الشتات أكثر من 7 ملايين فلسطيني، هذه القوة التي بنيت علي جماجم وحضارة 50 مليون من سكان امريكا الأصليين ستتعرف نهاية تليق بالجرائم التي ارتكبت تحت ظل أكاذيب لا تحصي.يقول جون كولي الصحافي والمؤرخ الأمريكي الشهير في كتابه التحالف ضد بابل : لم يكن احتلال العراق مغامرة سيئة الإعداد فحسب، ولكنها كانت أيضا استلهاما للقصص والأساطير الدينية التي توسل بها اليمين الأمريكي في انطلاقه للسيطرة علي بلاد الرافدين، ويضيف بلاد ما بين النهرين تظهر في قصص التوراة مثيرة للدهشة ، ولا يختلف في هذا التوجه الأصوليون اليهود عن مسيحيين يعتبرون موالين للصهيونية، مشددا علي أن حماس إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لجنرالات إسرائيل والمتدينين اليوم موجود في هذه القصص الغابرة . ويقول كولي: مؤرخو الكتاب المقدس والمؤرخون العلمانيون قدموا الوقود الذي جعل من العراق بقعة لصناعة الشر بالإستناد إلي رؤية العهد القديم لبابل كمركز للفساد والظلام .وقال كولي إن إسرائيل دائما تري أن العراق عدو إستراتيجي، وأضاف أن الحرب التي قادتها أمريكا حققت بعض أهدافها العسكرية الخالصة بتدمير البني التحتية للدولة العراقية لكنها فشلت في استعادة الدولة أو توفير حياة كريمة للمواطنين كما حققت هدف إسرائيل الأثير وهو تدمير القوات المسلحة العراقية بلا خسائر إسرائيلية.عزاء الشعب العراقي ومعه كل العرب والمسلمين في هذا العدد الهائل من الضحايا والشهداء أنه يستمر في مقاومة الإحتلال ويكبده المزيد من الخسائر حتي يتحقق له النصر وتسقط امبراطورية الشر. كاتب من مصر مقيم بالمغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية