بغدادـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: تباينت آراء المثقفين العراقيين حول صلاحية وزير الثقافة العراقي الذي تسنم منصبه في الحكومة الجديدة برئاسة حيدر العبادي، فالوزير فردياد راوندوزي معروف لدى المثقفين من خلال رئاسته لتحرير جريدة الاتحاد التي تصدر عن الاتحاد الوطني الكردستاني، فضلاً عن عمله في مواقع مختلفة لا تبتعد كثيراً عن الشأن الثقافي، وهو ما جعل بعض المثقفين يأملون خيراً ويحلمون بمشاريع ثقافية مقبلة. في حين هناك مثقفون يرون في تسنم راوندوزي إجهاض آخر للثقافة العراقية، لأسباب كثيرة، منها أنه كردي وهو ما سيجعله ربما يفكر في الأدباء والفنانين الكرد بعيداً ويهمل العرب، وثانياً أنه كان أحد جنود البيشمركة، ما يعني أنه قضى معظم حياته عسكرياً ولا يعنى بالشأن المدني الذي يجب أن تتصف به وزارة الثقافة.
لكن عدداً كبيراً من الأدباء والفنانين العراقيين بعثوا عن طريق «القدس العربي» رسائل للوزير الجديد، حالمين بخطوات جادة تعيد للثقافة العراقية زمنها الذهبي وواجهتها التي عرفها العرب.
بنيات عاطلة
في رسالته، يشير الشاعر والمترجم محمد تركي النصار إلى أن على الوزير أن يعمل أولاً وقبل كل شيء على تحقيق استقلالية الشأن الثقافي وإبعاده عن كل الفعاليات الإعلامية الدعائية، وأن يشكل لجاناً متخصصة من غير الأسماء التي أثبتت التجارب عدم فاعليتها لتقديم مقترحات قرارات ترفع إلى مجلس الوزراء لصون حقوق المثقف وحريته في التعبير والكتابة والسفر، وحقه المهم جداً لأن يتفرغ لإنجاز مشاريعه التي تحتاج إلى وقت ودعم مادي وهو الأمر المعمول به في معظم الدول التي تحترم الشأن الثقافي، فضلاً عن إطلاق جوائز أدبية عراقية تكون قيمتها المعنوية والمادية متناسبة مع سمعة العراق الثقافية في مجالات الإبداع المختلفة، وإعادة تأهيل البنى التحتية التي دمرتها الحروب والفواجع المتلاحقة التي عانى ولا يزال منها البلد، خصوصاً المسارح ودور العرض السينمائية وقاعات العروض التشكيلية، وتشجيع وتنشيط كل الخطوات العملية التي من الممكن أن تسهم في تحقيق نوع من التمويل المالي ذاتياً من خلال البحث عن فرص استثمار سواء كان ذلك عن طريق التعاون مع الشركات المحلية وبعض التجار المهتمين بالشأن الثقافي أو عن طريق استثمار بعض الدوائر والبنايات العاطلة عن العمل منذ سنوات طويلة واستغلالها في مشاريع ثقافية ربحية والعمل على تنمية هذا التوجه بإقامة نشاطات موسمية لتوضيح أهمية مثل هذا التوجه في تحقيق استقلالية مطلوبة للمثقف لكي لا يكون تابعاً خاضعاً للمساومات وعمليات الابتزاز بأشكالها المختلفة.
ست وصايا
في حين كانت رسالة الشاعر والناقد جمال جاسم أمين تتلخص في نقاط ست: أن يسلم أمور الثقافة للمثقفين حقاً، بل كبار المثقفين من لهم مشروع راسخ، أن يتخلص من ثقافة البطانة والحاشية، إعادة النظر في بيوت الثقافة في بغداد والمحافظات لأن أغلبها وهمي يتولاها من لا علاقة له بالثقافة، أن تبتعد الوزارة عن الأنشطة الشعاراتية والاحتفالية لتدخل في صلب المشروع الثقافي، على الوزارة أن تميز بين أصحاب المشاريع الثقافية الرصينة والمنتفعين، وأخيراً العدالة في توفير فرص السفر والتمثيل في المهرجانات العربية ومعارض الكتب.
عناوين رئيسة
الفنان المسرحي كاظم النصار يعتقد أن لدى الوزير مهمات أساسية، الأولى رسم السياسة الثقافية لهذا البلد، عليه أن يفصح عن برامجه خلال مؤتمر صحافي خلال السنوات الأربع المقبلة، وهناك خمسة أركان رئيسة لتطوير الثقافة بشكل عام، أولاً البنى التحتية، ثانياً التمويل المنظم للثقافة، مثل إعادة بناء مسرح الرشيد والأماكن الثقافية التي يمكن أن تكون منطلقاً للعمل الجاد، أي أن يكون العمل على الهبات والمنح، ثالثاً أن يعيّن إدارات ثقافية رشيدة، رابعاً أن يضع رؤية استراتيجية للثقافة، فلا يمكن أن يبقى عملنا ارتجالياً وعبارة عن نشاطات لا فائدة منها، السؤال الأهم هو هل نستطيع أن ننتج الثقافة ونصدرها أو لا؟، وخامساً أن يكون هناك صوت حريات المثقف؛ فكرياً وجمالياً، فنحن بلد متعدد ومتنوع، ويجب أن تعرض الثقافات جميعها دون قمع وتحريض. هذه أهم رؤوس الأقلام التي بعثها النصار لوزير الثقافة، وتحت هذه العناوين تفاصيل كثيرة على الوزير أن يناقشها مع المثقفين عموماً.
أفلام لم تعرض
على الرغم من أن وزارة الثقافة أسندت لوزير كردي ضمن المحاصصة الطائفية، إلا أن الفنان أسعد مشاي يأمل أن يبتعد هذا الوزير عن المحاصصة داخل وزارته، نحن بحاجة لوزير ميداني، يأتي إلى المسرح الوطني؛ على سبيل المثال، ويتفقد الممثل ويتناقش معه عن المشاكل والمعوقات. نحن بحاجة لتصدر الثقافة العراقية إلى الخارج، أن يرى ثقافة العالم ويحاول أخذ الأفضل منها ونقلها للعراق، لا نريد أن نبقى ننتظر مهرجاناً سنوياً لنعمل، بل أن نعمل بشكل يومي لتغيير ثقافة المواطن ووضعه ضمن المفاهيم الجديدة في المسرح والسينما والآداب عموماً. نحن بحاجة لتفعيل دور السينما، وإبراز الوثائق التي تدين الأفلام السينمائية التي أنتجت بملايين الدولارات من دون أن تقدم شيئاً مهماً والمثير في الأمر أنها لم تعرض حتى الآن، فقد أسندت هذه الأفلام لأشخاص عن طريق العلاقات الشخصية وكانت بشكل عام رديئة جداً قياساً لعمل الشباب العراقيين الذي قدموا أعمالاً مهمة.
أطياف متعددة
الشاعر وديع شامخ لا يعرف الوزير الجديد، واسمه؛ حسب ما يقول، جديد عليه، إلا أنه يأمل منه أن يغير من سياسة الوزارة التي أعادت الثقافة العراقية إلى عهودها المظلمة، فيقول أن الثقافة العراقية لم تمر في فترة مظلمة مثل الذي شهدناه منذ ما يقرب العشر سنوات من عمر حكومات المحاصصة والبحث عن الوزارات السيادية، ولم تمر وزارة الثقافة في مرحلة هزيلة وبائسة ومدعاة للرثاء في كابينة الحكومات العراقية أبداً، حتى بلغت الوقاحة من قبل بعض السياسيين بوصفها «وزارة تافهة!»، وفي خطابه للوزير، لا يطالبه شامخ بمعجزات لمعالجة الخلل البنيوي في العقل السياسي العراقي «المحاصصي» الفاعل والمهمين بقدر ما يتمنى أن تكون لكم رؤية واضحة للمشهد الثقافي العراقي ودور المثقفين في بناء وطن متوازن ومعافى، «إن وجود ثقافة معافاة ومثقفين لهم دور في الحياة العامة كمشاركين فاعلين في صنع الحياة العراقية الجديدة سيكون دليلاً على أن الحكومة العراقية تطير بكل أجنحتها لبناء عراق قوي ديمقراطي فيدرالي دستوري». ويرجو أن تكون من أولويات الوزير إعادة هيكلة الدوائر التابعة للوزارة وبمساعدة ومشورة الأكفاء والفاعلين في مختلف الحقول الثقافية، ذلك بعقد اجتماع تشاوري مفتوح وصريح وحر لسماع معاناة المثقف والمبدع العراقي مباشرة، لكيما تكون لديكم صورة واضحة عن آلية عمل الوزارة وتعاملها مع أبناء الحقل الثقافي في العراق وخارجه، من أجل بناء ثقافة عراقية واحدة متنوعة ومتعددة تحفظ لجميع الطيف العراقي فرصة واحدة في المساهمة الفاعلة.
صفقات ومقاولات
ويطمح الكاتب عمار المسعودي أن تنفتح الوزارة على الثقافة بعدِّها بعداً وطنياً شاملاً، خارج حدود الوظائف الحكومية التي تشتغل بآليات مريضة ومتكاسلة، مضيفاً أن الوزارة لم تستطع أن تُخرج المشروع الثقافي من حيز الصفقات والمقاولات على مستوى المهرجانات الوطنية آلتي تدنى مستواها مؤخراً. مطالباً أن يكون هناك دور للوزارة في تهيئة كوادر معنية بالثقافة في الملحقيات، وذلك لتمثيل العراق بشكل ثقافي خالص وليس سياسي منحاز لإقطاعيات المشهد العراقي، وأن يكون للمثقفين دور في رسم المناهج الدراسية لإعداد أجيال قادرة على تذوق الثقافي المبتكر على أساسيات ثقافية راقية، وأن تتوحد الجهود لإنتاج مؤسسات ثقافية يديرها أدباء المحافظات، وأن تكون هذه المؤسسات مجهزة بكل ما يجعلها قبلة ثقافية بدلاً من ضياع معظم اتحاداتنا في هوامش الأمكنة، والأهم من هذا يرى المسعودي أن على الوزارة الجديدة تنظيف نفسها الفساد الذي ينخر بجسد الثقافة ما يؤدي إلى انهيار المنظومات الخلقية ولتكن الثقافة قلعة وطنية عصية على الطائفية والعنصرية، لتكن قلعة عراقية تعنى بثقافة العراق أينما كان.
وقف الثقافة الطائفية
يبدأ الشاعر والتشكيلي مازن المعموري رسالته للوزير بمطالبته باختيار شخصيات استشارية ذات خبرات ومؤهلات معروفة على مستوى البلد، دون النظر إلى جنسياتهم أو طوائفهم أو أحزابهم، وإبعاد الأقرباء من الأكراد أو غيرهم عن دائرة مكتب الوزير لأنهم سيعملون على تزييف الحقائق، والعمل على تنفيذ مشروع المجلس الأعلى الثقافة في العراق لأهميته في التخلص من الأعباء الزائدة التي تتحملها الوزارة من دون طائل، مثل نشر الكتب وإقامة المهرجانات، وهي أعمال خارج نطاق عمل الوزارة، ودعوة المثقفين إلى مؤتمر عام يشمل كل من يعمل في مجال الانثربولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع وعلم النفس حصراً، وليس الأدباء أو الفنانين لدراسة مشاريع تخص الواقع العراقي وآليات معالجته من وجهة نظر ثقافية، من دون النظر إلى الطوائف والانتماءات الحزبية، واقتراح حلول لذلك عبر دراسات جادة، ومشاركة وزارة الثقافة بشكل فاعل في تعديل المناهج الدراسية لوزارة التربية والتعليم لخطورة الموقف الاجتماعي والثقافي على الأجيال القادمة، والمطالبة بكتابة قانون لحماية المبدع العراقي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً في ضوء إقامة مؤتمر عام يقدم من خلاله إلى البرلمان لاستحصال الموافقة والتنفيذ، ووقف تنفيذ النصب في الساحات العامة من دون الأخذ بموافقة لجان متخصصة تابعة لوزارة الثقافة أو المجلس الأعلى للثقافة في حال تنفيذ المشروع، وأخيراً وقف الفعاليات المخصصة للحرب أو الثقافة الطائفية.
إعادة إنتاج الثقافة
أما أولويات الروائي حميد الربيعي، فتتمثل في إعادة هيكلة الوزارة بما يتناسب مع الثقافة العراقية وتطلعاتها ببناء مجتمع متمدن بعيدا عن الطائفية والفساد المالي والإداري والمحسوبية الشخصية والحزبية ووضع الكفاءات في المكان المناسب بما يخدم الثقافة ويوسع انتشارها إعادة هيكلة الأقسام والمديريات التابعة للوزارة بحيث تكون منتجة للثقافة بدلاً من أجهزة ادارية بيروقراطية تعيق الوعي والثقافة واحتضان المنتج الثقافي بكل أنواعه وأشكاله وإيصاله إلى الجمهور العراقي وتواصله مع الملحقات العربية والعالمية وإقامة الندوات وورش العمل بشكل يليق بالثقافة العراقية ورموزها وبعيدا عن الشكل الإداري القرف غير المنتج وإقامة المهرجانات بما يتلاءم مع مستوى المقبولية العالمية من حيث الترتيب والتهيئة والتنظيم، مترافقة مع جوائز معتبرة وعلى مر السنوات تصبح جوائز قيمة القيمة والمستوى والسمعة والسعي مع مجلس الوزراء والبرلمان بإقرار المجلس الأعلى للثقافة والفنون، والتشغيل الفعلي للوسائل الإعلام المقروء والمسموع والمشاهد وجعله شركات منتجة للثقافة الحقيقية بعيدا عن التهريج والتطبيل والتزييف، والتنسيق مع وزارة الخارجية بحصر الملحقيات الثقافية للسفرات العراقية بيد مثقفين يمثلون العراق والثقافة.
رياء ثقافي
من وجهة نظر الشاعر والأكاديمي الدكتور د. علي مجيد البديري فإن ما نحن بحاجةٍ فعلية إليه، هو حركة إصلاحٍ ثقافي شاملة، تبدأ من المؤسسة الكبرى (الوزارة) الراعية لشؤون الثقافة والمثقفين في البلد. «أما لنا أن نحلم بيومٍ يكون فيه النظرُ إلى السياسة من زاويةِ الثقافةِ والفكر، لا العكس؛ أنْ تكون وزارةُ الثقافة، بمشاريعها وخططها التنموية، قادرةً على التأثير في الواقع السياسي، وبشكلٍ يكونُ للمثقف فيه الدور البارز والحضور الفاعل في الحياة»، ويضيف البديري أن هذه مهمةٌ لا يمكن التأسيس لها والعمل على تحققها إلا بانتماء وزارة الثقافة للمثقف الحقيقي، وهو حلمٌ نتمنى أنْ نعيشَه في يومٍ ما، أنْ تكتسبَ الوزارةُ هويتَها من مثقفها، وتتعاملَ معه بوصفه ثروةً إنسانيةً مهمة. و»لا أنسى أن أسجل أمنية لاذعة، تتعلق بما أسميه بـ (الرياء الثقافي) الذي تتخذه غايةً وهدفاً بعضُ النشاطات والفعاليات والمهرجانات التي تحققها الوزارة أو ترعاها، أتمنى العنايةَ بنوعية هذه الفعاليات والتثبت من جدواها الثقافية في حياتنا الراهنة، وأنْ يتم ذلك خالصاً لوجه الثقافة والإنسان».
أما ما يخص آلية تنفيذ هذه الرؤية فتبدأ؛ بحسب رأي البديري، من اختيارٍ دقيقٍ وموضوعي لمدراء المؤسسات الثقافية في ضوءِ معايير الكفاءة والنزاهة والانتماء إلى الوسط الثقافي فـ»أهلُ مكة أدرى بشعابها»، ووضع خطط ومشاريع ثقافية مدروسة لإنعاشِ المؤسسات الخاملة والمهملة، عبر تطويرِ بِناها التحتية أولاً، والرعاية الدائمة لنشاطاتها وفعالياتها المختلفة، ودعم تواصلها مع مثيلاتها في الفضاء الثقافي العربي والعالمي ثانياً.