الناصرة – “القدس العربي”: نقلت مصادر إسرائيلية على لسان مسؤولين إماراتيين تأكيداتهم بأن السلام مع دولة الاحتلال سيكون دافئا في إشارة لبرود علاقات السلام مع مصر والأردن بعد توقيع اتفاقيتي كامب ديفد عام 1978 ووادي عربة عام 1994 فهل فعلا سيختلف الاتفاق الأخير عن سابقيه وبماذا وما حصة الفلسطينيين أنفسهم بذلك؟
حول هذا السؤال يوضح مثقفون فلسطينيون لـ”القدس العربي” المتشابه والمختلف فيتساءل الدكتور رائف زريق المحاضر في فلسفة القانون في جامعة تل أبيب بالقول: “يسأل البعض: ما هو الخاص في صفقه الإمارات وإسرائيل؟ لقد سبق كل ذلك تطبيع مع مصر والأردن فلماذا هذا الغضب وهل هو مبرر؟”.
وعن ذلك يقول زريق: “لم نسعد في حينها لمصر كامب ديفيد، وغضبنا بحق. لكن علينا أن نذكر أن مصر خاضت 3 حروب ضد إسرائيل وخسرت عشرات آلاف الجنود في حروبها ضدها ووصل قيادتها للنتيجة التي وصلتها: إما حرب أخرى أو اتفاق يعيد سيناء.
أما الأردن فقد وقع بعد توقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق اوسلو في 1993 وبغض النظر عن موقفنا من أوسلو وموقفي شخصيا معروف، ساد وقتها شعور بأن المنطقة ذاهبة الى انفراج لدرجة أن سوريا كانت تفاوض في تلك الفترة على نفس المبدأ.
وينبه زريق إلى أن الفلسطينيين وقتها لم يطلبوا من الأردن أن لا توقع ولَم يجر التعامل مع التوقيع باعتباره مؤامرة على فلسطين، إنما تحرر أردني من عبء مواجهة محتملة. لكن التوقيع هذه المرة برأي زريق يأتي بعد تصعيد إسرائيلي واضح ضد كل الفلسطينيين في الداخل وإقرار قانون القومية ومشاريع استيطانية واسعة في الضفة وحروب على غزة وضمن محاولة منسقة دوليا لدفن مسألة اللاجئين، وضمن مشروع واضح المعالم لتصفية قضية فلسطين وليس حلها. ومن هنا يستنتج رائف زريق أنه عندما توقع الإمارات فإنها لا توقع بهدف منع الحرب القادمة، ولا حفاظا على أرواح جنودها وأهلها خوفا من الحرب القادمة لأنها ليست في حرب أصلا ولا عداوة مع إسرائيل من أي نوع.
اتفاق الإمارات أخطر؟
وفي باب المفاضلة يضيف: “عدا ذلك الوضع الداخلي وطبيعة الدولة في الإمارات يختلف عن مصر والأردن من عدة أوجه مما يجعل حضور الإمارات خطيرا”، معتبرا أن الأردن على علاته ومشاكله دولة فيها برلمان وصحافة ورأي عام وفيها مليونا فلسطيني تأخذهم الدولة بعين الاعتبار في صنع سياستها ورسم مواقفها.
كذلك الأمر مع مصر يقول زريق منبها أن التوقعات من مصر كانت اكبر من ذلك بكثير لكن الوضع في الإمارات يختلف كليا والشيخ الحاكم قادر على أي شيء ولا رأي عام ولا مؤسسات ولا صحافة. ويتابع: “يضاف لكل هذا أن مصر والأردن دول ضعيفة ومحدودة القدرات – لم تتبن المواقف والرواية الصهيونية بصيغتها الليكودية للصراع. كانت هذه الدول تراوح بين الضغط على الفلسطينيين تارة ودعمهم حينا آخر. الوضع يختلف الآن تماما مع الإمارات. الإمارات تدخل في حلف استراتيجي مع إسرائيل وتتبنى الرواية الليكودية للصراع تماما”.
احتمال إنتاج قيادة فلسطينية جديدة في الداخل
كما يتنبه زريق للتوقيت وطبيعة المرحلة فيشير إلى أن الإمارات تدخل على خط التطبيع المجاني فتدخل في مرحلة ينهار فيها العالم العربي وتتهاوى الدول، وللإمارات قدرات مادية لا حدود لها وقادرة على توظيفها هنا في الداخل الفلسطيني وكذلك في الضفة وغزة. ويضيف زريق محذرا من صنع قيادة جديدة على مقاسات التطبيع: “أنا على يقين -وإن ليس لدي إثبات- أن إسرائيل تعد للإمارات دورا عاما في صناعة قيادة بديلة في الداخل وفِي الضفة، والمال ليس عائقا، إنما متواجد وبكثرة”.
السلطة الفلسطينية
وبشأن القيادة الرسمية يقول زريق إنه ليس لديه الكثير من الكلام الجميل ليقوله عن قياده السلطة الفلسطينية، لكنها على الأقل في بعض شخوصها تمثل منظمة كانت تمثل يوما ما شيئا ما، ولا تزال لفظيا تصر على بعض الأمور، مع أنه من الواضح أنها غير مؤهلة لمواجهة الأزمة ما دامت تدير ظهرها لشعبها وتغرق في الفساد.
ويضيف: “الإمارات وشيخها الذي أطلق المراكب الفضائية وبنى برج خليفة صار يصدق نفسه أنه قوة إقليمية صاعدة ويريد أن يلعب دورا إقليميا، لكنه يستطيع أن يلعب فقط الدور الذي تحدده له إسرائيل وأمريكا ليس أكثر. وخوفي من دخول إسرائيل الى الخليج العربي يوازيه خوف اكبر من دخول الإمارات الى ملعب القضية الفلسطينية. لأن الدور الوحيد المناط فيها هو إغراق فلسطين بأموال النفط وصناعة قيادة على شاكلتها وأخلاقياتها مثل أخلاقيات حكام الإمارات”. منبها أن الدعم المالي بحد ذاته ليس مشكلة لكن واضح أن “وراءه مشروع سياسي يسعى الى الإجهاز على ما تبقى من سؤال فلسطين” ومع ذلك يخلص للقول: “رغم كل ذلك فان الإمارات ليست قدرا ولا قضاء وفِي لحظات من هذا النوع تولد البدائل”.
عن التطبيع وتساؤلاته
ويرى الكاتب السياسي ماجد كيالي أن اكثر طرفين عربيين ذهبا نحو التطبيع، واثرا على معادلات الصراع ضد اسرائيل، واضعفا الوضع الفلسطيني هما مصر والاردن. وبشكل مغاير عن زريق يشير كيالي إلى أن البيانات والتحركات الشعبية التي خرجت ضد اتفاقية كامب ديفيد وقتها كانت اعلى بكثير منها ضد التطبيع الاماراتي المدان والمرفوض الآن مع اتفاقه على أن التطبيع الاماراتي يرتقي الى حلف، وتلك نقلة جديدة في العلاقة مع اسرائيل. كما يعتقد كيالي ان التطبيع يطال كل دول الخليج وانه لا يوجد تطبيع يغطي على اخر او يبرر آخر، فكله مرفوض ومدان وينتقد التمويل السياسي ويقول إنه لا يوجد تمويل محمود وتمويل غير محمود فالدول سيما الامارات والسعودية وقطر لا تشتغل كجمعيات خيرية، ولا كحركات تحرر وطني، أي كل الدعم يجري ضمن توظيفات سياسية هي في الغالب لا تخدم شعب فلسطين وقضيته بقدر ما تخدم اجندات معينة لتلك الدول منوها أن هذا من زمان وحتى الآن.
ويرى كيالي أيضا أن اسرائيل عصية على التطبيع والسلام، وهي لا تريد ان تطبع مع فلسطينيي 48 بعد 72 عاما ويتابع: “في تعريفنا لها كدولة عنصرية يتناقض مع قولنا انها تريد التطبيع، فإسرائيل تعيش على محور الصراع العربي الاسرائيلي، ولو كان شكليا، وترفض التحول الى دولة عادية، مع حدود جغرافية وبشرية ودستور. ثم ان الثقافة العبرية لا شيء بالنسبة للثقافة العربية، اي لا يمكن لها اقتحام الثقافة العربية. اعتقد ان التطبيع الذي تريده اسرائيل يتمثل بالاعتراف بها، وبروايتها، واقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وامنية معها.
المسؤولية الفلسطينية
ويتفق كيالي مع زريق حول المسؤولية الذاتية ورغم قوله إن اخطاء الضحية لا تبرر التصالح مع الجلاد، لكنه يرى ان اتفاق اوسلو لم يكن اضطرارا، وانما خيارا بين خيارات، بينما مدريد كان اضطرارا، نتيجة الضغوط المختلفة. ويضيف: “لذا اعتقد ان القيادة الفلسطينية لم تكن مضطرة للانخراط في اوسلو، فأوسلو كان خيار القيادة لتعويم ذاتها. نعم كانت الظروف والضغوطات اضطرت القيادة للانخراط في التسوية وبمؤتمر مدريد، لكنها تطوعت لعقد مفاوضات سرية من وراء الشعب والاطر الشرعية، والوفد المفاوض برئاسة حيدر عبد الشافي”. ويعتقد انه كان الانسب للشعب الفلسطيني في الداخل ولحركته الوطنية لو لم تغرق المنظمة في أوسلو وبالسلطة. ويؤكد كيالي أن التطبيع غير ممكن لافتا الى ان “الصراع معها لا يتوقف على الفلسطينيين (الحرب الأبدية) اذ ان القيادة الفلسطينية وقعت اتفاق اوسلو، 22% من ارض فلسطين، لكن إسرائيل هي التي تريد كل شيء وايضا الدول العربية ذهبت نحو خيار السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل، لكن اسرائيل اطاحت بالمبادرة العربية للسلام منذ عقدين. اسرائيل عصية على السلام وعلى التطبيع وعلى التحول الى دولة عادية”.
تطبيع العلاقات مع إسرائيل: بين مبدأ السيادة ومبدأ الأرض مقابل السلام
وفي المقارنات ينبه الباحث في الشؤون السياسية والدولية منصور أبو كريم أنه في الاتفاقات السابقة (مصر والأردن) استعيدت أرض عربية محتلة ورغم ذلك ظلت العلاقات المصرية والأردنية الإسرائيلية في نطاق محدود (سلام بارد) ولم تستطع إسرائيل اختراق المجتمع المصري. بخلاف زريق وكيالي يشير أبو كريم إلى ان اتفاق أوسلو الذي يعترض عليه الكثيرون أدى لانسحاب إسرائيل من قطاع غزة و18% من أراضي الضفة الغربية وساهم في قيام سلطة فلسطينية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما يشكل تجسيدا للكيانية الفلسطينية ولو في حدها الأدنى.
لذلك يرى أن خطورة الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي تأتي من كونه لم يربط هذه الخطوة بالتسوية والانسحاب الإسرائيلي، مبدأ الأرض مقابل السلام؛ بل ربطها بوقف مؤقت لمشروع الضم، وهذا ليس كافيا وليس صحيحا، كما أنه جاء مخالفا للشروط التي وضعها المجتمع الدولي المتمثلة في قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الاراضي المحتلة عام 67.
كما أنه يمثل مخالفة صريحة للقواعد التي وضعتها الدول العربية مجتمعة للقبول في إسرائيل والمتمثلة في مبدأ الأرض مقابل السلام، والمبادرة العربية. وينبه لخطورة اتفاق التطبيع مع الإمارات كونها منحت إسرائيل السلام قبل التسوية، الأمر الذي سوف يؤدي لمزيد من التعنت الإسرائيلي في المسار الفلسطيني، كونها لم تعد بحاجة لحلحلة الملف الفلسطيني للاندماج في الإقليم. من هنا يحمّل أبو كريم الدولة المطبعة مع إسرائيل مسؤولية معينة عن استمرار احتلالها للأراضي العربية والفلسطينية، في الوقت الراهن وفي المستقبل، كونها قبلت في إسرائيل التوراتية على حساب الحقوق الفلسطينية.
ثلاثة مشاريع متصارعة
ويقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط الدكتور ثائر أبو صالح من مجدل شمس في الجولان السوري المحتل إن دول الخليج قاطبة تقيم علاقات شبه سرية مع اسرائيل منذ زمن بعيد مقابل قيامها بإطفاء حرائق فلسطينية ناهيك عن دورها في افشال الثورات العربية عن طريق ضخ الأموال للمتطرفين الذين اجهضوا ثورات الشعوب العربية وأخرجوها عن مسارها حتى لا تصل هذه الثورات الى دول الخليج.
ويوضح أبو صالح أن هناك ثلاثة مشاريع متصارعة في المنطقة الأول إيراني والثاني تركي والمشروع الصهيوني القائم على التوسع وفرض الأمر الواقع وهو يستغل التناقضات بين المشروعين المذكورين لتصفية القضية الفلسطينية وما تبقى من جيوب مقاومة عربية محتملة في منطقتنا. ويتابع: “للأسف فقط العرب لا يمتلكون مشروعاً وإنما يفتشون ليحتموا من شعوبهم بإحدى هذه المشاريع القائمة، فهناك من يحتمي بالمشروع الإيراني ويسميه محور المقاومة، وهناك من يحتمي بالمشروع التركي والذي بدأ يمتد نفوذه عبر الدول العربية ليصل الى شمال افريقيا، والتدخل التركي في ليبيا خير دليل على ذلك”. ويرى أن ما فعلته الإمارات هو قرار خليجي منسق ومدعوم أمريكياً للاحتماء بالمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة بحجة مواجهة الخطر الإيراني.