مثقفون وطواحين الأيديولوجيا

كلما ضاق الحاضر بنا، وعجزنا عن التطلّع إلى المستقبل، عدنا إلى الماضي، نخوص دون هداية في غموضه وأسراره، نبحث عن حكايات، وعن صراعات، وعن بطولات، نُصدّقها، أو نُكذّبها حسب «الهوى اللاواعي» الغاطس فينا..
النكوص الحادة إلى الماضي، لا يغيّر شيئا، لأنه يشبه العبث في مقبرة، حيث الموتى لا ينصتون، ولا يرممون الفراغ، فالحاضر يملك لوحده السلطة والمصالح والأوهام، وأنّ السعي إلى إزاحته ستكون نوعا من العبث، وربما سنكون أمام مقولة ماركس: إن أيّ عودة إلى الماضي ستكون مهزلة.
الأيديولوجيا هي خيار الـ»بعض» لمجاورة الماضي، إذ يمارس وظيفة المجسُّ والمقص في آن معا، وباتجاه أن تكون تلك الأيديولوجيا، هي الغطاء والتسويغ والتطهير، فهي الأداة التي تمارس الحِجاج، والتفقه في علم الكلام، وفي توطيد أركان» البيان والتبيين» وفي مقاربة الماضي من منطلق حكم الغائب على الحاضر، لاسيما ما يتعلق بـ»السياسة» وفي توصيف حكاية الثائر، والخائن، والهارب، والضحية، والبطل والجبان، وغيرها من «المسميات» التي دخلت القاموس برهاوة، وجردت ثياب الكثيرين، وربما طردتهم من النسق، وأعلنت عليهم الحدّ الأيديولوجي والفقهي و»الوطني» وهو ما انعكس على العلاقة الملتبسة بين الأيديولوجي والثقافي، وجعلها من أكثر المناطق تفخيخا، وتوريطا، على مستوى التوصيف، أو على مستوى إيضاح طبيعة علاقة المثقف العربي والعراقي بشكل خاص بمؤسسة «الديوان» كما في الماضي، وعلاقته بالسلطة والحزب والوطن والجماعة، وغيرها من الأسماء المعلولة بغموضها كما هي في الحاضر..
الشغف بالأيديولوجيا، يتبدى عبر توريات كثيرة، وعبر إشكالات من الصعب حسمها، لاسيما تلك التي ارتبطت بذاكرة الأجيال والجماعات الثقافية، وبالأحزاب السياسية، والنقابات وأصحاب البيانات، وكلها تنهل من الأيديولوجيا سحر خطابها، وجوهر صراعها مع الواقع، أو مع الطواحين والأوهام.. كتبٌ كثيرة كُتبت عن ورطة المثقف العراقي في تلك الصراعات وفي توصيف «الظواهر الثقافية» وعلاقتها بالخنادق التي روجت لها تلك الجماعات، بوصفها منابر أيديولوجية، لكنها بأقنعة «أدبية» ومن أبرزها كتب «انفرادات الشعر العراقي الجديد» لعبد القادر الجنابي، و»الموجة الصاخبة» لسامي مهدي، و»الروح الحية» لفاضل العزاوي، وكتب فوزي كريم «تهافت الستينيين، ثياب الإمبراطور، شاعر المتاهة وشاعر الراية» وكذلك كتب محمد غازي الأخرس «خريف المثقف، جحيم المثقف» وكتاب محمد مظلوم «حطب إبراهيم» وكتاب شاكر لعيبي «الشاعر الغريب في المكان الغريب» التي لا تعدو أن تكون «شهادات أيديولوجية» أكثر منها شهادات بريئة وموضوعية عن علاقة المثقف بمشروعه وبصناعته الثقافية، وبوظيفته التي ظلت مشبوكة وملتبسة بالواقع، والمحمية باللغة واستعاراتها الحادة واللامعة والغاوية..

وظيفة الهروب

قد يكون توصيف هذه الوظيفة صعبا، إذ لا أحد يجيدها بمهارة، بل كان المتورطون فيها لاجئون إليها، فهم هاربون من الأحزاب ومن السلطة، ومن الأيديولوجيا ذاتها، ومن الحلم، ومن الوطن الذي ضاقت به الرؤيا فحضرت العبارة بوصفها «بيت النحاس» الذي أنتج بوقا كما يسميه خزعل الماجدي.
الذهاب إلى التأويل، يمكن أن يكون نظيرا للهروب، وتحت يافطة مساكنة اللغة بالمعنى الغائب، والمضاد للوضوح والمجاهرة والاعتراض، وبما يتيح للقارئ أو الناقد مجالا للبحث والحفر لاستدعاء ذلك الغائب الذي قد يكون غائبا فعلا، والذي لا تشفع له الفلسفة، ولا الحدس من الاحتيال على «التاريخ» و»الذاكرة» ، ولا حتى تبرر له غيابه في النسق وفي التداول.
المثقف العراقي بعد عام 1963 دخل لعبة الاغتراب الوجودي، اغتراب الجسد واللغة والانتماء، والبحث عن حلول آمنة لمشاكله المستعصية والقاتلة مع الحكومات، ومع الأيديولوجيا أيضا، لأن تلك الحكومات المتعسكرة والمتأدلجة لديها تأويلها الخاص، وجندها وفقهاؤها ومؤولوها وحراس بوابتها، ولديها سجونها الثقافية الأكثر بشاعة ومرارة، ولا أحسب أن مثقفا عراقيا يساريا بشكل خاص وجد نفسه حرا بعيدا عن لعبة المطارة والتلصص، حدّ أن كثيرين منهم اضطروا لتغيير هندسة المكان، فاصطنعوا من المقاهي بيوتا وملاذات آمنة، والأرصفة أمكنة للفرجة، والتواصل، وأخير جاءت المنافي والمهاجر لتكون هي «ترياق» الوهم القديم، والحل الجغرافي والنفسي لفعل المطاردة الثقافية الذي امتد لعقود، وليكون المنفى هو الهروب الكبير إلى المعنى الأيروسي والبايولوجي والتاريخي، وربما الهروب القاسي إلى المقبرة.

الشغف بالأيديولوجيا، يتبدى عبر توريات كثيرة، وعبر إشكالات من الصعب حسمها، لاسيما تلك التي ارتبطت بذاكرة الأجيال والجماعات الثقافية، وبالأحزاب السياسية، والنقابات وأصحاب البيانات، وكلها تنهل من الأيديولوجيا سحر خطابها، وجوهر صراعها مع الواقع، أو مع الطواحين والأوهام.

القراءة المضادة

حتى لا تكون قراءة التاريخ تلصصا، أو خداعا، أو بحثا عن وهم يلامس شبقا ما، يتبدى السؤال الأنطولوجي كيف نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ليبدو وكأنه تصفية حساب مع «ذات مهزومة» أو «مطرودة» من سياقها، أو شبيه بالبحث عن «الهوية» وعن «صورة العائلة» و»عن السيرة المخاتلة، والجسد الذي لم يرتو». وهذا ما يجعل فعل القراءة خيارا صعبا، فهو خيار للكشف، وللبراءة وللوقوف أمام رهانات ثقافية، أي الرهانات التي تجعله موضوعا «للعبر» كما قال ابن خلدون، ولمعرفة خفايا ما جرى، حتى لا يتكرر حدوثه للأجيال الجديدة، أو لغرض التأصيل العلمي الذي يُعنى بمقاربة الظواهر والأحداث لكي تتكامل معرفتها، ولكي توضع في «المتحف» لا أن تتحول إلى وجع نوستالجي ينفر كلما «التفت القلب شرقا» ويدخل في سياق كل ما يكتبه المثقفون المنفيون، وهو ما لمسناه سابقا وما نلمسه اليوم، فروايات المنفى رغم هامش الحرية التي كتبت بها، فإنها تظل مشغولة باستعادة الماضي، وبسيرذاتية تكشف عن التاريخ، وعن رائحة الماضي العالق بالثياب، وحتى بالجسد الذي يحضر عبر علاماته، المُنشدّة إلى شبقٍ يفوح منه عرق الرغبة، وفحيح الأنوثة الشرقية، عبر سيرة الأمكنة، وعبر لعبة الأسماء والاستعارات والتوصيفات.
مثقفو اليسار هم الأكثر صخبا في تسويغ هذه الخيارات القاسية، ربما لأنهم الأكثر وجعا وطردا، ونفيا، فتحضر اللغة بوصفها تعويضا، وتحضر الوجوه بوصفها علامات لاستدعاء فكرة الاطمئنان الغائب، وحتى سرديات الصراع الأيديولوجي، التي جاء بعضها في سياق «الشهادة» لم تخرج تماما عن السياق، ولا عن وضع خطاب الشهادة إزاء خطاب السرد والتماهي مع هويته وعوالم شخصياته وحكاياته، كما في روايات علي الشوك وجيان وزهير الجزائري وكريم كطافة وسلام إبراهيم، إذ وضعتنا تلك الروايات أمام تاريخ لم يغب، وأمام ذاكرة تتدفق بشهوة، وتصطخب بشغف عن حكايات المكان والنساء والليالي، التي أضحت خيارا إشباعيا ينزع للتطهير ولتعرية ما جرى في عراق أيديولوجي قتل من المثقفين أكثر مما قتل من اللصوص..

أجيال جديدة لا توقد الحطب

حين كتب محمد مظلوم كتابه «حطب إبراهيم» لم يكن بعيدا عن الأيديولوجيا، إذ وضع جيل الثمانينيات الذي ينتمي إليه «زمنيا» أمام ما يشبه «الأرخنة» حيث رواية «ما لم يُدوّن في وثائق إعلام التعبئة، وصحف الفترة» وهي خيار من الصعب الركون إليه، وسط أجواء غامضة، ومواقف تعددت واصطخبت، حتى بات الفصل فيها صعبا جدا. وبقطع النظر عن مقاربة مظلوم لما هو شعري وتاريخي وأيديولوجي، ولعلاقة ذلك بـ»أجيال الدولة العراقية» كما سمّاها، فإن ما يحدث اليوم في الواقع الثقافي العراقي خرج عن «حرائق الحطب» إلى «إيقاظ الوعي» ورمي التاريخ الماضي الأيديولوجي بحجر، حتى صار أكثر شراسة بالنظر إلى الحقب والأجيال والثورات والأدلجات الكبرى، والنظر بغضب إلى «هوية الشعراء» الذين مارسوا الأدلجة بوصفها «القناعي» أو «الثوري» أو «التطهيري»
جيل أو جماعات بلا عقد، غير معنيين بالحطب الذي لا يحرق أحدا، ولا بالأسماء التي تخندقت وتحاربت وتنابزت بالألقاب، شرعوا إلى لعبة وعي حاد، ورهانات أكثر حدة، إذ ينظر كثيرون منهم إلى سعدي يوسف، وإلى فاضل العزاوي، وحتى سامي مهدي خارج «لعبة الأيديولوجيا» وباتجاه أنهم شعراء، ومؤسسون، ومغامرون وضعوا اللغة أمام العالم، والفكرة أمام الرؤيا، فما يحدث اليوم في عراق التحوّل الغرائبي هو تمثيل لصراعات تتطلب من الثقافي وعيا مفارقا، وسعيا إلى إنتاج أسئلة جديدة، أسئلة لا أغطية حزبية ولا أيديولوجية لها، قد يكون هاجس الثورة بمعناه السارتري حاضرا، لتغذية الوجودي، والإنساني وفعل الإرادة الحرة، التي تجعل من وعي الحرية هو الخيار الذي يرفض ميتافيزيقيا «الثورات» و»الأدلجات» القديمة التي عاشت وتشكلت في أقبية الأحزاب النمطية التي ما عادت تملك سوى ذاكرة النحاس..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية