مثلث منظمة التحرير صار بلا أضلاع

حجم الخط
0

حقا هو آب/اغسطس اللهاب فلنحذر جميعا على أدمغتنا من حرارته المرتفعة والشديدة، الطرفان المؤيد والمعارض للمفاوضات التي سيطلق الحكم صفارة انطلاقتها في الثاني من ايلول/سبتمبر، عليهم الانتباه جيدا لحقائق ما يجري على الأرض، ونبارك من الآن لمن ستكتب له الحياة ليعيش ‘النعيم’ الذي سوف تسفر عنه هذه المفاوضات بعد انقضاء مدتها الزمنية التي قدرتها وزيرة الخارجية الأمريكية بعام واحد على أبعد تقدير، حيث سيكون بمقدورنا وقتها القول ذاب الثلج وبان المرج!

يقول المؤيدون للمفاوضات انها اصبحت ضرورة إستراتيجية لا يمكن التراجع عنها نحو بدائل أخرى لأن في ذلك انتحارا جماعيا للقيادة والشعب وبعد كل الأشواط التي قطعتها، ولذلك فهي السلاح الذي يجب أن يتطور في كل مرحلة حتى تحقيق كامل الأهداف في الدولة المستقلة والقدس والعودة، واعتبر المؤيدون لحمام ورايات السلام الذي سيتحقق عبر هذه المفاوضات أن القيادة التاريخية للرئيس عباس وبما تحظى به من دعم دولي وعربي سوف تعبر بلا شك كل البحور المضطربة نحو شواطئ الانتصار التي انتظرها هذا الشعب طويلا. على النقيض تماما فالفريق المعارض والرافض لم يتوقف يوما عن التحذير من مغبة الوقوع في شباك مؤامرة هذه المفاوضات والمخاطر التي ستعود بهاعلى القضية الوطنية جراء الجري وراء أوهامها والأحلام التي تحيط بها، ولم يطلب أعضاء هذا الفريق أكثر من احترام العقول والاحتكام إلى معطيات هذا الصراع التاريخي الذي لا يمكن أن ينتهي إلى الحل الواقعي والعادل إلا بالثورة والمقاومة وانتفاضة الشعب وممارسة كل أشكال الكفاح والنضال التي ستجبر العدو الصهيوني على التراجع والرضوخ لصالح هذه الحقوق الوطنية الفلسطينية التي يمعن في التنكر لها. من الطبيعي أن يكون لكلا الفريقين مصالح لأنظمة ودول، وحركات وأحزاب وهيئات ومؤسسات واتحادات ونقابات وشخصيات، ولأن الموجود على أرض الواقع رؤيتان وبرنامجان وطرحان فيهما من الاختلاف والتباين الفكري والسياسي والكفاحي الوطني الشيء الكثير، وعليه فمن المتوقع أن نواصل رؤية تجاوزات وتماديات على الكثير من الخطوط الحمراء التي يفترض أنها موجودة بين الطرفين، بالإضافة الى ان التراشق المتبادل بينهما مرشح للتواصل. هذا هو المشهد الذي اعتدنا على رؤيته على مدى السنوات الماضية، والذي نستعد لنعيش فصلا ساخنا من فصوله، فكيف ستكون عليه صورة الوضع القادم ما دامت الدعوات وجهت والمائدة التي سيجلس اليها الطرفان نصبت في ظل العناية والرعاية التي سيقدمها المطبخ الأمريكي المدعوم من مطابخ أوروبية وعربية؟!. التوقف العاجل والسريع عند شروط حكومة نتنياهو التي أراد الإعلان عنها طالما يشعر بأنه المنتصر الوحيد، والمتعلقة باعتبارات الأمن، والاعتراف الفلسطيني بيهودية ‘إسرائيل’ واعتبار الاتفاق هو بمثابة نهاية ‘للنزاع’ كما يحلو لهم تسميته، يجعلنا نشعر مسبقا بأن ليالي سوداء حالكة هي في انتظار الجانب الفلسطيني الذاهب إلى هناك وهو في غاية الضعف والخلاف والانقسام، وانطلاقا من خطورة ما يجرى طبخه على مستوى المنطقة، وعليه فلم يعد يجديه نفعا تلك المحاولات الخائبة التي حاول الهروب نحوها كبير المفاوضين صائب عريقات الذي عاد يهدد بالانسحاب من المفاوضات إذا ما واصلت ‘إسرائيل’ تنفيذ المخططات والعطاءات الاستيطانية لأن عليها الاختيار بين السلام أو الاستيطان، وهو بذلك انما يكابر ولا يريد الاعتراف بأن السلطة بلعت لسانها وتراجعت عن كل شروطها، ثم بلعت الطعم وإختارت بإرادتها أن تكون فريسة سهلة للضغوط والابتزاز الذي مورس عليها، وخصوصا من الأمريكان الذين لم يضغطوا أبدا على ‘إسرائيل’ لأنهم في أمس الحاجة إلى كسب رضاها في هذه المرحلة. الحديث عن توصيف أحوال الجانب الفلسطيني جدا مؤلم، على الرغم مما قيل عن ان ذهابه انما يتم فى ظل إجماع وطني، وموافقة من اللجنة التنفيذية للمنظمة واللجنة المركزية لحركة فتح، وهنا لا بد من الاستفسار عن حقيقة المواقف والبيانات التي تملأ الأجواء بالرفض والمعارضة والتحذير من مخاطر الذهاب للمفاوضات والتي صدرت عن الفصائل الأساسية المشاركة في هذه اللجنة التنفيذية، الجبهة الديمقراطية على سبيل المثال ذهبت بعيدا وقالت ان الذهاب فيه مس خطير بموقف الإجماع الوطني، فأي الطرفين صادق في ما يدعي ويقول؟ خصوصا ان هنالك اصواتا خرجت لتقول ان التنفيذية لم تناقش ولم تصوت، ولم تجتمع بموجب نصاب مكتمل، وبالتالى فهذا اجماع مسروق وغير شرعي او قانوني، هذا ما ادلى به العضو الحاضر السيد ملوح ممثل الجبهة الشعبية، امام ذلك ألا يحق لنا أن نعرف حقيقة ما يجري فوق وتحت الطاولة التي تجتمع حولها هذه اللجنة التنفيذية!

ختاما، لن أخفي سعادتي بأن خلايا الدماغ عندي لم تتأثر بهذه الهجمات الحرارية، وبالتالي فإنها وبكل ثبات لا تزال على موقفها الرافض لهذه المفاوضات التي يخططون لها لكي تكون القشة الأخيرة التي ستقصم الظهر الفلسطيني من ناحية، ومن ناحية أخرى ستحمل بين طياتها حكما باعدام هذه المنظمة نهائيا بعد أن فشلت في تحقيق شعاراتها التي قامت من اجلها وهي الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير، هذا هو المثلث الذي قامت المنظمة على أساس التماسك بين أضلاعه الثلاثة، هذا التماسك انهار ولم يعد موجودا، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتناثر الأضلاع إلى أشلاء وأن تنتقل هذه المنظمة إلى رحمة الله، وما على الذين لا زالوا يحملون لها الحنين سوى قراءة الفاتحة على روحها. ربما يقول البعض ان ذروة الألم والمعاناة والصعوبات الفلسطينية هي في قادم الأيام وقد يكون في ذلك الكثير من الصواب، ولكن الأهم من هذا كله هو الشعب، فهو صاحب القرار إذا كان سيحمل البعض على الأكتاف والرؤوس، أو سيدوس عليهم ليمضي قدما نحو ثورته ومقاومته… قديما قال سقراط لتلميذه: تكلم حتى أراك، أنا حاولت الكلام عبر السطور السابقة فهل رآني أحد!. د. امديرس القادري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية