شكير نصرالدين مثل طائر مجازف على الدوام، لا يهاب كل الفخاخ المرئية وغير المرئية، يستجيب الروائي الأديب محمد برادة لنداء النبض المتدثر بالغواية وحب المغامرة والجرأة على الأمل، هو الذي ظل ‘يحوم باستمرار حول عتبة السفر إلى القاهرة ذات صيف من عام 1956 وخلال زياراته التالية التي تكررت على امتداد أكثر من أربعة عقود، ولم يطمئن إلى تأويل راجح’ ومثل رد في حوار مألوف، بل حميمي تأتي محكيات ‘مثل صيف لن يتكرر’ ( ‘آفاق للتوزيع والنشر’، 2010) شفافة، مكثفة وملغزة في الآن نفسه. إنها محكيات ـ يوميات ‘حماد’ الفتى ذي السابعة عشرة الذي اختار القاهرة ولم يختر دمشق كما فعل الآخرون، يوميات الطالب الجامعي، مذكرات المؤلف شابا، في فترة التعلم والتكوين وإنسانا ناضجا، ثم على أبواب الكهولة،مذكرات فيها استبطان للوجدان، اعتراف بالعلائق الملتبسة، بوح بالجراح السرية. هو كتاب دوّن فيه المؤلف تأملاته في الوجود، في عالم الحياة، في عوالم الفن والجمال، هي محاورة للذاكرة التي تنكتب، لا يهم إن حدث ما حدث، أو إن لم يحدث، فالمشاهد المستعادة تتداخل فيها الوقائع بالخيالات وأطياف الأحلام بالاستيهامات. تتألف ‘مثل صيف لن يتكرر’ من قسمين، يحمل الأول عنوان ‘ثقوب لا تكف عن الامتلاء’ يتصدره نص للشاعر فيرناندو بيسوا، وهو قسم هيمن فيه السرد بضمير الغائب وكأن محمد برادة يؤكد على أن ‘أنا’ هو شخصية روائية، أما القسم الثاني الموسوم بـ ‘امتداد خيوط الذاكرة’ فقد استلهمه بنص لـ ‘جان جونيه’ وفيه ينفسح المجال للقول المباشر بواسطة السرد بضمير المتكلم. يبتدئ القسم الأول بفصل ‘عتبة باب الحديد’ وينتهي بـ ‘منعطفات’ مرورا بـ ‘لعله حدث’، ‘مثل صيف لن يتكرر’، ‘الجامعة وما جاورها’، ‘امتدادات’، ‘أم فتحية’، ‘علاقات ملتبسة’ ويفتتح الروائي محمد برادة القسم الثاني بـ ‘عسل الزقازيق’ ويختمه بـ ‘سيدة تلتحف الكبرياء’ ويجمع بينهما ‘لعل ذلك حدث’، ‘أفراح القبة أو عندما يراقب ميت الأحياء’، ‘لعبة السمادير’، ‘الرومانيسك يمشي على قدمين’، ‘فرعون في كفن من كتان’، إضافة إلى حاشية ببليوغرافية. هكذا إذن، نصوص عديدة بين دفتي كتاب واحد، محكيات لها تنوع ورونق وتماسك الفسيفساء، فيها تتعدد الأشكال التأليفية والمعمارية الدينامية، إذ أن غنى العالم الممثل ( بفتح الثاء المشددة) يفسر غنى العالم الممثل ( بكسرها). وإذا كانت محكيات محمد برادة تجمع بين السير- ذاتي والمحكي السيري، ورسم اللامح والبورتريهات، وبين المونولوغ الداخلي الخاضع للسرد، والتأملات والأحلام الرؤيوية، وبين النص الأدبي والنقدي وغيرها، فإن ذلك هو بمثابة وسائل لا غير، يوظفها المؤلف بالقدر الذي تسعفه في القبض على لحظات جوهرية، لحظات انفصلت عن المسار البيوغرافي بزمنيته المتتابعة ، لحظات تعالت على الزمن وأفقدته المدة، لحظات تمتزج فيها الأزمنة بالأمكنة، في ‘مثل صيف لن يتكرر’ يظهر برادة عن قدرة خاصة على قراءة الزمن في الفضاء، القاهرة – صيف 1956، أثناء إقامته بها إلى حدود 1960 أو خلال زياراته التالية، انصهار الزمن والفضاء اللامنفصل، هذا ‘الكرونطوب’ الذي تغمره العواطف وانهمارات الوجدان، كرونطوب التحول المفاجئ في حياة ‘حماد’ الشخصية الممثلة والسارد بديل المؤلف في آن، لحظة اتخاذ القرار الحاسم الذي سوف يغير مسار حياته الشخصية، لحظة تجاوز العتبة. رهاب العتبات ومشكل البدايات. لكن القلق والتردد والحيرة، كلها تتبدد، لا تهم البدايات، المهم بالنسبة لهما معا، كتابة ما يبدو متسربلا بالخيالات، يتشيد بالكلمات، كلمات تسعى إلى الإمساك بالمنفلت، والقبض على لحظات عابرة سمتها الهشاشة والفجائية، لأن ‘حماد’ دائم الدهشة والذهول أمام ما يشكل محيطه: كلام الناس، لغة الكلام، العامية المصرية، وما يشكل أفقه، ذلك الذي يسميه ‘الرومانيسك يمشي على قدمين’. لماذا القاهرة ـ صيف 1956؟ القاهرة ذلك الفضاء المنتمي للمتخيل، رغم حضور مرجعيته الساحرة، مخيل تكون لدى ‘حماد’ من صور وأطياف الأفلام المصرية وقراءاته المتنوعة ‘وهو يتعرف على كتابات المنفلوطي وجبران وطه حسين وتوفيق الحكيم وجورجي زيدان وما ولدت فيه تلك القراءات / الكتابات من افتتان بمصر البعيدة التي كانت في ذاكرته شبيه صندوق العجائب’، القاهرة التي أغوته بوقائعيتها الرومانيسكية، وهي وقائعية توشيها المستطرفة والفكاهة، الحب والفرح والحزن. وقائعية يتآلف فيها المعيش الإنساني والمعيش الجمالي، العيش وسط الآخرين والإحساس مع ذلك بالعزلة، بتلك الغصة اللعينة، المقيمة والإحساس بالتصحر، حينها يلجأ ‘حماد’ إلى صنع مراحل ومصائر أولئك الذين عرفهم وافتقدهم: عبد القادر، برهوم، علاء، رفاق الدراسة ببيت المغرب، والمدرسة الحسينية بحي العباسية، أستاذ اللغة العربية عبد السميع ذلك ‘الرجل الطيب’ والأستاذ عبد المحسن صاحب الإلقاء المتميز بالعامية المصرية ‘حينها يحاول استعادة لحظات هشة ‘مثل رغوة تطفو على صفحة النيل أو قشة نتابعها في دوامة خفيفة قبل أن تتوارى’، لحظات يستمتع محمد برادة، ويشرك القارئ المتعة، بتعدادها، لحظات تتلألأ استعارة ورمزا، لحظات ومشاهد’ مثل عيني فوزية الحزينتين، وسط وجه أسمر’، فوزية المرأة التي تقوده بتؤدة وتهدئ من لهوجته، هي العارفة بمكامن الجسد ونقطه الحساسة، هي التي تدشن المسارة الجسدية والجنسية. مثل صيف 1956- صيف الانتصارات الشخصية والوطنية، نجاح حماد في امتحانات البكالوريا، إعلان استقلال المغرب، وتأميم قناة السويس، صيف الانكسارات المؤقتة، الهجوم الإسرائيلي يوم 29 تشرين الاول ( أكتوبر)، ثم الهجوم الثلاثي، وما سيتبعه من استنفار وتطوع للمساندة بمدرسة الدقي مع العريف أبو العلاء وتابعه أبو الفتوح، صيف التحول من مرحلة إلى مرحلة، صيف يدنيه من السير على الطريق التي حلم بها منذ سنته الأولى في المدرسة الثانوية، الحلم بتدريس الأدب ليصبح كاتبا يلملم المشاعر واللحظات والأفكار التي كانت تتخايل’. صيف انفصل فيه كيانه عن مداراته السابقة مرتادا بداية ثانية لحياته، حياة تعج بالنماذج البشرية التي يضعها حماد ـ برادة في منزلة الشخصية الروائية ويخصص لها حيزا من ذاكرته، بل من ذاته مثل ‘أم فتحية’ عروس من الزنج عليها قلائد من جمان، المرأة التي يلجأ إليها لمواجهة التفاهة والكدر والشعور بالزوال’. أناس وشخصيات عرفها وقرأ عنها تنتمي لمختلف مدارات الحياة، في الشارع، في الأمكنة العمومية، في المؤتمرات، في الغرف المغلقة والفضاءات المفتوحة، مثل السيدة ‘سنية ‘ولعبة ‘الحماقات المنعشة’، مثل صلاح جاهين ‘الذي لم يعرفه سوى بضع ساعات ولكنه كان ذا شفافية جارحة، والذي يخيل إلى حماد أنه كان يحدثه من مسافة مغايرة، هي التي كانت تمنحه النفاذ والشجاعة ولا مبالاة الحكماء، لعلها مسافة عالم الموتى الذي كان قد بدأ يقترب منه منذ غمره الاكتئاب والحزن الدائمين’، وتنفتح مسام الزمن على الجرح السري، ذلك الجرح المشترك مع الكثيرين ممن عرفهم، مثل نجيب محفوظ في رواياته التي بث فيها موضوعات مستحوذة، ملحاحة تؤشر، حسب محمد برادة على ‘جرح سري’ لا تكشفه سيرة حياته ولا صورته عند الناس، ‘لكنه جرح حاضر مؤثر يضفي تلك العلاقة المزدوجة من شهوة الحياة العارمة والحزن الدفين’، لكل ذلك يعتبر محمد برادة أن ‘أفراح القبة’ هي أكثر روايات الحاصل على نوبل للآداب حداثة لأنها تنبني على جدلية متشابكة تتنافى داخلها العناصر ثم تلتحم من جديد، وتعود إلى التفرع من جديد والانفتاح لتلغي الحدود بين الواقعي والمتخيل، بين الموت والحياة’. وفي السياق نفسه يأتي وقوف حماد عند روايات أخرى لا تقل فتنة وجمالا، بشخصياتها التي خرجت من غلالات الكتاب لتمشي في الطرقات، مثل أموات يراقبون أحياء، شخصيات وموضوعات، مبدعين آخرين قرأ برادة لهم وتفاعل معهم في بحثه الدؤوب عن ذلك الرومانيسك المتجسد، مثل الروائي يوسف إدريس في نص بعنوان’ اللعبة’ يعود لنهاية الستينات وآخر كتبه جابر عصفور عام 1997 بعنوان ‘سمادير’، وتلك مناسبة يقدم فيها الروائي المغربي تأويلاته لبعض المظاهر التي عرفها المجتمع المصري، يكثفها في مفاهيم مثل ‘الشاديزم’، نسبة إلى الممثلة شادية و’الشاهينزم’، هديا على المشاكس يوسف شاهين، مفاهيم وتأملات في الصورة الفيلمية، في صور المتخيل، وفي صور التماثيل الفرعونية، في صور الحياة اليومية المستقاة من الحوارات مع الناس العاديين ‘من سائقي الطاكسيات، من كلام المارة في الشوارع والمقاهي، من أحاديث الأصدقاء والمكالمات الهاتفية، من كلام الإذاعة والتلفزة والمسرح وما تنشره الصحف’. هو ذا الرومانيسك الذي لا يمكن لمحمد برادة تصوره من دون كلام. إن هذا الرومانيسك يكثف سيرورة الإبداع الأدبي الفني لدى المؤلف، ومن منظوره، إذ تتفاعل المكونات التأليفية والمعمارية الدينامية، من مادة بناء وشكل ومحتوى، في مستوى أعلى حيث العمل الإبداعي بصفته كُلا ًّ تأليفياً وموضوعاتياً وأسلوبياً. والتحديد الذي يقترحه برادة للرومانيسك يجعل منه أكثر من ترف لغوي أو حذلقة، فالأمر هو بمثابة منظور بويطيقي له ما يسنده في الجمالية العامة، وخاصة في جمالية الإبداع اللفظي ، فالرومانيسك المصري الذي يستوحيه القاصون والروائيون والذي يفتن محمد برادة يجعله يتساءل ‘إن كان الرومانيسك في المغرب أبكم !’. هنا يعالج صاحب ‘مثل صيف لن يتكرر’ مشكلة التأليف، وأزمة المؤلف وأزمة المحتوى، وإن كان لا يستقر إلى وهم الرومانيسك الذي تسيجه الخطاطات والترسيمات ، فالتحدي الحقيقي الذي يطرحه محمد برادة، وهذه ليست قضية تهمه لوحده بل يشترك فيها كتاب الرواية والسرد الحقيقيون سواء بالمغرب أو بباقي أصقاع العالم، يتمثل في القدرة على تجاوز مرحلة الانفعال إزاء العناصر خارج – الجمالية إلى مرحلة الإبداع الجمالي، أي الانتقال من ‘الممنوح’ و’المعطى’ إلى ‘المبدع’ ( بفتح الدال)، إنها القدرة على عبور هذه ‘الممنوحات’ من خلال المصفاة الجمالية الداخلية للمبدع في تفاعلاتها الدائمة مع انتظارات القراء والمتلقين، وبالتالي فهم العمل الإبداعي بصفته موضوعاً جمالياً وليس كعمل خارجي مادي، أو كظاهرة لغوية حصرا. ومن بين اقتراحات ومشاريع عديدة يمثل م. برادة لهذه الإشكالية التأليفية بما سعى إلى تحقيق جزء منه في ‘لعبة النسيان’ أو في مشروع نص روائي ينبني على رومانيسك ذي صياغة تقتر في استعمال الكلام ولا تستسلم لسحر الكلمات’ وهو نص-تخم تضيق فيه المسافة بين العالم الممثل والعالم الممثل ( بفتح الثاء ثم كسرها)، بين الواقعي والمتخيل، يتقاطع من خلالها الشخصي والغيري، الخارج المُعاش من الداخل، باعتباره مُعاشاً داخلياً، مثلما في تأملات حماد – برادة في الموت والحياة والخلود ‘ملامح رمسيس الثاني وسمته الطفولي الذي يحرك في أعماقه صورة الوليد المغيب تحت التراب الحامل لأسئلة الوجود والعدم والاستمرار في الزمن والذاكرة’. تأملات في هشاشة الإنسان الشبيه بـ ‘قطرة في كثبان رمل أو ذرة تلهو بها دوامات الأعاصير’، تأملات في الجسد الداخلي والجسد الخارجي، وفي الجسد الكوسمولوجي، وتحولات التمثيلات الجسدية في الحضارة الفرعونية، خزان ‘التماثيل والرسوم وفضاءات الأساطير وملفوظات وطقوس المقدس، أسطورة إيزيس وأوزيرس التي تجسد لوعة الحب والفقدان’، هذا الفقدان الذي يعوضه م. برادة بـ ‘التشبث بالكلمات التي تصل وتفصل، تكشف اللابد في الأركان وتعري القابع في الوجدان، عبر الكلمات وتلاوينها، للاقتراب من لغة تبتدع ظلال المعنى’، لغة تقبض على العابر والهش، والحلم المحلق في الأفق مثل طائر مجازف على الدوام. ناقد أدبي ومترجم – المغرب