غزة- «القدس العربي»-:
استشهد أكثر من 22 فلسطينيا أمس الخميس في غزة حتى وقت كتابة هذه السطور…
حين دوّت صفارات القصف في حي الرمال في مدينة غزة، كانت الطفلة جمانة ذات الأربعة أعوام تلهو بدميتها الممزقة بين ركام ما تبقى من منزلهم، لا تعرف من الحرب إلا صوت والدها القاضي أمجد شراب وهو يردد: «ستمر، كما مرّت من قبل».
في ظهيرة يوم الخميس، وبينما كان الأب يهمّ بالخروج لشراء بعض الحاجيات بعدما سمع شائعة عن هدنة مؤقتة، باغتتهما غارة إسرائيلية استهدفت مفترق الشعبية، حيث سقط جسده ممزقًا إلى جانب ابنته، لتتحول جمانة إلى عنوان لحكاية مجزرة جديدة، ضحيتها قاضٍ يحمل ميزان العدالة وطفلة لم تُمنح وقتًا لتلفظ «بابا» للمرة الأخيرة.
يقول جارهم، المسنّ أبو تامر الدحدوح، بصوت مرتجف لـ«القدس العربي»: «سمعتُ الصراخ، خرجتُ لأجد الحي وقد انقلب إلى فوهة بركان. أمجد… وجمانة… كانا قطعة من نور. لم نجد من جثمانها إلا شريطة شعر وردية».
لم تكن جمانة إلا واحدة من عشرات الأطفال الذين قضوا ذلك اليوم. وعلى الرغم من حظر التجوال غير المعلن، حمل الأهالي أشلاء أحبائهم مشيًا على الأقدام وسط الطرقات المقصوفة إلى مستشفى الشفاء، حيث لم يكن هناك متسع لأسرّة جديدة، ولا حتى للألم.
وفي تلك اللحظات، وصل تسجيل صوتي لأم الطفلة جمانة التي كانت خارج المنزل لحظة القصف، وهي تصرخ: «سيبولي جمانة، رجّعولي بنتي، عالقليلة أشوفها قبل ما يدفنوها». لكن جثمانها لم يكن كاملًا، بل ما بقي منه بالكاد يُغسل.
في الوقت ذاته، كانت مناطق أخرى من غزة تعيش فصولًا مشابهة من الألم. ففي الشجاعية، انقضت الطائرات على منزل عائلة أبو العون.
وفي الزيتون، كانت الطائرات المسيّرة ترصد خطوات الأهالي لتخطف أرواحهم بلا سابق إنذار. وفي رفح، سقط حامد صقر وهو يحمل زاده للمحاصرين، كما سقط الأطفال في الزنة وهم في طريقهم نحو الرغيف. من بيت لاهيا إلى الشاطئ، ومن الصناعة إلى النصيرات، كانت غزة تنزف من كل الجهات، وكل زاوية كانت تكتب فصلًا جديدًا في سجل المجازر.
لم تكن الشجاعية على موعد مع فجر هادئ. في تمام الساعة الثانية ظهرًا، أغارت طائرات الاحتلال على منزل عائلة أبو العون في شارع مشتهي. وحسب شهود عيان لـ«القدس العربي»، لم يصدر عن المنزل أي مؤشر يدل على وجود مقاومة. كان أهله يستعدون لتحضير وجبة الإفطار الرمضاني.
يقول الشاب محمود أبو العون، الناجي الوحيد من العائلة لـ«القدس العربي»: «كنا نتحضر للإفطار. أمي كانت تصنع الكبة، وأختي الصغيرة تزيّن صحن الفتوش. وفجأة انهار كل شيء. استيقظت تحت الركام، ولم أسمع إلا صدى صوت أمي تنادي باسمي للمرة الأخيرة».
انتشلت فرق الدفاع المدني جثامين ثمانية شهداء، بينهم 3 أطفال وامرأتان. صمت الشارع بعدها كأنه لا يريد إزعاج الموتى.
في شارع 8 بحي الزيتون، دوّت رشقات نيران من طائرة مسيّرة استهدفت مجموعة شبان كانوا يحاولون إصلاح خزان مياه أعلى سطح منزلهم. لم تكن هناك مقاومة ولا سلاح، فقط شريان حياة انقطع.
يقول محمد سليم، أحد الجيران لـ«القدس العربي»: «رأيت جسد أحمد يرتجف قبل أن يسكن تمامًا. كان يضحك منذ لحظات، والآن… صامت كأنه لم يكن».
وصل عدد المصابين إلى 6 شبان، اثنان منهم بُترت أطرافهم. وبينما هرع المسعفون للموقع، دوّت قذيفة مدفعية مجاورة، لتضيف إلى الجرح جرحًا آخر.
رفح: الشاكوش تحت الحصار والنيران
في منطقة الشاكوش بمواصي رفح، استُشهد المواطن حامد صقر بعدما أصيب بنيران جنود الاحتلال الذين أطلقوا النار صوبه بينما كان يحمل بيديه بطانية وأكياسًا بلاستيكية فيها خبز وماء.
يحكي أحد أبناء الحي لـ«القدس العربي»، إياد الحلو: «كان حامد يوزّع الماء على العائلات المحاصرة. مشى خطوة خارج الزقاق الضيق، فاخترقت الرصاصات جسده كما لو أن فعل الخير جريمة».
في الزنة شرق خان يونس، استهدفت غارة إسرائيلية مجموعة مواطنين كانت تحاول عبور الطريق نحو فرن آلي يعمل على فترات متقطعة. من بين الجرحى، كان الطفل عمّار، 9 سنوات، الذي أصيب في الرأس والكتف.
يقول والده أشرف ابو دقة لـ«القدس العربي»، بحزن يائس: «قلتله تعال نجيب عيش وارجع بسرعة… مشينا ثلاث خطوات… لقيته واقع بدمه».
قصف مدفعي استهدف شارع الرضيع في بيت لاهيا شمال القطاع، مخلفًا إصابات عديدة بين المدنيين، بينهم امرأة حامل فقدت جنينها، وطفل في السابعة بترت ساقه. روى الجار يوسف الحسنات لـ«القدس العربي»، وهو يحاول إسعاف الجرحى بوسائل بدائية: «الدم كان يغطي الأرض. كانت السيدة تصرخ: بنتي… بنتي راحت. بس بنتها كانت ما زالت تتنفس. أخدناها نركض على عربة كارو للمشفى».
استهدفت طائرات الاحتلال مجموعة مواطنين قرب مبنى الخدمة العامة بمحيط مفترق السامر في مدينة غزة. سقطت الصواريخ دون سابق إنذار، وسرعان ما تحوّل المكان إلى مسرح للجثث.
يقول أحد المسعفين، خالد أبو ندى لـ«القدس العربي»: «عُدت للمكان مرتين. في المرة الأولى حمّلت جثة رجل، وفي الثانية وجدت طفله مرميًا فوق دراجته. ما قدرت أشيل الدراجة، شلته هو بس».
المجازر المتواصلة في الوسطى: النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح
في النصيرات، استهدفت غارة عنيفة منزل عائلة العرعير وسط المخيم، ما أدى إلى استشهاد خمسة من أفراد الأسرة بينهم أم حامل وطفلان. بقي الأب يصرخ لساعات قرب الركام، وهو يردد أسماء أطفاله ويناديهم فردًا فردًا.
وفي مخيم البريج، طال القصف محيط مدرسة تأوي نازحين، وأسفر عن استشهاد 7 مدنيين بينهم ثلاثة من عائلة واحدة. وقال عبدالله ترجمان لـ«القدس العربي»: «كنا نظن أن المدارس آمنة، لكن الموت لم يترك لنا زاوية نختبئ فيها».
أما في مخيم المغازي، فقد سُجلت مجزرة قرب سوق المخيم، حيث استهدفت طائرة استطلاع تجمعًا لعائلات كانت تنتظر سيارة مياه، مما أدى إلى استشهاد أربعة بينهم امرأة وطفلان.
وفي دير البلح، استُهدف منزل عائلة أبو مطر في منطقة المواصي، وقُتل فيه الأب وأربعة من أطفاله، فيما بقيت الأم تصرخ تحت الأنقاض لساعات دون أن تتمكن الطواقم من إنقاذها.
قصفت طائرات الاحتلال منزلًا لعائلة الزعانين في شارع أبو عودة، ما أسفر عن سقوط 11 شهيدًا بينهم 6 أطفال. وقال أحد الجيران لـ«القدس العربي»: «كنا نلعب الطاولة على ضوء شمعة، وفجأة سقط السقف علينا. صراخ الأولاد ما راح يفارق وداني لآخر يوم في عمري».
في مخيم الشاطئ، استهدف قصف عنيف زقاقًا ضيقًا تقطنه عائلات نازحة، ما أدى إلى استشهاد 6 مواطنين، وإصابة أكثر من 15 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.
قال أحد الناجين، سامي شبات لـ«القدس العربي»: «لم نسمع إنذارًا، فقط وجدنا أنفسنا وسط الغبار والركام. كانت أختي تمسك بيد طفلتها، ولما خرجنا من الحطام، يدها كانت فاضية».
شارع الصناعة في مدينة غزة: القصف في قلب المدينة
استُهدف شارع الصناعة المزدحم في مدينة غزة، مما أدى إلى دمار واسع في المحال التجارية، واحتراق مركبات كانت تقف أمام مجمع طبي صغير. قال شاهد عيان لـ«القدس العربي»: «منطقة الصناعة مليئة بالمدنيين. ما في أي مبرر، غير إنهم بدهم يقتلوا أكبر عدد ممكن».
قالت وزارة الصحة في غزة، في بيان صحفي، إن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الـ24 الماضية 40 شهيدًا و146 جريحًا.
وأكدت أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض أو في الطرقات، إذ تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب القصف المتواصل.
وأوضحت الوزارة أن حصيلة الشهداء منذ استئناف العدوان الإسرائيلي في 18 آذار/مارس الماضي ارتفعت إلى 1522 شهيدًا و3834 جريحًا، فيما بلغ عدد الشهداء منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 50,886، والمصابين 115,875، 72% منهم من النساء والأطفال.
كما ناشدت ذوي الشهداء والمفقودين استكمال بياناتهم عبر الرابط الإلكتروني لتوثيق سجلاتهم.