مجازر صبرا وشاتيلا في فيلم وثائقي في برلين
مجازر صبرا وشاتيلا في فيلم وثائقي في برلينبرلين ـ عبد السلام فرّان: عرض قبل ايام في أحد أكبر الصالات السينمائية وأهمها (كينو أرسنال) في العاصمة الالمانية برلين فيلم وثائقي لمدة أكثر من 90 دقيقة للمخرجة الالمانية (مونيكا بورغمان سليم) عن مجازر صبرا وشاتيلا، وبعد الانتهاء من عرض الفيلم بدأت المداخلات من قبل الحضور مع المخرجة وبعض النقّاد الألمان في جو ساده الهول والسكينة في قاعة العرض التي اكتظت بالمشاهدين الالمان ومنهم البروفسورة الدكتورة (الريكا فرايتاغ) المهتمة بشؤون الشرق الأوسط ومسؤولة في مركز دراسات الشرق الحديث. لقد أرادت المخرجة من خلال عرض هذا الفيلم اظهار الفرق الشاسع بين الجلاّد والضحية، بين الكذب المعلن المخطط له مسبقا (الجلاّد) وبين الحقيقة الدامغة (الضحية). فالضحية رغم بشاعة ما أصابها بقيت ضحية، والجلاّد تمثّل دور الضحية ليبرر أفعاله الحمقاء، أما القانون الانساني فقد ظهر للعيان باهتا عاجزا بين هذا الخلط المتعمّد بين القاتل كقاتل والضحية كضحية، وبين الضحية كضحية والقاتل الذي يتقمّص ضحيته ليبرئ فعلته. فالفلسطينيون وحدهم كانوا الضحية، والمجازر التي ارتكبت ضدهم والقتل المتعمّد للأطفال والشيوخ والنساء بعد اغتصابهم وتقطيع أوصالهم جميعا كانت من فعل المسيحيين واليهود الذين يعتبرون أنفسهم توأما لعصر جديد خال من العنصر الفلسطيني (القذر) حسب قول أحد الشهود، هذا ما شاهدناه في هذا الفيلم علي لسان الشهود الأربعة الذي أدلوا بشهاداتهم من خلال بعض المقابلات التي أجريت معهم من قبل مخرجة الفيلم التي نجحت نجاحا باهرا في تقديم القاتل كقاتل حقيقي (أي الشهود الأربعة) مع أقوالهم واظهار ملامحهم الباهتة والضحية كضحية تحّولت مع الوقت الي سوط يجلد قاتليها، فانتقال الكاميرا وتحركها المدروس ما بين أقوال الشهود وعرض صور المجازر كان مقنعا لحد ما في ابراز أكثر من نصف الحقائق اذا لم نقل الحقائق نفسها. نذكّر هنا بأن مجازر صبرا وشاتيلا التي ارتكبت بحق الفلسطينيين الأبرياء العزل في لبنان ـ بيروت سنة 1982 ـ كانت بتخطيط مسيحي يهودي متصهين وقف من ورائه كل من رئيس دولة لبنان السابق المنتخب بشير الجميل الذي اغتيل بحق بأياد صهيونية وليس كما شاهدناه في الفيلم عن أقوال الشهود (الذي قيل لهم) بأن الفلسطينيين هم كانوا وراء هذا الاغتيال ليبدأوا فعلتهم بالمجازر، وأيضا ايلي حبيقة الذي خرج منذ فترة من السجن ليتزعم بعد ذلك أحد المناصب في الدولة اللبنانية والمذكور كلود مشعلاني، بالاضافة الي القادة الصهاينة وعلي رأسهم يهود باراك ووزير الدفاع السابق آرييل شارون آنذاك والذي وصل بعد تلك المجازر ومجزرة قانا الي رئيس وزراء دولة اسرائيل والذي يقبع منذ أكثر من عام في أحد المشافي الصهيونية لحياة اصطناعية حتي لا يقدّم للمحاكمة الدولية.فالوصول الي القتلة مرتكبي هذه المجازر لتقديم هذه الأقوال والشهادات كان جدا صعبا وشاقا واحتاج زمنا طويلا مع ضمانات عدم اظهار اسمائهم الحقيقية وصور وجوههم مع بعض التغييرات الفنية والتقنية التي شاهدناها في الفيلم مثال:اشارة الصليب الموشومة فوق زند أحد الشهود كانت موجودة بالفعل لكن ليست الاشارة بعينها، هذا ولاحظنا أحيانا بعض الاسئلة الموجهة شخصيا من قبل مخرجة الفيلم لشهود العيان مرتكبي المجازر. أيضا أرادت المخرجة من خلال عرضها الفيلم تقديم أحد الوثـــائق المفجـــعة التي ترتكب بحق الانسانية واضاءتها وتـــرك منظـــمات حـــقوق الانسان والمحاكم الدولية الدور لتقديم مرتكبي هذه المجازر للمحاكمة. الفيلم سبق وعرض في لبنان واسرائيل ونال جائزة في مهرجان برلين السينمائي قبل فترة ويعرض الآن في برلين وسيتم توزيعه في المستقبل من خلال الاسطوانات التلفزيونية الحديثة وسيكون بمتناول اليد لمن يشاء مشاهدة هذا الفيلم. فالفيلم كان بمثابة خطوة فعلا جريئة من المخرجة ويستحق الوقوف عنده بشكل جدي، والتأمل من خلاله للانتباه جيدا لمراحل عصر جديد قادم مليء بالغطرسة والقتل، فما نشاهده اليوم مما يحصل في العراق ولبنان وفلسطين وبعض الأماكن الأخري كان بدايته هذه المجـازر فالتاريخ لا يرحم أحدا وكل يتحمّل ما تجني يداه.بقي أن نقول أخيرا بأن المخرجة السيدة مونيكا بروغمان تتقن اللغة العربية وتعيش في لبنان منذ زمن طويل وتدير مركزا للتوثيق والأبحاث في بيروت ولقد أجريت حوارا مع المخرجة شاملا وسأقوم لاحقا بنشره في مقال قادم.QCIّ0