عندما تقرأ المجموعة الشعرية المترفة والباذخة بانشراح لغتها، للشاعر المغربي جمال أزراغيد، والموسومة بـ ‘غنج المجاز’، ينتابك إحساس، في أول الأمر، بأنك أمام تجربة شعرية ،لا تكاد تُجاوز المتاح الشعري الراهن.
لكن بمجرد ما أن تعاود القراءة، مرة بشكل رأسي، وثانية بشكل أفقي، وثالثة من النهاية إلى البداية، أو من اليسار إلى اليمين، أقصد القراءة العالمة كما يحلو لعبد الفتاح كيليطو نعتها، حتى تستشعر بأن هذه التجربة، مختلفة تماما عن السائد. هي تمرين شعري مختلف، مادته المجاز، ومعادلته الصعبة هي اللغة في نزقها وطيشها المقصودين، كما يتبين منذ العنوان، ميزة اللغة ههنا، كونها تختلق نظامها الخاص بنسغ الغرابة، تلك الناتجة عن المخاطرة بالكلمة عبر الزج بها في بئر المعنى، والأمر هذا يجعل الديوان جديرا بالقراءة. فلا مراء أن الأعمال المقروءة، قراءة ثلاثية الأضلع، فيها شيء من الغرابة. والغرابة كما ورد عند عبد الفتاح كيليطو’ لا تتجلى إلا لمتلق تعود على نوع من التصورات، فإذا به يصادف في الخطاب الشعري أشياء مخالفة لما تعود عليه. الغرابة لا تظهر إلا في إطار ما هو مألوف. الشيء الغريب هو ما يأتي من منطقة خارج الألفة، ويسترعي النظر بوجوده خارج مقره. هناك إذن علاقة جدلية بين الألفة والغرابة، وفي هذه العلاقة يكمن سرُّ التأثير الذي يحدثه الخطاب الشعري’.
إن الغرابة سليلة البعد، وما دامت اللغة مهدّدة دوما بالألفة من فرط الاستعمال، فإن السفر بها إلى موطن الغرابة بأجنحة التخييل، يمنحها ثوبا جديدا، سرعان ما تهفو إلى تغييره، جل الأعمال المتفردة تتميز بهكذا ظهور واختفاء.
في نصوصه الشعرية التي يحبل بها هذا الديوان، يختلق الشاعر جمال أزراغيد طريقته المخصوصة في إبداع اللغة، مُرغما بذلك قارئه ‘على تواصل أقصى’.
إنه موقف الشاعر الخاص في الكتابة، ترجمه في قصيدة ‘ما أقربني’ (ص 95):
ما أقربني
إلى لغة يترشش نبيذها
(عميقا) يحفر بئر أناه
في تجلي هواه
يترشاه هديلُ الدّلال
إذا انشطر خطوا
………..
خطوا
المتأمل لنصوص الديوان، يلفي الشاعر لاَ يبالي بالامتلاء اللغوي، بل يجترح كلماته بأريحية نادرة، ‘ولا أفق له غير مصاحبة كل كلمة منها دفعة واحدة، ينسج بتؤدة علائقها الجديدة. يستنفر المعاني المحجوبة، ويزيح حدود معانيها. يقتحم شيئا أراضيها المجهولة. يقرأ غوامض أدلتها، ويظل حريصا على مكمن مفاجآتها لاقتلاعها من المواقع الخفية على الإدراك. يولّد الشاعر تجاوبات شعرية هي كل كلمة قادرة على تفجير معنى بطريقة لا تردّد فيها’.
أعود مرة أخرى إلى الغرابة وأقول، إنها لفظ يحيل لا محالة على الغروب، ومن ثم على الشمس. ليس الغروب إلا غروب المعنى. وحده المجاز السبيل إلى عودة الشمس، عودة النور، في هذا الصدد يقول دريدا’ دورة الشمس تكون دائما بمثابة خط مسيرة الاستعارة’. الشمس هي النور الذي يضيء الوجود. الأمر نفسه ينسحب على الاستعارة (المجاز). من المؤكد أن علاقة الإنسان بالشمس، هي علاقة حب وعشق، فقط ‘لأنها حاضرة غائبة، مقيمة راحلة، مشرقة غاربة، أليفة غريبة’. فماذا عن الشمس كشعرية مُلبّدة بالحضور والغياب في تضاعيف الديوان؟
يقول الشاعر في قصيدة ‘شهيق الأرض’:
الليل رخيم
ألفى نفسه متسللا بين الخزامى
ما كان فيه سوى
أنجم تشعل الشوق إلى الشمس ص 28.
في هذا المقطع تحضر الشمس كاستعارة، لكنها تغيب كضوء، وأمل، ومستقبل مأمول، تحضر الشمس كمجاز من خلل كلمات (الليل، أنجم، تشعل، الشمس)، وتغيب حين مطابقتها لمعاني الحياة.
عندما ‘تختفي الشمس وراء السحب فإنها تستتر ولكنها لا تفنى وتفقد مكانها في السماء’ خذ مثلا هذا النموذج:
قريبا من ظلك الأعمى
أشرقت أشفارك الشهوى
بأرق السهام ص 36.
لقد غابت الشمس باعتبارها نورا (ظلك الأعمى)، وحضرت كاستعارة (أشرقت).
واللافت في هذا الديوان، هو أن حضور الشمس مصاب بالعطب. شمس جريحة كما ههنا.
ما أحرجني
في عراء الوصل !
إذا اشتعلت عراه في قصور الشوق
المندسة
في شقوق المرايا
التي
أدْمت صورة الشمس
وأبكت عيون الرؤيا
في هشيم الليل… ! ص 37.
إنها شمس مريضة، قابعة في مرقدها، إلا أن ما يحرّرها من عقالها، ويُضفي عليها معانيها الضائعة، هو المجاز، الاستعارة بلغة دريدا:
تتبدل مع الأنفاس
التي
طالما أوصلتها إلى مقرد الشمس
لعلي أحرر الثكالى من عقال الكسر
وأطلق السكارى في المدينة
يبحثون عن غُنّة الحرس
في الكأس….
وما لفّه من نفس
وظل في برزخ الحدس ص 53.
في هذه الرؤية تحديدا، يتحول المجاز (بئر المعنى) إلى معادل موضوعي للحياة، وأما الوضوح، فهو عماء هذا العالم وبؤسه. لتظل الكتابة الثملى بالمجاز هي السبيل لعودة الشمس:
بعد قليل
سأستل مشاتل الضوء
من كوة تضج
بأنامل تُهرق دمها على الورق
بفراشات ثُملى بالألق (ص 55).
حضور المجاز في الكتابة إذن يعني حضور الشمس، وهو مرتبط بتهشيم اللغة وتفجيرها، بعيدا عن كل صدفوية ومجانيه. وما يميز اللغة عند صاحبها هنا، كونها لغة جمع plurielle ، لغة تتخطى دلالاتها الأصلية فاتحة معاني متجددة بتجدد فعل القراءة:
على طرف بئر غائر
في غمغمات القصب
يسكنه مجانين
هشموا اللغة بين أسنانهم
بقوة الصمت أمام جثة الياسمين
كما يهشم اللهب بين الحجرين
وتنشقوا نسائم الاستعارة
مثل نفس فاغ من طيب اللقى (ص 57).
هي ذي فلسفة الشاعر جمال أزراغيد في الكتابة والحياة. فلسفة لا تُقر بغير الهدم بمعاول الاستعارة (المجاز) من أجل بناء كينونة جديدة للأشياء، ربما يفعل ذلك، لأنه يحس بأننا، كما يقول كيليطو ‘مدينون للشمس بالكثير’، لذا تراه لا يقبل بالكائن كما هو معطى ولا يذعن له، يسعى دون هوادة لتغييره، بارتكاب الأخطاء الصغيرة:
فوقها سأبني
عرشا
لأخطائي الصغيرة
عساها تلمع وجهي في واضحة الخراب (ص 67-68(.
تكمن خصوصية الكتابة عند الشاعر جمال أزراغيد، في هذه الأضمومة الشعرية، في كون اللغة عنده تحقق حريتها داخل شغفه المطلق بالمجاز، وكذا ذهابه بالكلمة إلى أقصى ممكناتها من خلل تحويل الخضوع لسننها إلى تحرر مطلق. هي لغة ‘تنبثق من الغياب’، واضعة مفرداتها في المهب، وبذلك ينسحب على الشاعر أزراغيد قول بارمنيدس في قصيدة الوجود، المقطع 13 و14:
ساطع في الليل
تائه حول الأرض
ذلك هو الضياء الغريب
باحثا دوما برؤاه عن أشعة الشمس .
‘ كاتب مغربي