زياد خداش
من هم هؤلاء المجانين الذين يرقصون في شارع ركب.
؟ ؟ من أين أتوا فجأة. وكسروا قانون وجه المدينة التي تعودت علي مسيرات غاضبة لا يضحك احد فيها ولا يرقص. عبثوا بروتينها وقيلولتها الرتيبة.
؟ ؟ سأتقدم نحوهم وأراهم جيدا. اوه انهم مجانين المسرح الفلسطيني. اعرف منهم يعقوب اسماعيل وعمر جلاد وحسين نخلة وعادل ترتير واكرم المالكي وكامل الباشا. ورائد العيسة. انهم يحملون يافطة كبيرة مكتوب عليها: 27-3 اليوم العالمي للمسرح. الله. يتقافز امامهم اعضاء فرقة مسرح الشارع البهلوانية. نحن اذن طبيعيون جدا. نحب الحياة والرقص والفنون. ولا نكترث لجنود قد يقتحمون مدينتنا وشوارعنا. اتخيل مجانين المسرح هؤلاء يواجهون الجنود بالرقص والضحك والمشي المتواصل تجاه مركز خليل السكاكيني. اتخيل الجنود وهم يقفون بلهاء ومستغربين: لماذا لم يهرب هؤلاء بعيدا كما توقعنا خوفا من رصاصنا؟
؟ اين حجارتهم؟
؟ اين شعاراتهم؟ اين شهداءهم الجاهزين؟. اه لقد أبطل هؤلاء الماكرين مفعولنا. فنحن لم نخلق لقمع أشخاص يحبون الحياة؟
؟. مالذي يريدونه هؤلاء الغرباء الضاحكين؟
؟ انهم لا يريدون شيئا. فقط هم يفرحون ويصيحون ويمشون.
مسيرة فرح ورقص ومشي لا مطالب لها سوي ان يفهم الناس ان ثمة كونا اسمه مسرح يستحق ان نحتفي به. ان هناك كائنات حية تعيش بيننا تحب المسرح. تحب الحياة. وتري فيه طريقة اخري للنضال والفهم والبناء.
امشي معهم. اتخبط في شغفي و حنيني الي شيء لا افهمه لكني احسه قريبا مني. الناس خرجوا من محلاتهم. السيارات توقفت واطل سائقوها منها. الناس ضحكوا علي المجانين الرائعين: احنا في ايش وهم في ايش. الناس علي حق لانهم ببساطة لا يعرفون ماذا ا تعني كلمة مسرح. انهم مشغولون في لقم العيش. المدارس في بلادنا تعتبر المسرح مثل الكافيار بالنسبة للفقراء. فهم لا يحتاجونه. فبأمكانهم العيش من دونه وكأن العيش هو ان نأكل ونشرب ونمارس الجنس ونتفرج علي مسلسل السهرة لنذرف الدموع ونتطهر من ذنوبنا.. المسرحيون علي حق ايضا. فليس ذنبهم انهم فهموا سر السرح وادركوا خطورته واهميته في انهاضنا من اعاقتنا الروحية. وهم يعرفون ان حب المسرح والايمان به لا يتضارب مع كون محبيه فقراء. عادل الترتير فنان فقير ماديا. لكنه يعيش المسرح. يتنفسه. يمشيه. يرقصه. ينامه. يحلمه. انا شخصيا لا استطيع ان افرق بين عادل الفنان وعادل الانسان. حين اراه يمشي في الشارع. اقول في نفسي: انه يمثل دور شخص يمشي. وحين اضبطه غاضبا. اقول في سري: انه يمثل دور رجل غاضب. اما شاربه الابيض الكثيف فارغب احيانا في نزعه اعتقادا مني انه شارب مستعار. تطلبته شخصية ما في مسرحية ما. كذلك حسين نخلة ابن ازقة الجلزون والعائش ردحا طويلا من السنين علي حليب وكالة الغوث وزيت سمكه المرعب. وآخرون كثر لم تحل ظروفهم الاقتصادية من حب المسرح والثقة بقدرته علي ايصالهم الي جزر معرفية وحسية ومتعوية. ضائعة في مهب ظلمات القارات الداخلية للانسان.
قال لوتريامون مرة. بما معناه: ان علي كل الناس ان يصبحوا روائيين. تخيلوا لو أحب كل الناس المسرح. وتذوقوا ناره اللينة الحلوة. وجربوا ان يمثلوا شخصيات اخري امام انفسهم. ان يكونوا غيرهم لدقائق. لماذا يخاف الناس من المسرح؟
؟ وهو خوف رائع بالتأكيد. لماذا اخاف انا اكثيرا من حضور مسرحية ما. ألأنها تشبه يوم حساب مصغر؟
؟ هل تعري عورتي. وتكشف ميلي الي غير المفهوم و المعتاد من المشاعر. تفضح رغباتي الغريبة. تزرع في دمي قشعريرة حب ومتعة لا تطاق حين تلامس فينا بقع الحنان والأمل واليأس والجنون والرعب؟
؟ هل أبدو ساذجا في خيالي هذا؟
؟ لأكن كذلك. لكني لن اتوقف عن الحلم بصوت جدي الهرم وهو يقول لي ملحا: هيا نذهب الي عشتار او القصبة فثمة مسرحية جديدة. مسيرة المجانين ما زالت مستمرة. الان وصلوا الي مسرح بلدية رام الله المهجور. الاعناق المستغربة الضاحكة المطلة من السيارات. تشكل خلفية مفرحة للوحة المسيرة. فهذا الانفصال بين وعي الناس العاديين والمسرحين يبدو احيانا. مثيرا وباعثا علي نشوة ما غير قابلة لتفسير. ولكن مهلا الا يتناقض هذا مع رغبتي التي ذكرتها سابقا في تعميم حب المسرح؟
؟ بالتاكيد لا. فانا اعلم تماما انه لن يصبح ابدا كل الناس روائيين ولا مسرحين ولا شعراء. لكني احلم بذلك. وسأبقي احلم. لان في الحلم متعة لا تشبهها متعة اخري. الحلم هنا هدف بحد ذاته. هدف لذيذ.
ينتهي بتحققه. تواصل المسيرة رقصها وغناءها. تتقدمها فرقة مسرح الشارع. امام المجلس التشريعي. لم يكن احد باستقبالنا. وهذا طبيعي جدا لانه لو كان احد باستقبالنا لكان هناك خلل. ثم ان المجلس مشغول بمنح الثقة لحكومة جديدة. ومن هؤلاء المجانين الذين يرقصون في ساحة المجلس. ؟ حتي يشوشوا علي المجلس شغله ومشاغله؟
؟ وهل الوقت وقت مسرح؟
؟ ليذهب المسرح الي الجحيم. فلدينا وطن يحتضر وعلينا انقاذه.
واو وطن يحتضر يريدون انقاذه بأرواح معاقة ومعطلة؟!! ارواح لا تحب المسرح. كيف نحرر وطنا ونحن لا نتقن فن الرقص؟
؟ كيف؟
تتحرك المسيرة الي مركز خليل السكاكيني. هذه المرة سأدخل. لن يقف شكل هذا المبني المرعب كالعادة امامي عائقا امام حضور ندوات وعروض المركز الفنية والتشكيلية والادبية. طالما خفت من الاحتكاك بهذا المكان.
انه يشبه مكان اعتقال. احس حين ادخله اني امضي الي محقق سيستجوبني بعد قليل عما اضعه في جيبي وعن شكل الطريق الي البيت. وعن ضحكة حبيبتي الاخيرة في الشارع وعن نمرة حذائي ولون جواربي. في القاعة الغريبة التي تقام فيها عادة الندوات اشعر اني محبوس في زنزانة. ومشرف علي مرض جلدي. لا اعرف مالذي كانته هذه القاعة قبل تحويلها الي قاعة ندوات وعروض. فالسقف واطيء جدا. هناك نوافذ غريبة منخفضة ومستطيلة؟ وهي ليست دائرية تماما. بل اشبه بمخروط دائري ان صح تعبيري. هل اهذي؟
؟ ورغم ان محمود درويش وخليل السكاكيني موجودان هنا بحميمية كبيرة فالاول لدية مكتب في هذا المبني والثاني سمي المبني باسمه. الا انني لا ازال اخاف شكله وغرفه و درجاته ومن صعوبة الوصول فيه الي أي مكان. ولانني سكران تماما بهذه المسيرة الغريبة الطريفة. فقد نسيت اني في خليل السكاكيني. صعدت الي القاعة الاخيرة. الي مرضي الجلدي. الي زنزانتي. الي محققي. جلست بانتظار فقرات برنامج الاحتفال بيوم المسرح العالمي لم اكن اعرف ان المرض الجلدي والمحقق والزنزانة سيختفون حين اسمع صوت ريم تلحمي وجميل السائح كانت ريم تجلس امامي. تحمل بيدها كأس نسكافيه. فجاة نهضت مبتسمة. مشت بضع خطوات. جلست. خلعت وجهها البشري. رمت اطرافها. لبست وجه بحر واطراف سمكة. مضت فينا الي الماء الاسود والحصان الغجري والطفل والاغنية. بعد عشر دقائق تقريبا. مدت يدها علي وجهها. القت بالبحر واطراف السمكة جانبا. لبست وجهها التقطت يديها وقدميها. ركبتهما علي جسمها. نهضت عن الكرسي. جلست امامي مرة اخري. واصلت شرب النسكافيه.
ابتسمت للمعجبين.
لن امارس دهشتي من جمال صوت ريم فلا جدال حول ذلك. لكن العجيب هو هذه الانتقالة المخيفة المجنونة بين عالمين مختلفين في عشر دقائق. لم افهم مالذي يحدث. كأن حلما اختطفني الي براريه ومائه وصخره وطيوره وحممه. امراة عادية تجلس امامي بشعر غجري وملابس سوداء وكأس نسكافيه وابتسامة بشرية. فجأة يختفي كل ذلك و ينفجر بحر تحت الاقدام. بحر باسماك كثيرة وملونة. طفل وحصان وماء اسود. وصوت اوبيرالي. يطيح بأنفاسنا عبر مهاوي قلاعنا. سقف السكاكيني يطير. يختفي المحققون. وتتحول الزنزانة الي عالم بلا ابواب او سقوف. بلا سجون. بلا سجانين. وتعود الكأس مرة اخري تتمرجح بين اصابع عادية. وتجلس السمكة علي كرسي مخلوع يحذرها المتفرجون من الكرسي. لكن السمكة لا تكترث. فثمة حارس يجلس خلفها هو دهشتي. اترك مجانين المسرح. يغنون ويصيحون. اخرج الي الشارع. ويأتيني هاجس: المسرحيون ممثلين ومخرجين وراقصين قطاع اكثر شغفا وحبا للحياة و دفئا من الادباء. والشعراء. انهم يتمتعون بحس للحرية اكبر في التعبير عن فرحهم وجنونهم. وهم طبيعيون تماما وحقيقيون. حركتهم جسدانية اكثر منها لغوية. كثيرا ما حضرت ندوات وامسيات شعرية. لم اكن اجد فيها التحرر الجسماني والنفسي كما وجدته عند مجانين المسرح الفلسطيني. ثم ان الادعاء كثير في امسيات الشعراء والتكلف واضح.
والمعارك دائما جاهزة. وتنتظر شرارة ما. ولا احد يبتسم والاجساد دائما ساكتة ووحيدة ومكبوتة. وكأن الحزن اصبح ملمحا معتادا ومحببا للادباء.
الي أين سأذهب الان؟
؟ الي مقهي رام اللهسأخبر اصحابي عن مسيرة مجانين رائعين لا غضب فيها ولا رصاصولا شهداءفهل سيصدقوني؟
؟ كاتب من فلسطين[email protected]