مجانين قريتي!

حجم الخط
0

مجانين قريتي!

خيري منصورمجانين قريتي!لكل قرية مجنونها، فإن لم تجده تبتكره، لأنه الزاد اليومي لضجرها، وهو علي الأغلب مسالم ومتسول حتي لو كان من بيت ميسور، لأن أسماله وتجواله الدائم في الأزقة يفرضان عليه نمطا من سلوك الشحاذين، لكن قريتي لم تكن ذات مجنون واحد، فقد أنجبت خلال خمسة عقود خمسة مجانين وكأن القري تحبل ايضا لكن مدة الحمل تصل الي عشرة أعوام حين يكون المولود مجنونا، وكم أدهشني أحد عجائز القرية عندما قال ذات يوم امام دكان فقير وأشبه بالكوخ يتجمع حوله العاطلون في الأيام المشمسة من شتائهم الطويل، أن المجنون هو المسكون بالجني، ثم أدركت ان اشتقاق هذا الاسم هو أرقي ما يمكن أن ينحت لاسم مفعول، في لغة امتازت بالفعل الماضي الناقص ونائب الفاعل وألف الاثنين، وهذا ليس درسا في فقه النحو، لكنه أحد تجليات تلك الأيام التي كانت لعبة الكلمات المترادفة فيها هي البديل للعبة الكلمات المتقاطعة.كانوا خمسة، لكن أحدهم كان أقرب الي حكيم زاهد، لا يشرب الماء إلا من جرة يذهب كل شهر الي القدس كي يملأها بالماء، وله اسم غريب لا اعرف من الذي اطلقه عليه، فهو بقليل من التحوير يصبح اسما ألمانيا، وبالفعل حملت شركة المانية شهيرة هذا الاسم لزمن طويل وكنا قد سمعنا به لأول مرة من خياطة في قريتنا حصلت بعد عناء وطول انتظار علي ماكينة خياطة سنغر ، دفعت ثمنها تحويشة العمر! وعلق أحد جيرانها قائلا ان ثمن هذه الماكينة يكفي مهورا لأربع نساء!كان سنكر صموتا، لا يتكلم إلا إذا استفز حتي النهاية، وعندما سئل ذات ظهيرة أمام الدكان وتحت سماء مشمسة يرشح الضجر القروي منها عن سبب صمته، قال، ان الأسود لا تزأر إذا استفزها الاطفال في حدائق الحيوان لكن القردة تثب وتصيح وتضرب القضبان إذا أخرج لها طفل فضولي لسانه.لا أعرف من اين استقي سنكر حكمته تلك، لكن سواها من الحكم كان واضحا انه تعلمها من العزلة فهي تتيح للانسان ان يري البشر متلبسين بأوضاع وحالات تثير السخرية، لكنهم لا يرون أنفسهم وهم مستغرقون في أداء أدوارهم اليومية، ولم يخطر ببالي في تلك الأيام ان البذرة الأولي لاحدي مسرحيات هارولد بنتر ستمكث في ذاكرتي بفضل مجنون قريتنا، أو أحد مجانينها.وبقدر ما كان أهل القرية يسخرون منه كان هو ايضا يسخر منهم، لكن بطريقته الصامتة وابتسامته الماكرة التي توحي لمن يراها بأنه اقترف خطأ ما، وقد يتحسس ثيابه ورأسه ليتأكد من عدم وجود خطأ ما يثير السخرية، ومثلما ذكرني بنتر بمجنون قريتنا ذكرني برغسون في كتابه الضحك بما كان يتعمده سنكر من أفعال امام المارة، كأن يسرع في مشية متماسكة منتظمة الخطوات ثم يسقط علي الأرض كما لو انه تعثر بقشرة موز، كلاهما برغسون وسنكر عرفا جذر الضحك الأول من خلال ادراك المباغتة وقطع المتواليات الرتيبة، لكن ضحك برغسون كما قال: به مرارة يمكن تذوقها علي الفور بينما ضحك سنكر يخلو من هذه المرارة وربما كان مالحا لأنه كما كان يقول يتغرغر بالماء الممزوج بالملح يوميا عندما يصحو من النوم ان صحا وعندما ينام إذا نام.خلاف هذا الحكيم الصامت كان زكير بدينا ويفخر بأنه يعرف اسماء النساء جميعا في القرية وتلك معرفة ليست ميسورة للعقلاء، لأن اسم الانثي يضاف الي عوراتها، وتختفي أسماء النساء أو تحتجب وراء اسم الابن البكر، وكنا أحيانا ندفع له رغيفا أو قرشا مقابل تزويدنا باسم والدة أحد زملائنا في المدرسة للنكاية أو الشغب البريء!كان زكير ينام في غرفة معتمة تماما ويقتسم الليل مع كائنات يحزرها من أصواتها، وحين قدمت له جارته العجوز قنديلا كسره علي الفور وقال انها تريد به شرا لأن الأفاعي ستهتدي إليه لو أضاء الغرفة الأشبه بقبر شاسع!وقد يكون زكير أول كائن مصاب بفوبيا الصفير، لأنه يفقد ما تبقي له من رشد وهو قليل جدا إذا سمع صوت صفارة أو إذا صفر له أحد الاطفال وحين رويت هذه الواقعة لأحد الاصدقاء بعد ثلاثين عاما قال لي ربما بسبب صفارات الانذار التي تسبق الغارات، فضحكت حتي دمعت عيناي لأن هذا الصديق لا يعرف ان قرانا كانت بلا كهرباء وأن أول دروس الاعراب والتاريخ والطبيعة قرأناها في ضوء قناديل شحيحة الاضاءة وقابلة للانكسار المفاجيء وأحيانا الانفجار!ولأن زكير لم يكن مجنون القرية الوحيد فالناس لم يتذكروا غيابه شهرين، لأنهم وجدوا في غيابه البدائل التي تبدد ضجرهم وحين عاد الي القرية كان نحيلا وشاحبا وقد فقد احدي عينيه.وسمعت بعد ذلك بأعوام أن كمينا اسرائيليا التقطه عند الحدود، وقريتي لا تبعد كثيرا عما سمي خط الهدنة، ولم يكن يعرف بالضبط ما الذي جري له، لكن أحدهم أخبرني بأن عينه قلعت وسحب الكثير من دمه وهو مخدر، وحين عدت الي قريتي بعد ثلاثين عاما من الغياب القسري كان زكير قد مات ونسيه الناس ودفن معه ذلك السر.هناك مجانين محترفون ومجانين هواة، هذا علي الأقل ما أحسست به وأنا أراقب في صباي المجانين الخمسة فمنهم من يعتني بمظهره ويحلق ذقنه ويتبادل التحيات مع العابرين، لكن له حدودا علي الآخرين ان يحزروها بحصافة كي لا تنفجر النوبة في وجوههم.ان شبه المجنون هذا أصعب ألف مرة في التعامل من المجنون المحترف، لأن ردود أفعاله متفاوتة ولا يمكن التكهن بها.اثنان من أذكي تلاميذ القرية ومدرستها الابتدائية اصابتهما جرثومة الجنون ويبدو ان المناعة كانت محدودة فصدق بمرور الوقت انهما قد اصيبا بالفعل بالجنون، أحدهما دلني لأول مرة علي الكاتب سومرست موم، وكان قد حصل علي مجموعة قصصية مترجمة له بالصدفة في مكان ما، ولأنها القصص الوحيدة التي قرأها فقد حفظها عن ظهر قلب واقتطع من الغلاف صورة المؤلف، وعلقها بمسمار علي جدار البيت.تلك الحادثة العادية بكل المقاييس تحولت الي كارثة في قريتنا إذ سرعان ما أصبح التلاميذ ينادون زميلهم باسم موم وكانت تصدر عنه اسئلة ومواقف تبدو مستهجنة بمقاييس أهل القرية، كأن يتحدث بحرية عن الجنس والدين، ويتخطي علي ما اصطلح عليه باعتباره الخطوط الحمراء المحظورة.عرفت بعد ذلك بأعوام أن احد أشد الناس أمية وزهوا بالجهل وادعاء للحكمة همس بأذن والد هذا التلميذ محذرا إياه من رعونة الولد، ومجازفاته فقد لا تسلم شقيقتاه من اعتداء ما عليهما ذات نوبة سعار، ولسوء حظ الأب وابنه صدق الأب ما سمع واعتبره موعظة حسنة فقرر عزل الولد عن الفتاتين، وحذرهما من الشقيق الذي يشكل خطرا سافرا علي عذريتهما!وانتهي الأمر الي ان تألم الفتي مع كل ما يقال عنه في القرية لكن حالته العصبية وتوتره الذي اندفع الي اقصاه دفعا الأب الساذج الي ادخاله مستشفي الأمراض العقلية وقد حاول الهرب عدة مرات، واتضح ان الخطط التي يرسمها لتنفيذ الهرب لا علاقة لها بالمجانين.وعرفت انه بعد ذلك أخرج من المستشفي بسبب تماثله للشفاء، لكنه ما أن وصل الي البيت حتي طعن صدره بالسكين ومات!المجنون الخامس عاش بلا ليلي، ويأخذه الحنين الغامض ليلا الي ملكوت آخر بكر، عاني من فصام شديد ومن ملاحقة أشباح مجهولة النسب، وكان يقول دائما انهم يلاحقونه، وباختصار كان يفرط في استخدام واو الجماعة المبهمة، تلك التي كتب عنها سارتر مقالة فريدة، وانتهي منها الي القول بأن المجانين أو أشباههم هم ضحايا واو الجماعة الغامضة والمقصود بواو الجماعة هنا الافعال المنسوبة لأكثر من شخصين.في المرات القليلة التي اصغيت فيها الي هذا العاشق الذي يناجي كائنات ليست من هذا العالم، أدركت أن ما به هو مس من الشعر لا من الجنون.؟كان يتحدث عن علاقة خاصة وسرية بالغيوم وبالحجارة وأحيانا يزعم بأنه تزوج من جنية تصعد من أعماق بئر مهجورة في طرف القرية.من سوء حظه أن أخته لم تكن إديث سيتويل الشاعرة، كي تقول ان أخاها أحب شجرة وظل يرسمها حتي تحول الي عنقود!ان هؤلاء ليسوا مجانين بالمعني العلمي الدقيق بل ضحايا الضجر والجهل والعتمة وقد عقدت هذه الأطراف الغاشمة حلفا قروياً ضد صبيان أقل امتثالا وأكثر نزوعا للمساءلة والتساؤل.لم يكن عدد سكان قريتي عندما شهدت هؤلاء الخمسة أكثر من أربعة آلاف مما يثير الدهشة حول فائض الجنون تبعا للمحاولات الديمقراطية التقليدية.وما يضاعف من اندهاشي بعد مرور عقود هو أن هؤلاء الأبطال لا يزالون يبحثون عن مؤلف كما في مسرحية بيرانديلو الشهيرة!فقد كتبنا ما يكفي عن العقلاء أو من يزعمون بأنهم كذلك ونسينا الجنون وهو البراري الأشد اخضرارا في ذلك الفضاء الداجن، من يدري لعلهم وحدهم العقلاء، والحكمة المنسوبة لغيرهم هي من صلبهم!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية