القاهرة ـ ‘القدس العربي’ أبرز ما في صحف أمس، الأحد 24 تشرين الثاني/نوفمبر كان المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم وأعلن فيه عن النجاحات التي حققتها الوزارة في التوصل الى عدد كبير من خلايا الإرهابيين والقبض عليهم وإحباط الكثير من عملياتهم، واتهم الإخوان المسلمين والتنظيم الدولي لهم بتمويل هذه المجموعات التكفيرية والتعاون مع تنظيم ‘القاعدة’، ورغم ذلك فوجئت بأن زميلنا وصديقنا عبدالرحيم علي مساء نفس اليوم (السبت) يظهر في برنامج ‘تسعين دقيقة’ على قناة المحور مع الإعلامية البارزة ريهام السهلي، ويهاجم الوزير لأنه لم يذكر، اسم الإخوان صراحة بأنهم وراء هذه العمليات، كما تساءل عن عدم إعادة حوالي مئتين وأربعة وخمسين من ضباط أمن الدولة المتخصصين في نشاط الجماعات الدينية، الذين تم إخراجهم من العمل بضغوط من خيرت الشاطر عندما كان اللواء منصور العيسوي وزيرا للداخلية.
وفي نفس الليلة هاجم الإعلامي توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين الوزير لنفس السبب.
وكان الخبر الثاني المهم هو طلب مصر من السفير التركي مغادرة البلاد، وتخفيض التمثيل الدبلوماسي مع تركيا الى مستوى القائم بالأعمال، وإعلان الأزهر ان الطلاب الأتراك في جامعة الأزهر لن تطالهم أية اجراءات.
وكان قد اجتمع منذ شهر بعدد منهم وطمأنهم، بعد ان قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بمهاجمته. كما تم طرد ثمانين طالبا إخوانيا من المدينة الجامعية لقيامهم بأعمال الشغب والحريق وتعطيل الدراسة.
وتقرر وقف تسيير قطارات الصعيد بعد ساعات من تشغيلها، لاكتشاف عمليات إرهابية، ووضع وزارة التربية والتعليم ستا وسبعين مدرسة يملكها إخوان مسلمون تحت الإشراف المالي والإداري، بعد التأكد من عدم تحية العلم وإثارة الكراهية لدى التلاميذ للوطن، وإصدار النائب العام قراراً بحظر النشر في قضايا تخابر محمد مرسي واغتيال المقدم محمد مبروك وإلقاء القبض على عشرات من الإخوان قاموا بحرق عربة ترام في مصر الجديدة وقتل الطفل سمير حسن في السويس، ومهاجمة منشآت، واقتراب لجنة الخمسين من الانتهاء من إعداد الدستور، وقرب إصدار قانون تنظيم المظاهرات.
وإلى بعض مما عندنا:
تحرير الوعي الإخواني من أسر الشرعية
نبدأ جولتنا من جريدة ‘المصريون’ ومقالة الكاتب محمود سلطان عن رابعة: ‘تحدثت في مقالي سابق عن الوعي الجديد بـ’رابعة’، وكيف أنه تجاوز التعبير عن مأساة جماعة سياسية، ليمسي ‘تذكارا’ للضحايا المصريين جميعا بغض النظر عما إذا كانوا إسلاميين أم من الجيش والشرطة.
لا يمكن فهم ‘رابعة’ قبل 14 أغسطس الدامي وبعده، بدون الاقتراب من مظاهرات كل يوم جمعة، وليس من خلال ‘الصورة’ التي تنقلها فضائيات 30 يونيو. رابعة.. لم يعد محض ميدان أو مكان في ضاحية مدينة نصر، بل بات ‘بوصلة’ للتحولات في اتجاهات الرأي العام.. ولعل البعض اتخذ من الهتاف الجديد الذي يردده متظاهرو ما بعد 14 أغسطس: ‘رابعة مش بس مدينة نصر ..رابعة كل شوارع مصر’.. اتخذه موضوعا للتهكم، إما استخفافا بما يحدث، وإما تقصيرا أو كسلا في تحليل مضمون ما يجري في الشوارع هذه الأيام.
الشعار أو الهتاف الأخير، يلخص التحولات في الوعي الجديد بـ’رابعة’، ليس فقط في الضمير الإنساني للمواطن المصري، وإنما ترجمته ـ بالتراكم وبالإصرار على النضال اليومي ـ إلى ‘قوة شعبية’ تلغي الفواصل الأيديولوجية ولا يبدو في المشهد إلا ‘هوية واحدة’.: كلنا مصريون.
حتى الآن، أنا ـ على المستوى الشخصي ـ لست متأكدا، ما إذا كانت الجماعة، تعي هذه النقلة غير المتوقعة في الوعي بـ’رابعة’.. وإن كان ثمة ما يشير إلى أنه ربما تكون قد وصلتها الرسالة بشكل جيد.
قد يمكنني تسجيل بعض الملاحظات بشأن ذلك، ولعل أبرزها ـ وكما قلت من قبل ـ اختفاء صور مرسي، وتحرير الوعي الإخواني من ‘أسر الشرعية’.. وربما لا يكون نزولا عند شروط من يضع فوهة البندقية على رؤوس قادة الجماعة، وإنما لأن المسألة، تتعلق بحياة جسد ثورة يناير، المسجى على باب مقبرة كبيرة بحجم الوطن، وينتظر قرارا من الشارع: إما بالتمسك به ومنع استباحته، وإما التخلي عنه لسفاكي الدماء وحافري القبور.. ليوارى الثرى لأجل غير مسمى.
ربما يكون الإخوان، على تماس مع تلك الحدود الساخنة، والتي تقترب منهم، بالتدرج إلى أن تتقاطع الدوائر، وتُرسم ‘المساحات المشتركة’.. وهنا ..وهنا فقط قد نكون اقتربنا من حفلات التأديب الحقيقية للإخوان.. التي ستخرج منها وقد تعلمت الدرس.. درس ‘الوطنية’ الذي لم تتعلمه منذ نشأتها عام 1928، ربما تتعلمه هذا الأيام.. من خلال تعزيز روابط القربى والرحم مع مصر المتنوعة والمتعددة .. مع كل المصريين.. خاصة التيار المدني ‘الإنساني’ الذي يمثله المتضامنون معهم الآن في الشوارع.
ليس مهما ما يلبسونه: جينز أم باديهات.. سافرات أم متبرجات.. المهم تلك القلوب التي ظلت محتفظة برقتها وإنسانيتها.. ولم تقسو كما قست قلوب غيرها، وباتت أشد قسوة من الحجارة.
نمارس السياسة بالرؤى
المنامية واضغاث الأحلام
أما يوم الأربعاء، فقد شن زميلنا في ‘الجمهورية’ ومدير عام التحرير خفيف الظل محمد أبو كريشة هجوماً ساخراً ضد شعب مصر هي أمي وأمه قائلاًُ عنه:
‘نفس الجرأة على الله عز وجل وعلى رسله وأنبيائه حتى قالوا لموسى:
‘أرنا الله جهرة’، نفس تجسيم الإله، لأننا نعبد الصورة، ولا نقنع بالمعنى، لذلك ألهنا البشر والبقر والعجول، لذلك نمارس السياسة بالرؤى المنامية واضغاث الأحلام، حتى أن رسول الله ‘صلى الله عليه وسلم’ صلى مأموماً خلف مرسي في مسجد رابعة! وحتى أن جبريل عليه السلام نزل في الميدان واعتصم مع المعتصمين وبشرهم بالنصر، والناس يسمعون ذلك ويهتفون الله أكبر….. كان عبدالناصر زعيماً ملهماً وكان السادات زعيماً مؤمناً وكان مبارك منزهاً عن الهوى وكان مرسي هو الإسلام وهو الشرعية والشريعة ومن سلالة ونسل الرسول صلى الله عليه وسلم
لا أرى منهجاً يصلح لبلد أدمن الانفلات وتآلف مع الفوضى، ولأناس ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً، يطالبون بحقوق ولا يؤدون واجبات’.
تكريس التهم للإخوان بهدف
تسويغ الإجراءات القمعية بحقهم
ونظل في دائرة المعارك والردود، وهذه المرة في ‘الشروق’ يوم الخميس وزميلنا الكاتب الكبير فهمي هويدي الذي هاجم الذين يوجهون الاتهامات للإخوان من دون دليل بارتكاب الأعمال الإرهابية بقوله:
‘استثمار ما جرى في تكريس التهمة للإخوان وتأكيد شيطنتهم لتسويغ الإجراءات القمعية التي تتخذ بحقهم، فحادث قتل الضابط الكبير مثلا اعتبره الجميع جريمة إخوانية ثابتة، تكرر جريمتي قتل الخازندار والنقراشي باشا قبل أكثر من خمسين عاماً، وهي أحكام أطلقت قبل أي تحقيق في الأمر وأثار الانتباه أن المتحدث العسكري انضم الى جوقة المسارعين الى التنديد والتوظيف السياسي للجريمة فنسبها بدوره الى الإخوان، الذين وصفهم ‘برأس الأفعى’ التي صدرت لمصر مختلف الشرور والرزايا، ولم يكن لك فقط استباقاً للتحقيق فيه من النزق أكثر مما فيه من المسؤولية، ولكنه أيضاً يعد انتهاكاً للمعايير الدولية الرافضة للحض على الكراهية التي تعتبر أن التورط فيها جريمة ضد الإنسانية، ضاعف من الحيرة أن جماعة أنصار بيت المقدس أصدرت بياناً أعلنت فيه مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية الحالي اللواء محمد إبراهيم، وإذا صح ذلك الادعاء فإنه يحول مسار التحقيق من اتهام الإخوان الى تتبع خيوط اعتراف أنصار بيت المقدس’.
القيادات العسكرية مسؤولة
عن تأمين شمال سيناء
وآخر المعارك اليوم ستكون من نصيب زميلنا في ‘الوفد’ علاء عريبي الذي اتهم قادة في الجيش بالتقصير مما تسبب في نجاح العملية الانتحارية ضد اتوبيس جنود الجيش وطالب بمحاكمتهم وحذر من اختراق الإخوان للجيش، فقال:
‘واقعة استشهاد اثني عشر وإصابة خمسة وثلاثين مجنداً صباح امس في شمال سيناء أثناء نزولهم إجازة، تؤكد أن قيادات القوات المسلحة المسؤولة عن التأمين في شمال سيناء يجب تغييرهم بشخصيات قادرة على الفهم والتعلم، كما انها وهو الأخطر لا تتعلم من الأخطاء التي تقع فيها، كما ان سيناريو الواقعة يؤكد إهمال هذه القيادات مما يستوجب تقديمهم الى المحاكمة. ولجأت للحل السهل الذي يوفر الأموال ويضحي بأرواح أولادنا الشباب، تمسكوا بغباء شديد بنظام الدفعة المجمعة ليس هذا فقط، بل وقاموا بالإعلان عن نزولهم إجازة، وذلك بتخصيص سيارة أو أكثر لتأمينهم، الغريب في الواقعة أن قيادات القوات المسلحة لم تقم بأخطاء فادحة، بل ان الأخطر من هذا اختراق الإرهابيين للمعسكرات والأجهزة الأمنية هناك حيث تؤكد الواقعة أن الإرهابيين كانوا على علم مسبق بقيام بعض المجندين بإجازة وأنهم سيخرجون في الصباح الباكر بحالة ومن ثم قاموا بتفخيخ سيارة ووضعها على خط سير القافلة التي تقل الجنود’.
مبادرة الإخوان
وإلى المبادرة التي كان التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، قد قدمها عن طريق عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان ووزير التنمية المحلية، الدكتور محمد علي بشر في مؤتمر تم عقده في مقر حزب المستقبل (العمل الجديد سابقاً) ولم يذكر فيها شرط عودة الرئيس السابق محمد مرسي، وقبل بالتفاوض مع القادة العسكريين ولم يشترط عزلهم من مناصبهم، مما أحدث صدمة لدى قطاعات واسعة من الجماعة، لأن المبادرة بهذا الشكل كانت إعلانا رسمياً غير مباشر، بالهزيمة، وكان لافتاً للانتباه عدم وجود رئيس حزب المستقبل زميلنا وصديقنا مجدي أحمد حسين، مما يؤكد عدم رضاه عن المبادرة، رغم تأييد الأمين العام لحزبه صديقنا الدكتور مجدي قرقر، الذي اعترف بأن الحقائق على الأرض تفرض عليهم قبول الواقع والتراجع عن الشروط السابقة التي كانوا قد أعلنوها، وهو ما أكد وجود خلاف أو انقسام داخل الحزب، الذي بدأت غالبية المنتمين إليه يرون أن مجدي يقودهم إلى معركة خاسرة، وسيضعهم في مواجهات مع النظام وقوى كثيرة، ويعرضهم الى ضربات لا يتحملونها، بالإضافة إلى أن تحالفهم مع الإخوان لم يستفيدوا منه، لأن الإخوان لا يقيمون لهم أي وزن.
بالإضافة إلى أن الحليف الآخر في التحالف وهو الجماعة الإسلامية وحزبها البناء والتنمية تلقوا ضربة قوية والقي القبض على أعداد منهم وهرب رئيس الحزب طارق الزمر المطلوب القبض عليه، وعاصم عبدالماجد عضو مجلس شورى الجماعة، وهو ما أدى بدوره الى تذمر داخل الجماعة، ومطالبة بإجراء تعديلات في المراكز القيادية، يعود بالجماعة الى خطها الدعوي الذي اختارته بعد المراجعات التي أجرتها عام 1997 واعترفت فيها بخطئها في اللجوء الى العنف، فإذا كانت الأطراف الرئيسية الثلاثة في التحالف، وهي الإخوان والمستقبل والجماعة هذا حالها.
فان الواقع لا يمكن انكاره.
إعلان الاستقلال هو المخرج
الحقيقي من الأزمة الراهنة
وكان لافتاً أن يبادر مجدي أحمد حسين بالإعلان عن الخلاف داخل حزبه بأن قال في مقال له يوم الجمعة في ‘الشعب’ عن الوثيقة التي أطلق عليها وثيقة الاستقلال:
‘إعلان الاستقلال هو المخرج الحقيقي للأزمة الراهنة، لأنه إذا كان الجميع مخلصاً للاستقلال الوطني فلن يهتم أحد بمن يكون في السلطة ومن يكون خارج السلطة، وستتم أي تسوية برضاء الشعب، إذا كان القادة العسكريون مخلصين في الاستقلال عن النفوذ الأمريكي. وعلى الإخوان المسلمين أن يوقعوا على وثيقة الاستقلال التي تبدأ بإلغاء اتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل، التي كبلت استقلال مصر، مع التأكيد على استمرار التمسك بوقف إطلاق النار ما تمسكت به إسرائيل ولتعلن المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية وكافة القوى الوطنية المخلصة في بيان مشترك أن الشعب المصري حر مستقل لا يتقيد بالمعاهدات الظالمة المشار إليهما، وهما ‘اتفاقيتا كامب ديفيد ومعاهدة السلام’، وأنه يشكر الولايات المتحدة على ما قدمته من مساعدات سابقا، ويكتفي بهذا القدر مقابل إقامة علاقات ندية صحية وإنهاء عمل مؤسسة المعونة الأمريكية على أرض مصر، ووقف التعاون العسكري مع الولايات المتحدة ووقف التطبيع مع الكيان الصهيوني، من دون إعلان للحرب من جانبنا بل نحن نصر على استمرار وقف إطلاق النار كما هو الحال الآن، إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية ومخازن السلاح الأمريكي وإلغاء التسهيلات العسكرية للجيش الأمريكي، استمرار العلاقات بشكل طبيعي مع الاتحاد الأوروبي، إذا وافق ممثلو المؤسسة العسكرية من الصف الثاني ‘وليس من الانقلابيين الحاليين’ وممثلو الحركات الإسلامية والوطنية على هذه البنود فسينفتح أفق جديد في البلاد وكل الأمور المختلف عليها، التي أدت إلى إراقة الدماء سيمكن تسويتها بشكل يسير، ولكن في إطار أن البلد دولة مؤسسات ولابد من عودة دستور 2012 وإنهاء مهازل الانقلاب الخمسينية، ولابد من إجراء انتخابات برلمانية سريعة وعودة الرئيس مرسي لتأكيد الطابع المؤسسي واحترام الانتخابات، حتى ان تمت إجراءات رئاسية مبكرة بالتوازي مع الانتخابات البرلمانية، ونحن ندعو الشعب المصري بكل ميوله وانتماءاته الى ان ينضم الى حركة العدالة الاستقلال، وهي حركة مستقلة عن حزب الاستقلال، نعم نحن الذين دعونا لها لا نخفي هذا ووقع عليها أكثر من عشرة آلاف ولكننا نطرحها كوثيقة وشعار ونهج ولا نريد أي مركز قيادي بها’.
محمد علي بشر: ما سيختاره الشعب ملزم لنا
ولا اعرف ان كان بذلك ينعزل عن حزبه أم يعزل قياداته التي شاركت في المبادرة، أم يريد إحراج الإخوان بأن يجعلهم يعلنون رفض كامب ديفيد، وإفشال المبادرة، بأن يشترط عزل السيسي وقادة الجيش حتى رتبة عميد، أي اننا أمام مبادرة مضادة، وانشقاق داخل المستقبل، وهو نفس ما حدث في حزب الحرية والعدالة، إذ نشرت جريدته في نفس اليوم حديثا مع الدكتور محمد علي بشر أجراه معه زميلنا إسلام توفيق كان أبرز ما قاله:
‘يجب مراعاة أن الرئيس قد تحول إلى زعيم ورمز للشرعية، كما انه قد انتخب لدورة كاملة إلا أنه يمكن الحوار حول آلية يمكن من خلالها تحقيق مطالب من خرجوا في الثلاثين من يونيو، سواء بتنحي الرئيس أو بتفويض صلاحياته وذلك من خلال آليات الدستور وبالموافقة الكاملة للرئيس وبإرادته الحرة، وفي النهاية ستخضع كل هذه الاقتراحات للإرادة الشعبية وموافقة أو رفض الشعب لها، من خلال الآليات الديمقراطية المتعارف عليها، الاتهامات الموجهة الى الرئيس سياسية، وعلى الرغم من ذلك الدستور حدد كيفية اتهام الرئيس وطريقة محاكمته عن طريق ثلثي مجلس النواب وتشكيل المحكمة الخاصة، استفتاء على خارطة طريق السيسي كمخرج من الأزمة، نحن نقبل برأي الشعب المصري، بدلا من إجراء استفتاء الدستور الظلامي الباطل، وإذا رأى الرئيس مرسي ذلك كمخرج كريم من الأزمة ان يجري استفتاء على خارطتي الطريق وليرضوا على الشعب الخارجين وما سيختاره الشعب ملزم لنا، وفي هذه الحالة يكون الشعب هو من اختار بين الخارطتين، وسأنزل على رأيه إن اختار خارطة السيسي، طالما كانت الإرادة حرة ونزيهة، كما انه كانت هناك خيارات ديمقراطية عديدة بناء على إرادة الشعب المصري، وكان الاستفتاء الأولي منذ البداية هو قبول خريطة السيسي أم لا، إلا أن السيسي دمر العملية الديمقراطية وصادر الحريات ليجري استفتاء على هواه، لأن نتائج الانتخابات الحرة لن تريحه، وجاء بالانقلاب الذي عصف بكل الخيارات الديمقراطية، يجب أن تكون هناك ضمانات حقيقية لضمان نزاهة وحيادية الاستفتاء ويجب أن يكون هناك مناخ حرية سياسية كما كان مناخ الحرية قبيل استفتاء 2012، وهو المناخ الذي يسمح بإجراء حوارات وإبراز الآراء عن طريق فتح القنوات الفضائية التي أغلقت، فضلا عن ضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين حتى لا تكون هناك خصومة سياسية، كما يجب لتهيئة الأجواء تشكيل لجان تقصي حقائق حقيقية في كل الجرائم التي ارتكبت خلال الفترة الماضية، وذلك كله حتى يطمئن الشعب لمناخ الحرية وإبداء الرأي.
ويجب التأكيد انه لا تنازل عن الشرعية التي خرج من أجلها وهذا غير مقبول بالمرة، نحن الآن نتحدث عن إعادة مجلس الشعب أيضا كجزء من الشرعية الكاملة، لأنه حل بقرار سياسي وليس قانونيا، وإن تقرير المفوضين أقر بحل الثلث فتم حل المجلس بأكمله، رغم أن هناك اثنين وثلاثين مليونا خرجوا في الانتخابات’.
ومن الواضح انه يحاول الخروج من المأزق بطريقة غير مفهومة للوهلة الأولى، لكن الجوهر واضح، وهو انه لا إصرار على عودة مرسي، أو إبعاد السيسي ومحاكمته كما كانوا يطالبون، والقبول، بما جرى في الثلاثين من يونيو إذا وافق الشعب عليه في استفتاء.
حكومة لا تعرف حتى الآن
تسيير حركة القطارات
وندخل الى جريدة ‘التحرير’ لتتحدث لنا عن طريق كاتبها ابراهيم منصور عن حالة الارتباك العام التي تعاني منها الحكومة والتي تنعكس سلبا على المجتمع المصري كافة:’ لا أعرف – ولا يعرف غيري- ماذا يحدث على الساحة السياسية الآن. كل ما نعرفه – وندركه- أن هناك حالة ارتباك في أجهزة الدولة وعلى رأسها الحكومة. فالحكومة لا تعرف حتى الآن تسيير حركة القطارات. ولم تستطِع صيانة المزلقانات وعربات السكك الحديدية رغم منح هيئة السكك الحديدية وخطوطها إجازة إجبارية تقترب من مئة يوم. فماذا تنتظر من حكومة لا تستطيع السيطرة على حركة القطارات وخذ عندك ما يحدث فى الشارع من تسيب وإهمال وانتشار البلطجة وقطاع الطرق.. وغياب الأمن العام وتعقد مشكلة المرور. وحدِّث ولا حرج عن أكوام القمامة والزبالة في الشوارع، وأيضًا المخلفات في البناء والتعدي على الأراضي.. ووصل الأمر بالتعدي على الأرصفة والشوارع العامة.. وأصبح المعتدون يرون أن ما يفعلونه حقهم الطبيعي ما دام لا يحاسبهم أحد. ولا أحد أيضًا يحاسب الحكومة. وكل وزير وشطارته.. تجد وزيرًا يعمل بإخلاص وتفانٍ.. وتجد آخر ليس له علاقة بما يحدث.. وثالثا يعمل على تمرير الأمور، لا فرق عنده ماذا يحدث. وأيضًا هناك بعض مؤسسات في الدولة يعمل في إطار مصلحته، كأنه ليست هناك مؤسسات أخرى.. ولا يراعى حق الدولة وحق المواطن في خدمة هذه المؤسسات.
ولعل ما حدث – ولا يزال يحدث- في لجنة الخمسين، التي تكتب الدستور -أقصد تدخل تعديلات وترقيعات على دستور الإخوان المعطَّل- من صراع الفئات والمؤسسات على الظهور على صفحات الدستور، حماية لها.. بل وتحديد مهامِّها.
ووصل الأمر إلى تناحُر هيئات قضائية.. سعيًا إلى مزيد من النفوذ.. لا من أجل البحث عن استقلال القضاء الذي ناضل الشعب من أجله، ووقفوا ضد السلطة الاستبدادية التي اعتدت على القضاء. وسعت فئات أخرى كثيرة إلى الحصانة لها في الدستور.
ونرى كل مؤسسة مشغولة بأمورها.. ولا يهمها ما يجري على الساحة، أو تسعى إلى التلاحم مع المؤسسات الأخرى. كأن بين تلك المؤسسات تصفية لمواقف متعارضة خلال المرحلة السابقة ومنذ ثورة 25 يناير.. خصوصًا مع صعود بعض النماذج التى كانت على عداء مع الثورة.. ولا أحد يقول لي إنها كانت في خصومة مع الإخوان.. فقد حاولت تلك العناصر خدمة الإخوان.. وحاولت تقديم نفسها لهم.. وهناك من التقى خيرت الشاطر بشكل سري.. وهناك من عمل في غسل أموال الإخوان.. والغريب أن هؤلاء جميعًا يدّعون الآن الثورية وأنهم ثوار 30 يونيو والثورة منهم براء، فهم يعملون لمصالحهم الشخصية، ولعل ما يفعلونه الآن من سعيهم للحصول على تمويل ومصالح ممن يدعم النظام الحالي.. تحت لافتة أنهم من داعمي النظام الذى لم يتشكل بعد، وربما يختلف عن مصالحهم.. فهم قد تَعوَّدوا الخدمة والسير وراء أوامر من يمنحونهم العطايا! بين كل المؤسسات حالة ارتباك فى هذه المرحلة. واستمرار هذا الارتباك سيؤدِّى إلى الفشل الكامل.
فنحن نسير إلى الدولة الفاشلة. وهناك غياب للعقول الراشدة التي تسعى إلى المصلحة العامة. وغياب لمن يعمل لمصلحة الوطن والشعب. وغياب للأحزاب السياسية التي تدّعي البطولة والثورية بعد نجاح الثورة.. رغم أنها كانت في حظيرة الأنظمة الاستبدادية وفي خدمتها.. وتقدم فروض الولاء والطاعة. فأين هي تلك الأحزاب من الشارع الآن؟ بل هناك تكاثر ممن يسعى إلى مصالحه الشخصية، ومن بينهم قيادات أحزاب خارجة من نظام استبدادي أمني.. وما زالت تسعى إلى الوجود بتغيير جلدها وتبعيتها!’.
‘النفخ في الزبادي’ قد يكون ضرره أكثر من نفعه
ونقرأ في جريدة ‘الشروق’ مقالا للكاتب ايمن الصياد بعنوان ‘هوامش دستورية’ يقول:’ نخطئ كثيرا، ولعلي أول المخطئين حين تجعلنا دروس الماضي ننشغل عن قضايا مستقبل ينبغي أن يكون أول همنا، ومناط اهتمامنا وانشغالنا.
ونخطئ كثيرا، ولعلي أول المخطئين حين يستغرقنا ‘ما جرى’، رغم كونه ‘عبّد الطريق’ إلى لحظة وصلنا اليها مسكونة بالقلق، واللايقين.. والأسئلة.
أول الأسئلة، أو أقربها بحكم ‘خارطة طريق’ أردناها حاكمة هو ما يتعلق بالدستور (الثاني عمليا في عام واحد) بعد العديد من الإعلانات الدستورية التي أدى الاختلاف حول بعضها إلى إراقة الدماء. كما كانت التضحية بالدماء طريقا نبيلا إلى بعضها الآخر (13 فبراير 2011).
سيبدأ التصويت هذا الأسبوع على المسودة التي كان من الطبيعي، والحال كما نعرف ألا تنجو من نتائج ضغط الوقت، بعد أن لم تنج من نتائج ضغوط من هذه المؤسسة أو تلك، فضلا عن ضغوط هواجس وتوجسات حاكمة بالضرورة لهذه اللحظة الخاصة جدا من تاريخ مصر. (رغم أننا جميعا نعرف أن ‘النفخ في الزبادي’، الذي يشير إليه المثل الشعبي المصري، قد يكون ضرره صحيا أكثر أحيانا من نفعه).
قد تدفع بالبعض حسابات يُقدرها إلى أن يغض الطرف عن صياغة تسللت ‘أو تمكنت’ من هذا النص أو ذاك. وهذا طبيعي ومفهوم. إلا أنه لا أحد بوسعه أن يغفل أهمية ما ستأتي به نتائج الاستفتاء؛ الخطوة الأولى على ‘خارطة طريق’ وعر لا يحتمل عقبة هنا أو عثرة هناك. فالحكمة تقــتضى الإقرار بحقيـــقة أن الشارع لم يعد كما كان عشية الثلاثين من يونيو، بعد أن حاول اختطافه أولئك القادمون بنظام مبارك؛ تجاوزا أمنيا مضرجا بالدماء، أو تهافــتا إعلاميا معجونا بالنفاق والغباء.
لا أحب أن أعطي لاستطلاعات الرأي، خاصة في بيئتنا تلك أكثر مما تستحق. ولكنني أحسب من الحكمة أيضا ألا نتعالى على نتائجها؛ تجاهلا أو إنكارا أو ثقة في تقارير لا تخلو مما اعتادته من نفاق أو خوف لا يرى الملكَ أبدا ‘عاريا’.. وفى هذا السياق تأتي قراءة استطلاع الرأى غير المنشور لمؤسسة جيمس زغبي الذي أشار إليه الصديق مصطفى النجار قبل أيام (‘الشروق’ 22 نوفمبر)
عرفنا غير مرة معنى ‘التصويت العقابي’ وجربنا نتائجه. ونعرف أن نصا لمادة واحدة يرفضها أحدهم، أو يتوجس منها، كفيلة ‘في حالتنا تلك’ بأن تدفعه للتصويت بلا على الدستور بكامله. وليس بيننا من لا يدرك العواقب السياسية و’الواقعية’ لذلك. في القلب من هذا المشهد، وليس على هامشه أن عددا لا بأس به من الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني، وشباب نقي ‘غير مسيس’ لا يهمه غير أن شكل أيامه القادمة تحددها سطور تُكتب الآن (منهم من كان له دور كبير في مجريات الأحداث التي قادتنا إلى الثلاثين من يونيو) صدر بالأمس فقط ما سموه ‘وثيقة الحد الأدنى للدستور’. وهي نتاج جهد استمر متواصلا منذ الثلاثين من يونيو وحتى الآن. ورغم حقيقة أنها ليست ‘دستورا’، كما لا يتوافر لها ما هو ضروري في الصياغات الدستورية، إلا أن ‘تقدير الموقف’ والاستعداد لكل السيناريوهات المتوقعة، يجعل من الأهمية مقارنتها بما سيجرى التصويت عليه، ومن ثم طرحه للاستفتاء.
نعرف كما يعرف القانونيون، أننا ‘قانونا’ بصدد إدخال تعديلات على دستور 2012، مما كان له أن يوفر للمشرع مرونة كافية بعدم الاضطرار إلى ‘استحداث نصوص ملغمة’ قد تأتي بما لا يرغب فيه أحد. ولكنني لا أعرف، عمليا ‘والوقت داهمنا’ كما يقول مقدمو البرامج التلفزيونية، كيف السبيل إلى ما نادينا به سابقا من إرجاء واقعي لتلك القضايا التي بدا كم هي ملتهبة، والمحكومة فعليا بقدر معتبر من الهواجس والتوجسات المشروعة، سواء تلك المرتبطة بوضع المؤسسة العسكرية، أو الهيئات القضائية المختلفة، أو كوتة المرأة، أو نسبة العمال والفلاحين، أو النظام الانتخابي، أو حتى تلك ‘المفتعلة’ المرتبطة بالهوية. ناهيك عن تلك التي بدت ‘فئوية’ بامتياز، أو تستحضر ‘حديث الأقليات’ المربك والمقلق؛ إن في حسابات المستقبل، أو حسابات الصندوق.
كنت أفضل، كما أشرت قبل أسبوع أن نعتمد فكرة الاقتصار على دستور مصغر ‘مؤقت’ لا يضم غير المواد التي تكون محلا لاتفاق الجميع، وتحذف منه كل المواد الخلافية أيا كانت. وينص في ديباجته بوضوح على أن هذا ‘ما اتفق عليه’ المصريون، ثم يحدد فى أحكامه الانتقالية تاريخا للعودة لبحث أمر ‘دستور دائم’، بعد سنوات تكون فيها النفوس قد هدأت، والمناخ أصبح أكثر ملاءمة لحوار حقيقي هادئ وناضج ومتزن، لا تحكمه هواجس ‘اللحظة الآنية’، ولا المواقف ‘المسبقة’ من الآخر.
ربما فات، عمليا وقت ذلك. ولكنني أحسب أن مجرد الإشارة إلى أنه دستور ‘انتقالى مؤقت’، وهو ‘واقعيا’ كذلك، قد تهدئ من مخاوف وقلق كثيرين. وكحل احتياطى لا أكثر، أعيد طرح الفكرة. ‘كمرفأ اضطراري’ يلجأ له الربان إذا ما أتت الرياح بما لا تشتهى السفن.
يبقى مما يحسب للجنة الخمسين أن بين أعضائها من أدرك أن للتحول الديمقراطى إلى شرعية دستورية ‘حقيقية’ متطلباته. وأن هذا التحول لا يمكن له أن يُستكمل بنجاح وسلام، إلا بإنفاذ معايير وآليات العدالة الانتقالية المتعارف عليها. ولذلك فلابد من الترحيب بما جاءت به المسودة من نص يشير إلى ذلك. ورغم أنني أعرف ‘وأقدر’ ما كان من جهد للبعض وراء تمرير النص، رغم صعوبات ومخاوف مفهومة ومتوقعة، إلا أنني كنت أتمنى أن يأتي بصورة أكثر حسما، تحول دون أي تضارب دستوري في المستقبل، خاصة مع القواعد المستقرة لعدم ‘رجعية التجريم’ مما يسمح بمساءلة ‘سياسية’ حقيقية. تصبح الخطوة الأولى لتغيير حقيقى يحقق طموحات شباب خرج في يناير 2011 يطالب ‘بإسقاط نظام’، لا بتنحية أفراد، ولا بانتقام أو نصب مشانق. وأظن أن نصا واضحا من قبيل ‘تنشأ مفوضية عليا للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، تقوم على تحقيق متطلباتهما. وتضع القواعد الخاصة بالمساءلة السياسية، التي لا تسقط جرائمها بالتقادم، كما لا تقيدها القواعد العامة لعدم رجعية التجريم. ويكون للمفوضية استقلال كامل عن السلطتين التنفيذية والتشريعية وعن الأحزاب السياسية. ويحدد القانون مهامها واختصاصاتها وطريقة تشكيلها’ كان جديرا بأن يناقش ليأخذ ما يستقر عليه النقاش، وصياغة الدستوريين مكانه في باب الأحكام الانتقالية’.