القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: الدكتور مجدي يوسف واحد من النقاد المصريين الذين يشاركون بجدية ودأب في تشكيل المشهد الثقافي الراهن، وقد أصدر عدة كتب مهمة خلال السنوات الماضية كان آخرها كتابه ‘معارك نقدية’ الصادر في سفر ضخم عن الهيئة المصرية العامة للكتاب وتناول فيه بالتقييم أفكار عدد من كبار مفكرينا مثل فؤاد زكريا وعبدالوهاب المسيري وجلال أمين.
أسس الدكتور مجدي يوسف الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضاري في جامعة بريمن بألمانيا منذ عام 1981 وقد أصبح لها صفة استشارية في المجلس الاجتماعي الاقتصادي للأمم المتحدة، وكذلك أسس دراسات الأدب العربي الحديث بجامعة كولونيا عام 1995 وذلك للمرة الأولى في التاريخ المعاصر للجامعات الألمانية، أصبح محاضرا للأدب المقارن إلى جانب تكليفه بتدريس الأدب العربي المعاصر، وحاضر كأستاذ في العديد من الجامعات المصرية والعربية، وله أكثر من تسعين بحثا ودراسة منشورة بالعربية وبست لغات أوروبية يحاضر ويؤلف بثلاث منها هي الألمانية والفرنسية والانكليزية.
ويقول الدكتور مجدي يوسف انه معني بصورة خاصة ببلورة وعي بحثي نقدي ومنتج للمعرفة التخصصية في عالمنا العربي الراهن، ويقول إنه دون ذلك لن نتمكن من التصدي لطوفان السوق العالمية وما تحمله من اتفاقيات حماية الملكية لبراءات الاختراع الأجنبية، فسوف تعاني الشعوب العربية كثيرا إن لم تسارع بتنظيم وتكثيف قدراتها على انتاج المعرفة التخصصية صدورا عن الاختلاف الموضوعي لثقافتنا الاجتماعية وتباين تربتنا البيئية والحضارية عن سواها من البلاد المنتجة للمعرفة.
حول هذه القضايا وغيرها تحدثنا إلى الدكتور مجدي يوسف.. وهنا الحوار:*في البداية، ما هي قصة تأسيسك لقسم الأدب العربي بجامعة كولونيا بألمانيا؟*في البداية كنت قد ذهبت إلى المانيا لنيل درجة الدكتوراة في علم النفس، وعندما وجدت نفيا كاملا للأدب العربي الحديث وكنت لا أزال في العشرينات من العمر، قررت تأسيس قسم لدراسات الأدب العربي الحديث، وتم تعييني فيما بعد أستاذ مادة الأدب العربي الحديث بجامعة كولونيا، بعد اقتناع الجامعة بأن الأدب العربي يستحق أن يدرس، وهذه كانت أول سابقة في كافة الجامعات الألمانية.*وكيف وجهت الدراسة إلى الأدب الحديث دون القديم، وكيف عالجت موضوع المحاكاة والتقليد بين أدبنا وأدب الغرب؟*عندما انشغلت بتقديم الأدب العربي الحديث، وجدت أن هذا الادب له علاقة خاصة بتراثه من ناحية، وتزامنه مع آداب ذات جذور اجتماعية مختلفة، خاصة في بلاد الشمال حتى فيما يتعلق بظهور الأجناس الأدبية الأخرى مثل المسرح والرواية والقصة، وتبينت من خلال دراساتي انه يجب أن أعلم وأتعلم، فالمسألة أن هذا الأدب ليس مجرد محاكاة للأنواع الأدبية الغربية حتى لو حاول ذلك، فهو له خصوصية نابعة من تراثه وأرضيته المجتمعية الثقافية المختلفة موضوعيا عن السياقات الاجتماعية الثقافية التي أنتجت تلك الأنواع.
وأصبح اهتمام البحث في المقام الأول منصباً على استكشاف هذا الاختلاف الموضوعي بين الأنا والآخر الذي بدا وكما لو كان موضوعا للاستحياء والمحاكاة في عالمنا العربي الحديث.*في إطار هذه المسيرة طالبت بتأسيس قسم مستقل للأدب المقارن، وناهضت فكرة الآداب القومية في إطار هذا العلم؟*صحيح، لأن موضوع هذا الأدب هو البحث في علاقات التوازي والاتصال بين الآداب القومية بعضها بالبعض الآخر ولكنه حتى يصبح علما لا بد له ألا يتوحد بأي منها، وانما يصبح له أدواته البحثية المستقلة عن أدوات درس مختلف الآداب القومية التي ينظر إلى كل منها من منطلق أو منظور محايد، ولكن هذا التوجه لاقى وما زال يلاقي مقاومة شديدة لدى أساتذة الآداب القومية، فما زلنا حتى اليوم كراسي أستاذية بما يدعى الأدب العربي والمقارن أو الأدب الانكليزي والمقارن إلخ، والقصد من وراء التسمية هو الخروج من إطار الأدب القومي الى علاقته بأدب قومي آخر، ولكن أن يدرس مثلا علاقة شوقي بأحفاده الشعريين كما يدعوهم حجازي هذا يدخل في صميم الأدب العربي الحديث، ولكن أن يدرس استقبال فيكتور هوغو في الأدب العربي الحديث فهذا ليس أدباً مقارناً في رأيي انما هو توسيع لدائرة الأدب العربي الحديث لأن استقبال هوغو في هذا الأدب ينتمي إلى الأدب المستقبل ومن ثم يصبح جزءا من الأدب العربي الحديث بمعنى أوسع من العلاقات الداخلية في هذا الأدب ولكنه ـ كما قلت ـ ليس بالأدب المقارن، لأن هذا الأدب يجب أن يدرس العلاقة بين ما لا يقل عن ثلاثة آداب مختلفة من منظور غير متوحد بأي منها.
فاستقبال ألف ليلة في فرنسا أو في الأدب الفيكتوري هو من موضوعات الأدب الفرنسي القومي وليس من موضوعات الأدب المقارن، ولعل أزمة الأدب المقارن تنبع من هذه النقطة، فهو يشابه علم الأديان المقارن الذي لا يتوحد بأي من الأديان التي يقارن بينها وبين بعضها الآخر إذ أنه لو توحد بأي منها تفسد علميته في اللحظة، ولكنه لهذا السبب بالتحديد مكروه من جميع الأديان.*وكيف ترى صورة الأدب العربي الآن بعد وجود أقسام مختلفة لتدريسه في الجامعات الغربية؟*اختلفت بالطبع صورة الأدب العربي الحديث بعد تدريسه في أوروبا، فقد لعب جاك بيرك دورا كبيرا في فرنسا ولعبت نفس الدور في المانيا، وكان لا بد للباحث أن يشتغل أولا على الأدب، وكانت أول باحثة ألمانية حصلت علي الدكتوراة في هذا المجال غوتراوث فيلا وقد تخصصت في المسرح العربي المعاصر، وبالنسبة لي كانت دراسة علاقة الآداب القومية قد جعلتني أتحول بفكري إلى منطقة أخرى، وأصدرت كتابي بريشت في مصر الذي صدر بالألمانية وحصلت به على درجة الدكتوراة عام 1975، وقد ظل الكتاب موضع مناقشة لمدة 15 سنة، وكان منهج الكتاب يجيب علي لماذا بريشت؟*ما تقوله يعني أن ثمة صورة مختلفة لأدبنا العربي في مرآة الغرب، كيف ترى ذلك؟*شاءت الصدفة المحضة أن أكون شاهدا ومشاركا في اختراق حائط التحفظ الشديد علي الاعتراف بأية قيمة لأدبنا الحديث في جامعات ألمانيا الاتحادية، وهو ما أدي إلي تغيير وجهتي البحثية.
كان ذلك في أوائل الستينيات عندما كنت أستعد للحصول على الدكتوراة في علم النفس من جامعة كولونيا بألمانيا.
ولما كان يتعين على الطالب، حسب لائحة الدكتوراة هناك، أن ينتظم ـ بالإضافة لفرع تخصصه الذي سجل فيه رسالته ـ في درس فرعين آخرين مختلفين، فقد اخترت الأدب العربي كواحد منهما، ظنا مني أنه الأيسر والأقرب إليّ ولكني فوجئت بأن أحدث ما يدرس فيه لا يتجاوز الأحكام السلطانية للماوردي، ومقدمة ابن خلدون، أما ما تلى ذلك من آداب العرب فلم يكن له أي تقدير أو اعتراف ليس في جامعة كولونيا وحدها، وانما في جميع الجامعات الألمانية آنذاك، لذلك وجدت نفسي مستنفرا للرد على هذا الاستبعاد الذي يتضمن رفضا ليس فقط لأدبنا العربي الحديث، وانما بالمثل لشخصيتنا الحضارية المعاصرة برمتها، وعندما توفي العقاد ألقيت محاضرة عامة عن حياته وأعماله في جامعة كولونيا عام 1964 حضرها الى جانب أساتذة علوم الاستشراق سفيرا مصر والعراق في بون آنذاك ثم رحت أنشر في المجلات والصفحات الثقافية بالصحافة الألمانية عن الأدب والمسرح العربي الحديث إلى أن اتصل بي في ذات يوم من عام 1965 رئيس قسم الدراسات الشرقية بجامعة كولونيا، طالبا مني أن أقوم بتدريس الأدب العربي الحديث والمعاصر بنفس القسم والجامعة.
وهكذا أصبحت أستاذا لتلك المادة المستحدثة منذ تلك السنة ولم أكن حاصلا على الدكتوراة.*ولماذا تأخرت في الحصول علي الدكتوراه؟*حصلت على الدرجة بعد ذلك بعشر سنوات من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة بوخوم بألمانيا، والسر في عدم إسراعي بالحصول على هذه الدرجة والدكتوراة أنها كانت أقل علميا وإداريا من الدرجة التي كنت معينا عليها كعضو بهيئة التدريس.*لا تبدو متوافقا في فكرة العقل التنويري الذي تشيعه النخب العربية منذ أكثر من قرن، بدا ذلك في نقاشك المطول مع الدكتور فؤاد زكريا، لماذا؟*الفصل الناجز بين التفكير العلمي والتفكير السحري كان مضمون مقال للدكتور فؤاد زكريا قمت بالرد عليه، لا سيما في ذلك الفصل بين التعريفين ونسبة الأول للغرب ونسبة الثاني للشرق.
واستطيع القول ان التفكير العلمي والتفكير السحري يستهدفان تغيير الواقع، بل ان العلم الحديث نفسه نشأ وتولد في الغرب من علم السيمياء الغاص بالمعتقدات السحرية، حتى أن كارل غوستاف يونغ بني تصوراته عما دعاها الأنماط الأولية على تفسير رموز تلك المعتقدات السحرية الخاصة بالسيمياء الغربية وتلك القطيعة المعرفية بين ما هو علمي وما هو سحري أقرب إلى موضوع الإيماجولوجيا، أحد فروع الدراسات المقارنة في العلوم السياسية والأدب المقارن التي تعنى بدرس وتحليل التصورات الذاتية للشعوب عن بعضها البعض ومدى اختلاف تلك التصورات عن الواقع الفعلي الذي تعيشه تلك الشعوب سواء وعت به أم لم تع، أما البحث العلمي الحق فلا ينهض إلا على طرح تساؤلات متخيلة على النموذج العلمي السائد، وقد تبدو هذه التساؤلات للباحث التقليدي شطحات بعيدة المنال، ولكن هذه الشطحات الخيالية هي التي كثيرا ما تزعزع النماذج السائدة في العلم في تعرفه على الطبيعة لتقوم مقامها بعد أن تثبت صحة فرضياتها المتخيلة إلى أن يأتي من يزعزعها بدوره وهلم جرا.*إذن أنت تبحث عن منهجية مختلفة وأدوات جديدة للفهم نابعة من التاريخ الثقافي الخاص ومن الجغرافيا أيضا، هل ترى ذلك؟*ما أريده هو ضرورة مغادرة التبعية المنهجية في مختلف تخصصاتنا الرقيقة للنماذج التي تعلمناها في العصور الحديثة من أقطار الشمال، إذ أن هذه المنهجية ليست بمعزل عن التاريخ الاجتماعي والثقافي، ومدى كثافة النمط الانتاجي السائد في البلاد التي أنتجتها.
ومن ثم فهذه المنهجية ليست حيادية ولا مستقلة عن الاحتياجات المحددة التي أدت اليها وسؤالي هو: هل نقل هذه المنهجية بحذافيرها إلى مجتمعاتنا يلبي احتياجاتنا الفعلية للتنمية، أم يدخل في إطار التصورات الذاتية حول تجوز التخلف، وما السر في تخلفنا الحالي على الرغم من محاولتنا تبني هذه المنهجيات الحديثة على مدى القرنين الأخيرين؟*إذن أنت لا تسلم بتلك التبعية المنهجية، ولا تسلم أيضا بنتائجها، ألم يكن *لحقبة التنوير أصداء لدينا؟
حقبة التنوير في العالم كانت مختلفة من مكان إلى مكان، فالتنوير الفرنسي غير الانكليزي غير الألماني، ومختلف ايضا عن خطابه في مصر في مطلع القرن الماضي، وقد ضربت مثالا على ذلك بتأثر محمد حسين هيكل بأفكار روسو الفلسفية وتوظيفه إياها لتبرير مصالح طبقة كبار ملاك الأراضي التي أصبحت تتطلع للهيمنة السياسية في مطلع القرن العشرين في مصر، أما ونحن الآن في مطـلع قرن جديد فما وجه منازلة هذا التيار من الفكر الليبرالي الى الغربي في روافده العربية، وهو الذي صار بائدا تنبو عنه ملابسات الواقع الحالي وصراعات خطاباته الثقافية، اللهم إلا إذا كان القصد من وراء ذلك هو الإيحاء بنوع من الموازاة بين السياق الذي صعد فيه ذلك الفكر العقلاني الليبرالي في أوائل القرن العشرين في مصر، ليجابه تدفق المشاعر الثورية لدى عامة المصريين المطحونين من جراء الهيمنة الاستعمارية والتي أفضت بهم الى ثورة 1919، والمناداة بالرجوع الى الرشد والعقلانية التي يرفع لواءها مفكرون يشعرون بمسؤوليتهم الاجتماعية في المرحلة الدقيقة التي يمر بها مجتمعنا في الوقت الراهن من امثال الدكتور محمد دويدار والراحل شكري عياد، مقابل الشارع السلفي الذي يرفض إلا ما تدعوه إليه نفسه وما يحثه عليه ضميره الذي لا يقبل قيدا عليه من العقل أو تمحيصا هادئا دقيقا لتصوراته التي يعتقدها اعتقادا راسخا انها مطلقة لا تقبل المراجعة.