مجرد صدفة

أجاهر بعدائي الشخصي القديم المتجدد لنظرية المؤامرة، والنوايا المبيّتة، وحشر أمريكا (والاستعمار) في تفسير البلاوي التي تحل علينا من كل حدب وصوب. وأرى أن كثيرا من الأحداث توالت مؤخرا بزمن قياسي جدا فقط بمحض الصدفة، لا غير، وان كان الأمر يصعب على التصديق، أو حتى على التخيل، مع فسح المجال للخيال ليحلق كيفما شاء، من دون قيود.
في مصر الآن حكومة مؤقتة (الى متى؟) وحكومة طوارئ وأحكام عسكرية (الى متى؟ سؤال بريء ومكرر، عفوا ) يقولون انها حكومة نبتت فجأة لتلبي الشرعية للشعب، لا للحاكم، حكومة ستواجه الارهاب الذي تتعرض له المحروسة. انها حكومة تصحيح مسار ثورة الخامس والعشرين من يناير بالثورة الجديدة، ثورة الثلاثين من يونيو. انها تاريخية ان تستخدم نفس المصطلحات التي ألفناها في خمسينات وستينات القرن الماضي، حينها أيضا لم تكن انقلابات، بل حركات تصحيحية، وتلبية لمطالب الشعوب وطموحاتها. تماما نفس الجنرالات ولكن برتب عسكرية مختلفة، وأسماء متنوعة، وكلهم مولعون بالنظارات الشمسية، والتكلم ببطء (ممل) ربما حتى نستوعب الدرر والحكم القّيمة بترو.
ليست الا أن يقول القضاء المصري الآن (في عصر السيسي) قولا فصلا، غير قابل للنقض ولا الاستئناف، ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك واخلاء سبيله. وإيداع الرئيس المعزول محمد مرسي (ما الفرق أساسا بين لفظ المخلوع والمعزول) في نفس السجن، وربما نفس الغرفة.
ما وجه الغرابة في أمر كهذا؟ فالقضاء المصري عادل جدا، يخرج المخلوع من السجن ويولج المعزول الى السجن في لمح البصر. يعز من يشاء ويذل من يشاء، صدفة في الزمان والمكان والشخوص، صدفة يا عالم، لماذا لا تصّدقون؟
تتابعت المجازر في مصر، الحرس الجمهوري، المنصة، ميدانا رابعة والنهضة، وسجناء ابو زعبل قبل أن يصلوه، والجنود المصريون في شمال شرق سيناء، ثم مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية لدمشق. قد يقول قائل ان الصمت الدولي الذي رافق المجازر في مصر، اذا استثنينا بيانات الادانة شديدة اللهجة، والقلق الذي هب من الغرب، ودعوات ضبط النفس، قد يكون المحرّك للحكومة السورية للتمادي في غيّها والبدء بمسلسل مجازر جديدة كما ونوعا، طالما ان الرد الدولي سيكون استنكارا واستهجانا، وقلقا شديدا، وصدمة وذهولا فقط . المجتمع الدولي زاد على كل هذا بالمطالبة بتحقيق عادل وشامل وفوري (يا سلام، حزم مدهش) واجتمع مجلس الأمن ولم يصدر قرارا، بل بيانا، ثم انصرفوا على عجل. كل هذا تكهنات، ليس عليها أي دليل ولا برهان، مع ان الأمر قد لا يعدو كونه محض صدفة لا يريد أن يصدقها أحد.
في خضم ثورات الربيع العربي التي لم تثمر بعد، انطلقت جولات جديدة من المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. هذه المفاوضات العبثية على مدار العشرين سنة الماضية، التي لا تلبث أن تنتهي فور انطلاقها، ثم لا تلبث ان تولد من جديد، وهكذا كمسلسل سيئ الاخراج، حبكته غامضة تبدأ من الحلقة الاولى، وتنتهي من دون أن نفهم شيئا البتة. توقيت هذه المفاوضات الان، قد يفسره أصحاب نظرية المؤامرة، على أنه نتاج طبيعي جدا للتشرذم العربي، سواء في الدول التي شهدت ربيعا او الشعوب التي ما تزال في خريفها. قد يكون هذا منطقيا، وقد يكون الامر كله محض صدفة، ليس الا، ربما.
الوضع الامني المتدهور ببطء في لبنان قد يعزوه البعض الى استقطاب القوى اللبنانية في الامر السوري المتدهور على مدى عامين ونصف العام، وانهما تاريخيا وجغرافيا مرتبطين ارتباطا وثيقا، قد، وقد يكون للصدفة دور هنا أيضا.
عود على بدء، في الشأن المصري، أليس غريبا ان تخرج الجماهير المصرية لتخلع مبارك قبل عامين ونصف العام. الان يفرج عنه والغاضبون الوحيدون هم الاسلاميون. هل يعني هذا أنهم الثوار الحقيقيون والذين تحالفوا مع العسكر هم من الفلول؟
هل يفهمها أحد على شكل مغاير؟ الاعلام المصري يردد تهمة الرئيس المعزول محمد مرسي الرئيسية بانها التخابر مع حماس، على اعتبار ان حماس الان عدوة ‘الثورة’ المصرية الجديدة. امريكا الان تهاجم من قبل الاعلام المصري بسبب استنكارها لطريقة فض الاعتصام والتهديد بقطع المعونات وادانة المجازر وحكم العسكر والدعوة للعودة للديمقراطية، اي ان أمريكا الان عدوة الثورة الجديدة.
سؤال بسيط جدا لماذا لا توجه الحكومة المصرية الثورية الحالية لمبارك تهمة جديدة: التخابر مع امريكا (فقد كان المخلوع يخابرها ليلا ونهارا، سرا وجهارا لثلاثة عقود)، وتزج به بالسجن مجددا، وهي تهمة لن يستطيع انكارها ولن يستطيع المحامون الجهابذة (ولا النائب العام ) ان يبرئه منها، أليس كذلك؟ وبذلك تثبت القوى الانقلابية الجديدة انها اكثر ثورية من الاسلاميين.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية