خالد الشامي:
من بين مشاعر الحزن والصدمة والرعب وعدم التصديق، التي خيمت على المصريين منذ وقوع مجزرة الاسكندرية، برزت اسئلة صعبة لم يعد ممكنا تأجيلها الى اشعار اخر، كما حدث في ظروف مشابهة بالماضي.
ومن بين تلك الاسئلة ان كان النظام سيفهم مدى الخطورة التي تمثلها هذه المجزرة، ويبدأ في البحث عن مقاربة جديدة وشاملة لمعالجة الملف الطائفي؟ ام انه سيكتفي باعادة انتاج خطابه المرهق وشعاراته المستنفدة حول ‘صلابة الوحدة الوطنية’ ومحاولة تصدير المشكلة الى الخارج، باتهام ‘جهات اجنبية’ بعد ساعات قليلة من الهجوم، والدعوة الى ‘تجاوزه’، كما ورد في تصريحات عدد من المسؤولين، في جهد واضح للتنصل من مسؤوليته.
ولا يجد المراقب للشأن المصري دليلا على ان النظام ابدى استعدادا في الاونة الاخيرة لاستيعاب رسائل عديدة تنذر بتفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية والطائفية في مصر، ما يرجح ان النظام سيحاول ‘تجاوز’ المجزرة الاخيرة بالاسلوب نفسه الذي اثبت فشله الذريع في تجنب ما اصبح يخشى ان يكون ‘بداية كارثة طائفية’ تهدد البلاد.
اما السؤال الاهم فهو ان كان ممكنا اعادة النظر في مظالم الاقباط الحقوقية والسياسية، من دون مراجعة اشمل لملف حقوق الانسان والاصلاح السياسي في مصر؟ واذا كان هذا صعبا فهل سيدرك الاقباط ان خلاصهم لا يمكن الا ان يكون جزءا من خلاص الامة المصرية، مما تصفه المعارضة بنظام الاستبداد؟
ويتوقع المراقبون ان يستخدم النظام المجزرة في تبرير الابقاء على قانون الطوارئ، الذي فشل في منع العنف الطائفي على مدى ثلاثين عاما، باعتبار ‘ان مصر مستهدفة من الخارج’، وهو ما قد يعني عمليا الابقاء عليه الى الابد، حيث انه من غير المرجح ان يكف اعداء مصر عن ‘استهدافها’ في المستقبل المنظور. وستحاول الماكينة الاعلامية الضخمة للنظام تحميل ‘الاسلام السياسي’ المسؤولية عن الاحتقان الطائفي، في محاولة لتبرير الاجراءات القمعية ضد خصمه الرئيسي وهو جماعة الاخوان.
اما الكنيسة فمن المرجح ان تكتفي بالسعي لاستخدام الغضب القبطي الذي تفجر في شكل مظاهرات امتدت امس من الاسكندرية الى اعالي الصعيد، في الحصول على مكاسب او تنازلات من الدولة في عدد من الملفات الشائكة، وبينها قضايا الزواج المدني، والحصول على احكام مشددة ضد مسلمين متهمين، والافراج عن معتقلين مسيحيين في قضايا طائفية، وحسم نزاعات على اراض لتوسيع كنائس او بناء كنائس جديدة.
اما المعارضة، فان السؤال هو ان كانت ستنجح في اتخاذ موقف يستفيد من طاقة الغضب في الشارع ازاء النظام، خاصة ان حادثة مقتل الشاب الاسكندري خالد سعيد في حزيران/يونيو الماضي كانت اسهمت في جمع فصائل المعارضة المعروفة بضعفها وانقساماتها؟ ولا يستطيع المراقب تجاهل الغياب الفادح لدور المثقفين او الحكماء من الجانبين في احتواء الاحتقان الطائفي، بل ومساهمة بعضهم في اذكائه، اما عبر تبني خطاب النظام وتبريره، او بالتورط في لغة مستفزة لاحد الطرفين.
وليس غياب دور ‘المثقف العضوي’ عن الملف الطائفي سوى جزء من غياب اشمل لـ’الانتلجنسيا’ عن ملفات التحول الديمقراطي وحقوق الانسان وقبول الاخر والتحرك السياسي الذي تعرفه مصر منذ نحو ست سنوات.
وعبر اقباط شاركوا في مظاهرة احتجاج على المجزرة في لندن امس عن شعورهم بالمرارة تجاه النظام ووسائل الاعلام والمجتمع في آن، رافضين ان يتحمل طرف واحد مسؤولية ما حدث. واتهموا النظام بالتقصير الامني والسياسي في حمايتهم من التمييز والتحريض والعنف اللفظي والجسدي ضدهم، ما يوفر الاجواء التي تؤدي لمثل هذه الهجمات.
ويرى مراقبون ان مجزرة الاسكندرية ليست سوى احد مظاهر حال الاحتقان الطائفي، وهذا بدوره يعود الى انسحاب الدولة وانهيار هيبتها في معالجة هذا الملف الخطير. ومن اهم مظاهر هذا الانسحاب عدم اعتماد قانون موحد لبناء دور العبادة، ما خلق حربا صامتة بين المسلمين والمسيحيين في هذا المجال.
ويشكو مسيحيون من ان المسلمين يستطيعون بناء مساجد في اي مكان من دون عراقيل، بينما يحتاجون هم الى موافقة رئيس الجمهورية ممثلا في المحافظ لبناء كنيسة، وتعود هذه السياسة الى العهد العثماني، كما يقول ‘الخط الهمايوني’. كما يشكون من انهم كلما بنوا كنيسة سارع المسلمون الى بناء مسجد امامها. ويشكو المسلمون من ان حالة استقواء الكنيسة، بل وتحولها الى ‘دويلة’ داخل الدولة، انعكست في حالة من الفوضى، وادت الى قيام عدد من المسيحيين الى تحويل بيوتهم الى مدارس احد، من دون مراعاة لجيرانهم المسلمين.
ويستشهدون على ذلك بحادث كنيسة العمرانية الاخير الذي خالف فيه المسيحيون تصاريح البناء الممنوحة لهم، بأن حولوا مبنى للخدمات الكنسية الى كنيسة، ثم هاجموا مقر محافظة الجيزة، ما ادى لمواجهات كان ضحيتها قتيلين وعشرات الجرحى.
وشهدت العلاقة بين الدولة والكنيسة في مصر توترا شديدا في الفترة الاخيرة، ادى لاعتكاف البابا شنودة في وادي النطرون، قبل ان يعود فجأة الى القاهرة ليحضر خطاب الرئيس حسني مبارك في افتتاح البرلمان الجديد، بعد ان قام وفد من النظام بزيارته، ثم استقبل الرئيس البابا من دون الاعلان عما تناوله اللقاء.
وتزامن ذلك مع الافراج عن المعتقلين في قضية حادث العمرانية، وهو ما كانت الكنيسة طالبت به. ومن المرجح ان تزيد مجزرة الاسكندرية تعقيد العلاقة بين الكنيسة والدولة، وان تعطي زخما لتيار كنسي يشجع تصعيد الضغوط على النظام من الخارج عبر تنظيم مظاهرات للاقباط في المهجر، والاتصال بحكومات او منظمات اجنبية مهتمة في شأن حماية الاقباط.