مجزرة الحولة: تحولات دراماتيكية في المشهد السوري

حجم الخط
0

منذ انطلاق الثورة السورية السلمية، وقبل أن ينشق جندي واحد، والنظام يعمل على قتل الثوار، وكان الأطفال عنوانا بارزا للموت منذ اللحظات الأولى مما يعني بالبديهة، أن النظام اتخذ قرارا بقتل الشعب الثائر وكان آنذاك لا يستطيع أن يتنصل من تهمة القتل المتعمد لكل من يرفع صوته، ولم ينف عن نفسه تلك التهمة لأن أداة القتل الوحيدة السائدة كانت بيد النظام وحده. وكان رجال الأمن (الشبيحة) هم ميليشيا النظام التي تتصدر مشهد القتل والتعذيب والحصار والتجويع والتصفيات الجسدية لكل الناشطين. لكن النظام اليوم ينفي وبشدة علاقته بمجزرة حولة، وهو صادق في ادعائه، ولكنه كاذب في إسناد الجريمة إلى مسلحي المعارضة والجيش الحر الذين ليس من مصلحتهم قتل سوري واحد من المدنيين وبخاصة أن مسعاهم منذ أن تحولت الثورة أن يستقطبوا تأييد الشعب. فإذا لم يكن النظام هو الذي اقترف هذه الجريمة وإذا لم يكن الجيش السوري النظامي، فمن هو الفاعل؟

مجزرة حولة تحول خطير في المشهد السوري، لأن الفاعلين جهة تحمل حقدا تاريخيا ولؤما مركبا، وليست معنية بردود فعل المجتمع الدولي أو بتوجيه الصراع إعلاميا، وهي جهة مسلحة محسوبة على النظام وسلاحها من النظام نفسه، أمعنت في الذبح والقتل دون أن تتوقع رد الفعل إزاء الفاجعة التي أحدثتها في حولة، دخلت بعد القصف بعلم النظام للتصفية والقتل، فأمعنت قتلا وذبحا في النساء والأطفال، بشكل عنصري وحاقد لا يقل فظاعة عن المجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين، وهو سلوك ذو مرجعية طائفية وعرقية ارتكبته ميليشيات علوية، مما يعني أن الصراع قد اتخذ مسارا خطيرا، وأن النظام نفسه قد بدأ يلوذ برصيده الطائفي ليحسم الصراع ويزرع الرعب على الطريقة الصهيونية في نفوس الناس، وهو سلوك بائس ينذر بتحولات نحو حرب أهلية حقيقية، ويدل بشكل واضح على أن النظام قد بدأ يفقد زمام المبادرة بالسماح للمليشيات العلوية بالدخول الكثيف على خط الصراع. وهو بهذا السلوك واحد من اثنين: إما أنه سمح بهذه المجزرة تخطيطا وتنفيذا بأيدي المليشيات العلوية الحاقدة، وإما أن هذه المليشيات قد اتخذت قرارها بعيدا عن النظام بتوجيهات من زعامات علوية متنفذة، وفي كلا الحالتين فإن النظام بدأ يفقد السيطرة على الأرض وبدأ الصراع يأخذ طابعا طائفيا خطيرا، لأن السلوك في التعامل مع الضحايا بتقطيع الأجساد دون تمييز بين طفل ورجل وامرأة يعني أن المجرمين جاءوا برصيد هائل من الحقد والتعبئة الطائفية يذكرنا بجرائم الصرب والصهاينة الذين يقتلون دون هوادة ودون مرجعية خلقية.

الغرب يراقب الجريمة في سورية بدم بارد، ويطلق التصريحات الباردة التي لا تتناسب مع حجم الجريمة، يعني أنه موافق عل ما يحدث للشعب السوري، وربما يريد للفوضى الخلاقة لكوندليزا رايس أن تصل إلى مداها في إحداث التحولات الدراماتيكية بعد أن آل العراق إلى سلطته ونفوذه، ويجب أن يصفي السوريون بعضهم ليتحقق سيناريو التمزيق ورسم خرائط جديدة، وروسيا تريد تصفية حساباتها مع الغرب بعد أن نامت طويلا وخسرت كثيرا لتمسك بآخر أمل لها في النفوذ في الشرق الأوسط بتحالفها مع نظام عنصري بغيض، والعرب منقسمون بين متردد وخائف وضعيف، والشعب السوري بدأ يدرك هذا الأمر مبكرا فرفع شعار: (مالنا غيرك يا ألله). إن مجزرة حولة تحول مرعب نحو حرب أهلية وهي محطة كارثية تتعذر بعدها أي مصالحة وطنية، ومؤشر على إفلاس الجيش السوري النظامي، وفقدان النظام لزمام المبادرة وانفلات الأمور نحو الكارثة، وعنان في هذه المرحلة مجرد بندول مسكن والمراقبون مجرد رأس حربة للدخول كطرف في الأزمة وتدويلها في الوقت المناسب عندما يصفي السوريون بعضهم وينهك الجميع، والغرب يراهن على النظام السوري الغبي الذي ينفذ سيناريو الفناء والإفناء.

د. أحمد عرفات الضاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية