الناصرة-“القدس العربي”: مجزرة هدم البيوت التي اقترفها الاحتلال في القدس تعكس حال المدينة بدقة، فهي تتعرض للتهجير والتهويد من جهة وإلى إهمال السلطة الوطنية ومختلف الفعاليات الفلسطينية لها والاكتفاء بمناصرتها بالشعارات فحسب في أحيان كثيرة. وتوجه جهات فلسطينية انتقادات لطريقة التعامل الرسمي مع هدم المنازل في القدس، داعين لتبني أدوات عمل جديدة وشككت بجدوى إعلان الرئيس الفلسطيني عن وقف احترام الاتفاقات مع إسرائيل وتساءلت عن التطبيق، لاسيما أن قرارات مشابهة اتخذت في الماضي وبقيت حبرا على ورق. على خلفية ذلك تتضاعف قيمة المبادرات الشعبية الأهلية لمساندة أصحاب الحي المنكوب ومساعدتهم على مواصلة المشوار ومنها نداء لجنة الدفاع عن الأراضي في وادي الحمص إلى الوقوف بجانب المتضررين من نكبة عام 2019 فيما يتعلق بمجزرة حقيقية تعرضت لها البيوت وخلفت عائلات شردت وآمال دفنت وحجارة سويت بالأرض وكأنه زلزال قد مر ودمر. وكي لا يبقى أصحاب البيوت المهدمة وحيدين، نظمت اللجنة الشعبية صلاة الجمعة بين أكوام الركام داعية للمشاركة الفاعلة في مواساة الأهالي وعدم تركهم لوحدهم يعانون القهر، وهي وقفة مواساة ومساندة وتأكيدا على أننا باقون فوق أرضنا رغم الهدم ورغم القتل ورغم الحصار. وجاء في بيان اللجنة الشعبية أن وقفتها هذه تأتي تكافلا مع الأشقاء ولإرسال رسالة صمود وتصدي لكل العالم مفادها أن إرادة الشعب الفلسطيني لا تكسرها جرافات الاحتلال ولا بطشه ومهما بلغت التضحيات.
زيارات وتصريحات
وفي سياق المداولات والمشاورات الفلسطينية التقى النائب العام المستشار أكرم الخطيب كلاً من وزير العدل دكتور محمد الشلالدة، رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير وليد عساف والوفد المرافق له، المستشار الأول في وزارة الخارجية دكتور عمر عوض الله، ورئيس لجنة أهالي حي وادي الحمص حمادة حمادة، وممثلين عن وزارة الحكم المحلي، واللجنة الشعبية في حي وادي الحمص. كما شارك وكيل نيابة الجرائم الدولية ناصر جرار، لمناقشة الإجراءات القانونية الواجب اتخاذها بشأن جريمة التهجير الاحتلالية في حي وادي الحمص في صور باهر جنوب مدينة القدس المحتلة، والتي تعتبر واحدة من أوسع عمليات التدمير للممتلكات المدنية الفلسطينية وترحيل السكان المدنيين. كذلك تمت مناقشة كافة الحيثيات المتعلقة بهذه الجريمة التي ترقى لمستوى جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ودراسة تداعياتها القانونية، وتم الاتفاق على استمرار المتابعة والتنسيق في إطار رصد وتوثيق وتقصي كافة الانتهاكات. يشار إلى أن حي وادي الحمص هو امتداد لبلدة صور باهر وتبلغ مساحة أراضيه نحو 3000 دونم وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق “أ” الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفيه هدمت إسرائيل البيوت بذريعة الأمن وقربها من الجدار رغم استصدار أصحابها تراخيص بناء من السلطة الفلسطينية. وتفقد كل من مفتي القدس والديار الفلسطينية عضو المجلس الوطني الشيخ محمد حسين وعباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” رئيس لجنة القدس في المجلس الوطني واللواء بلال النتشة الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس وعضو المجلس الوطني أيضا ومحمد المصري أمين سر حركة “فتح” إقليم بيت لحم وعدد من أعضاء الإقليم ولجنة القدس في المجلس الوطني، المنطقة المنكوبة في صور باهر.
والتقى المسؤولون خلال جولتهم الميدانية التي شملت مواقع الهدم، مع أهالي البيوت المهدمة واستمعوا منهم إلى شرح مفصل حول احتياجاتهم ومطالبهم بعد الكارثة الإنسانية التي حلت بهم. ووعد القادة الفلسطينيون أهالي المنطقة بأن يتم توفير كل متطلباتهم من قبل القيادة الفلسطينية مشددين على موقف الرئيس محمود عباس بأنه لن يترك أبناء شعبه فريسة للاحتلال ومخططاته التدميرية. وشدد المفتي على أهمية الرباط والثبات على أرض فلسطين الطاهرة مؤكدا على أن مساعي الاحتلال بتهجير شعبنا مرة أخرى في المنافي واللجوء لن تمر وأننا هنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون. وأكد على أن ما قام به الاحتلال هو جريمة حرب بشعة يندى لها جبين الإنسانية، مطالبا العالم الحر بالوقوف إلى جانب شعبنا في محنته التي يتعرض لها على أيدي الاحتلال وبدعم أمريكي معلن. بدوره أكد عباس زكي على أن القيادة الفلسطينية ستتخذ قرارات حاسمة خلال الأيام المقبلة من شأنها ان تصدم الجانب الإسرائيلي، مشددا على أننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه المجازر الرهيبة التي ترتكب بحق أبناء شعبنا.
نكبة مستمرة
إلى ذلك التقى اللواء بلال النتشة ان الوفد القيادي مع الأهالي المنكوبين واستمع منهم إلى كل ما يحتاجونه لاستمرار سير حياتهم اليومية ووعد بنقل هذه المطالب إلى الرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية للعمل على تلبيتها فورا. وقال النتشة إن القيادة سوف تعمل على تعويض جميع أصحاب البيوت التي هدمت مشيرا إلى الاستعداد الكامل لتوفير كل ما يحتاجونه سواء على صعيد الكهرباء أو الماء أو التعليم وغيرها من القضايا التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. وأشار إلى النكبة التي تعرض لها شعبنا في العام 48 ونكسة العام 67 وقال “المشهد يتكرر مرة أخرى ولكن هذه المرة على أيدي حكومة الليكود وليس عصابات الهاغانا”. وأضاف أن هدم هذا الحي بأكمله وتهجير أهله في العراء يعيد إلى الأذهان ما جرى في حارة الشرف وباب المغاربة في العام 67 موكدا على أن شعبنا لن يمرر مخطط الاحتلال ولن يكرر تجربة الماضي المرة وسيظل صامدا وثابتا على أرضه مهما بلغ حجم التضحيات. وكما جهات فلسطينية أخرى اعتبر الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس أن هدم حي وادي الحمص هو الثمرة الناضجة لمؤتمر المنامة الاقتصادي الذي عقده كوشنير في البحرين مؤخرا وقال ساخرا: “ها هو الازدهار الحقيقي يتجلى على أطلال هذه المنازل التي كانت تأوي أسرا مسالمة هدفها ان تعيش بأمن وطمأنينة، وجاءت جرافات الاحتلال وحولت حياتهم إلى جحيم وتناثرت أحلامهم البسيطة مع غبار حجارة هذه البيوت المدمرة”.
الحلبة الدبلوماسية
على المستوى الدبلوماسي الخارجي بحث رئيس الوزراء محمد اشتية، مع سفراء وقناصل وممثلي الاتحاد الأوروبي، آخر التطورات السياسية والاقتصادية، وتصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. وقال خلال لقائه السفراء والقناصل في مكتبه برام الله إن تقسيمات المناطق إلى (أ، ب، ج) التي تم الاتفاق عليها مع إسرائيل لم تعد موجودة، لأن إسرائيل لم تعد تحترمها، وخرقت بشكل واضح وعلني هذه الاتفاقيات. مشيرا إلى أنها تقتحمها يوميا وتصادر الأراضي وتتوسع استيطانيا فيها، الأمر الذي يدمر أي فرصة موجودة الى إقامة الدولة الفلسطينية. وحذّر من إقدام إسرائيل على هدم بيوت وضم أراض في مناطق في الضفة الغربية كما حدث في وادي الحمص إذا لم يُتخذ موقف دولي يتناسب مع مستوى خطورة الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة.
وعطفا على ذلك اعتبر الكاتب المعلق الدكتور حنا عيسى سياسة هدم منازل المواطنين من قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي أحد أبرز الممارسات اللاإنسانية، والتي بدأت فصولها منذ أن احتلت إسرائيل الأراضي الفلسطينية سنة 1967 كنمط من أنماط العقوبات الجماعية. موضحا أن سلطات الاحتلال في منهجها المنظم في هدم البيوت تستند لنص المادة (119) فقرة (1) من قانون الطوارئ البريطاني لسنة 1945 مع معرفتها المسبقة بأن هذا القانون تم الغاؤه لحظة انتهاء فترة الانتداب على فلسطين. واستذكر استمرار سلطات الاحتلال بهدم منازل المواطنين في قطاع غزة حتى دخول السلطة الفلسطينية في 1/7/1994 أما بالنسبة للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية فما زالت سياسة الهدم تتواصل يوميا رغم المناشدات الدولية الداعية إسرائيل إلى وقف سياسة هدم المنازل. كما استذكر أنه في عام 2004 دعا مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة إسرائيل لوقف هدم المنازل الفلسطينية وفقا لقرار رقم 1544/2004 حيث نص القرار على أن مجلس الأمن يدعو إسرائيل إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني ولا سيما الالتزام بعدم القيام بهدم المنازل خلافا لهذا القانون. ويتابع حنا عيسى “على ضوء ما ذكر أعلاه، فان سياسة هدم المنازل والممتلكات العائدة للمواطنين الفلسطينيين تندرج تحت سياسة التطهير العرقي وتعتبر مخالفة جسيمة لنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحرم تدمير الممتلكات أيا كانت ثابتة أو منقولة الخ، وانتهاكاً صارخاً لنص المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10/12/1948 والتي تنص على أنه لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً”.
خان الأحمر
وفي موازاة الحديث عن الحلبة الدبلوماسية لمواجهة إسرائيل والضغط عليها وفضح جرائمها هناك من يدعو لاعتماد نموذج “الخان الأحمر” كما يدعو ياسين حمّود مدير عام مؤسسة القدس الدولية. ويقول إنّ هذه الجريمة تصنَّف في خانةِ التهجير القسريّ لمئات السكان المقدسيين الأصليين بذريعة الحاجة الأمنية نظرًا إلى قرب هذه الشقق من جدار الفصل العنصري. متماثلا مع جهات كثيرة يرى حمّود أن الاحتلال لم يكن ليجرؤ على هذه الجريمة لولا الدعم الذي يحظى به جرّاء اتساع رقعة التطبيع، ولهاث بعض الأنظمة العربية لتعزيز التحالف والعلاقات معه. وطالب المقدسيين وكل الفلسطينيين الذين في إمكانهم الوصول إلى حي وادي الحمص بالاقتداء بنموذج الخان الأحمر شرقي القدس في الصمود والثبات والتصدي للاحتلال ولا سيما في ظل نية الاحتلال الاستمرار في عمليات الهدم التي ستطال نحو 225 شقة سكنية.
علب سردين
ووجّه حمود نداء إلى السلطة الفلسطينية والقوى والفصائل والهيئات المختلفة لدعم أهالي حي وادي الحمص وتوفير كل مستلزمات صمودهم، وتحويل هذه القضية إلى قضية وطنية جامعة تتضافر فيها الجهود لإفشال مخططات الاحتلال في الهدم والتهجير. وذهب لأبعد من ذلك الوزير السابق أشرف العجرمي الذي يعتقد أنه كان على السلطة الفلسطينية أن تدفع بعناصرها الأمنية لحماية البيوت في وادي الحمص أولا لأنها تخضع لسيادتها وثانيا كي تستغل القضية لتصعيد المواجهة مع الاحتلال على مبدأ “إن لم تكبر لن تصغر”.
وفي سياق متصل تتداعى فعاليات سياسية وأهلية داخل أراضي 48 لتصعيد الاحتجاجات على استمرار جرائم هدم البيوت الفلسطينية في الداخل بعد هدم منزل في بلدة عرعرة. يشار إلى أن هناك نحو 40 ألف مبنى فلسطيني غير مرخص داخل أراضي 48 بسبب رفض السلطات الإسرائيلية الترخيص وتوسيع مسطحات البناء مما حول البلدات العربية لما يشبه علب السردين.