«مجزرة» جبلة في العراق: جهاز الأمن الوطني يتولى التحقيقات وينفي توقيف متورطين

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: وصل رئيس جهاز الأمن الوطني، حميد الشطري، الأحد، إلى محافظة بابل، للإشراف على مجريات التحقيق في الحادثة التي وقعت في منطقة جبلة، في محافظة بابل، المتاخمة للحدود الإدارية للعاصمة الاتحادية بغداد، من جهة الجنوب، راح ضحيتها 20 شخصاً من عائلة واحدة، بينهم نساء وأطفال، وفيما ترجّح السلطات المحلية، فرضية أن الحادث «جنائي» كشف شهود عيان من أقارب الضحايا، أن قوة أمنية كبيرة، يرأسها ضابط رفيع، هاجمت المنزل، باستخدام جميع أنواع الأسلحة، بينها قاذفات أر بي جي 7.
وذكر إعلام الجهاز، في بيان صحافي، أن «وصل رئيس جهاز الأمن الوطني حميد الشطري إلى محافظة بابل لمتابعة آخر التطورات والنتائج التي تم التوصل إليها من خلال سير التحقيق بخصوص الحادثة».
وأكد البيان أن، هذه الزيارة جاءت بعد «تكليف رئيس الوزراء لجهاز الأمن الوطني في الشروع بإجراءات التحقيق والوقوف على ملابسات الحادث».
وتناقلت مواقع إخبارية محلّية، أنباء أفادت بالقبض على عدد من الضباط والمنتسبين ممن شاركوا في مداهمة منزل الضحايا، فضلاً عن جمّلة إعفاءات وتنقلات أجريت لقادة في الأجهزة الأمنية في بابل، على خلفية الحادث الذي وقع الخميس الماضي، واستمرت تداعياته.
لكن جهاز الأمن الوطني، نفى تلك الأنباء، في بيان صحافي، جاء فيه: «في الوقت الذي لا تزال فيه التحقيقات جارية وبإشراف السلطات القضائية حول حادثة ناحية جبلة في محافظة بابل، تخرج إلينا بعض التصريحات والأخبار العارية عن الصحة بخصوص الإجراءات المتخذة بحق بعض الأشخاص والتسميات».
وأوضح البيان أن «الجهة الوحيدة والمخولة بالتصريح هي مديرية العلاقات والإعلام في جهاز الأمن الوطني» داعياً الوسائل الإعلامية، إلى «أخذ المعلومات من مصادرها الموثوقة فقط».
وتحتفظ مستشفى مدينة المسيب في محافظة بابل، منذ فجر الجمعة بعشرين جثة لمدنيين عراقيين، بينهم 12 طفلا منهم رضيعان أحدهم بعمر 16 يوما، قضوا جميعا بإطلاق نار من أسلحة متوسطة وخفيفة وقذائف صاروخية موجهة وقنابل هجومية، خلال هجوم لوحدات من الأمن العراقي التابعة لوزارة الداخلية على منزل ريفي في قرية (الرشايد) ضمن بلدة جبلة الواقعة شمال مدينة الحلة مركز محافظة بابل.
وأوضح مرصد «أفاد» الحقوقي، أن «التقرير الحالي للطب العدلي شرح الضحايا قضوا جميعا بسبب إطلاق نار من أسلحة متوسطة وتفجيرات يعتقد أنها ناجمة عن قذائف صاروخية، وبدا ذلك من أجساد الضحايا الذين تناثرت أشلاء عدد منهم والتصقت على جدران المنزل، كما يظهر أن أحد الأطفال قضى بتهدم جدار المطبخ الذي تعرض لقذيفة صاروخية أدت إلى قتل من كان يختبئ فيه. ويظهر من تقرير الطب العدلي أيضا أن إطلاق النار استخدم فيه سلاح عيار 12.5 ملم، كما تتضح شظايا لسلاح القذائف».
طبيب في دائرة الطب العدلي في محافظة بابل، تحفظ على ذكر اسمه، رجح إمكانية إنقاذ عدد من الضحايا لو تم التعامل مع الجريمة بسرعة ونقل الضحايا، ملمحا إلى أن قوات الأمن التي نفذت الهجوم أبقت المنطقة مغلقة وحاولت الإيحاء، أن عملية القتل لم تكن على أيديهم، لكن الدمار كان أوسع من أن يتمكن أحد من إخفائه.
كما أبلغ مسؤول رفيع في وحدات الأمن العراقية الخاصة المعروفة بـ«قوات سوات» المرصد، أن التحقيقات الحالية في وزارة الداخلية تتجه إلى تأكيد وقوع جريمة تتحمل مسؤوليتها القوات الأمنية بالدرجة الأولى، مؤكدا أن القوات التي حاصرت المنزل رفضت اقتراب الجيران والأهالي رغم إبلاغهم أن المنزل فيه عائلة كبيرة ويمكنهم الدخول دون إطلاق النار.
وأقر أن القوة قادمة من العاصمة بغداد بناءً على علاقات شخصية بين أحد الضباط في وزارة الداخلية العراقية وينتمي إلى وكالة الاستخبارات على خلفية مشكلة عائلية بين صاحب المنزل (الضحية رحيم كاظم عيادة الغريري) وصهره، كاشفا بالوقت ذاته عن أن المسؤولية في الجريمة تطال أيضا «قاضي تحقيق في بغداد لمعرفة الأسس التي على إثرها تحركت القوة بناءً على مذكرة قضائية تبين خطؤها، صدرت من قبله» على حد بيان المرصد.
ويظهر من تصريحات المسؤولين المحليين في محافظة بابل والسلطات الاتحادية في العاصمة بغداد، أن الضحية يمتلك سجلا أمنيا سليما وخاليا من أي مشاكل، وأن ما حدث هو «جزء من الفساد الذي ينخر المنظومة الأمنية العراقية».

دعوة لتحقيق عادل

وفي الوقت الذي أدان فيه، المرصد جريمة جبلة الجديدة، ويحمّل الحكومة العراقية، مسؤولية فتح تحقيق عادل ونزيه وشفاف، لتقديم المتورطين بقتل 20 مدنيا داخل منزلهم ومحاسبة كل المتورطين، فإنه يؤكد أهمية «معالجة مشكلة التضليل المزمن التي يعتمدها بعض المتحدثين باسم الوزارات والتشكيلات الأمنية كسياق عمل لديهم تسبب بطمس جرائم كبيرة وعديدة جرت في العراق بالفترات الماضية».
كما دعا إلى أن «لا يكون التحقيق بالجريمة المروعة الجديدة مشابها لتحقيقات سابقة تعهدت بها الحكومة، كان آخرها جريمة قرية نهر الإمام في محافظة ديالى شرقي البلاد، والتي تم فيها إعدام 12 مدنيا بينهم أطفال ونساء على يد ميليشيات مسلحة دون أن تظهر أي نتيجة للتحقيق رغم مرور شهرين على الجريمة».
وفي ردّ فعل آخر على الحادث، قال المرصد «الأورومتوسطي»- ومقرهّ جنيف، في بيان صحافي، إنّ «المعطيات الأولية التي جمعها تشير إلى عملية قتل مروعة اقترفتها قوات أمن قدمت من العاصمة بغداد، واستخدمت قذائف صاروخية وأسلحة نارية ثقيلة دون أي ضرورة أو تناسب، في إشكال عائلي ليس له بعد أمني، بخلاف الرواية الرسمية الأولى التي ربطت الحدث بمواجهة الإرهاب».
وأكّد أنّ «الجريمة المروعة تستدعي فتح تحقيق فوري مستقل للوقوف على تفاصيل ما حدث، وتحديد الجناة وتقديمهم إلى العدالة».

شهود عيان حمّلوا ضابطاً المسؤولية… والسلطات المحلية ترجح الفرضية الجنائية

وفي تفاصيل الواقعة، حاصرت قوة أمنية مدعومة بعشرات المركبات العسكريّة، في حوالي الساعة الثالثة من مساء الخميس 30 ديسمبر/ تشرين أول، منزلاً ريفيًّا للمواطن رحيم كاظم عيادة الغريري في منطقة جبلة شمالي محافظة بابل، واندلعت بعد ذلك اشتباكات بين القوة الأمنية ومالك المنزل، حيث استخدم عناصر الأمن قوة نارية ثقيلة، شملت إطلاقا ناريا مكثفا من أسلحة رشاشة ثقيلة تجاه المنزل، إلى جانب استهدافه بعدة قذائف.
واستمرت عملية إطلاق النار 4 ساعات، وانتهت بمقتل 20 مدنيًّا، منهم مالك المنزل وزوجته، و6 من أبنائه وبناته، وزوجة ابنه وعدد من أبنائهم، وبين الضحايا 12 طفلاً. وعرف من الضحايا: رحيم كاظم عيادة الغريري، وزوجته يسرى أحمد، وأبنائه: سلام، وكريم رحيم، وفراس، وأيوب، وابتسام وطفلاها، وديانة وأطفالها الأربعة، وشيماء هلال وهي زوجة سلام، وأبناء الأخير: عبد الله، وسعد، وعنود، وأنوار.

ارتباك وتناقض

وأشار «الأورومتوسطي» إلى أن «حالة من الارتباك والتناقض شابت الرواية الرسمية حول تفاصيل ما حدث. فقد تحدثت برقية أمنية أنه: في حدود الساعة الثالثة عصرًا وبعد ورود معلومات لاستخبارات جبلة تفيد بتواجد مطلوبين اثنين في منطقة الرشايد في دار المدعو رحيم كاظم عيادة الغريري، خرجت مفرزة استخبارات جبلة إلى المكان المعني».
وأضافت المصادر أن، «عند وصول القوة أطلق صاحب المنزل النار على مفرزة الاستخبارات، وأن الأخيرة وجهت نداء إلى مفارز قوات (سوات) حيث حضرت إلى المكان وطوقت البيت وحصلت اشتباكات مع صاحبه».
وتابعت: «صاحب البيت أصاب عنصري أمن بطلق ناري، وفي الساعة السابعة انتهت المواجهات بينه وبين قوة (سوات) وتبين بعدها وأثناء دخول القوة إلى البيت مقتل جميع أفراد العائلة».
في المقابل، أكد شهود عيان، أنّ منزل رحيم تعرض للقصف المركّز بقذائف صاروخية فضلاً عن استخدام كثافة نارية كبيرة تجاهه.
وأفادت شقيقة رحيم، في تصريحات لعدد من وسائل الإعلام أنّ شقيقها «لم يكن مطلوباً على خلفية الإرهاب، وأنّ الأمر يتعلق بخلاف عائلي، حيث كانت لديه ابنتان متزوجتان لجأتا إليه بعد خلاف زوجي، وإنه على هذه الخلفية حضرت القوة الأمنية الكبيرة وحدث إطلاق النار بيد أن القوة الأمنية استخدمت كثافة نارية دون أي مبرر من أسلحة نارية وقذائف تسببت بمقتل أفراد العائلة. واتهمت نسيب شقيقها الذي يعمل منتسباً مع القوات الأمنية في بغداد باستقدام القوة إثر مشكلة عائلية بينهما، بخلاف الرواية الرسمية الأولى أن الأمر يتعلق بمطلوب على خلفية الإرهاب».
ولفت إلى أنّ ضباط الأدلة الجنائية، أكدوا استخدام أسلحة متوسطة وقذائف بالهجوم على المنزل المأهول بالسكان، ما أدى إلى مقتل من فيه.
وعبّر المرصد عن «قلقه للتناقض الذي ساد الروايات الرسمية حول الحادث ومحاولة تقديمها كمعالجة أمنية لخلية إرهاب، هو ما يشير إلى محاولة بعض الجهات تبرير أو تغطية ما حدث من استخدام غير متناسب للقوة».
وأكد «الحاجة الملحة لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة تكشف تفاصيل الجريمة المروعة، وتضمن تقديم المتورطين فيها للعدالة، بما في ذلك التحقيق مع الجهات الأمنية التي قدمت تسريبات مضللة حول دوافع وتفاصيل الجريمة في محاولة للتقليل منها أو التغطية على ما حدث».

إجراءات عاجلة

وحثّ المرصد، السلطات العراقية على «اتخاذ إجراءات عاجلة تضمن عدم استخدام قوات وجهات إنفاذ القانون لتحقيق مصالح خاصة ببعض الجهات أو الأفراد المتنفذين، بعيدًا عن أصول القانون في القبض والتنفيذ».
كذلك، دعا عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية (رسمية) علي البياتي، إلى «غربلة حقيقة» للمؤسسات الأمنية، محذراً من أن المقبل، أخطر.
وذكر في «تدوينة» له، أن «المؤسسات الأمنية في حاجة إلى غربلة حقيقية من ناحية الانتماءات غير الوطنية واللامهنية والسلامة الجسدية والنفسية وخلو تعاطيه للمخدرات والمؤثرات العقلية وإلا فالقادم أخطر».
وتسببت حادثة جبلة، حسب مصادر صحافية، بإقالة قائد شرطة بابل اللواء علي هلال الشمري، وتكليف اللواء خالد تركي، معاون القائد المقال، بمهام تمشية أمور قيادة شرطة المحافظة، فضلاً عن إنهاء تكليف العميد علاء شبر من مهام مدير استخبارات بابل، وتكليف العميد ظافر تركي بدلاً عنه.
وكانت خلية الإعلام الأمني (حكومية) أعلنت في بيان، أن «القوات الأمنية قامت بملاحقة متهمين اثنين بالإرهاب في منطقة جبلة شمالي محافظة بابل مساء 30 كانون الأول/ ديسمبر 2021، وبعد تضييق الخناق عليهما قاما بفتح النار العشوائي على القوات الأمنية، ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد القوة المنفذة للواجب». ووجّه رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي، الجمعة الماضية، بفتح تحقيق «عادل» في الحادثة.
جاء ذلك في تصريح أدلى به محافظ بابل حسن منديل السرياوي، لوسائل إعلام مختلفة، أوضح خلاله أن «المتهم لا يوجد عليه أي مطلوبية، ولكن كان هناك أمر قبض وفق المادة 406 صادر من محاكم بغداد، حيث حاولت قوات الشرطة تنفيذه في المحافظة ولكن لا توجد أي مؤشرات حول هذا الشخص من قبلنا».
وأضاف أن «الضابط الذي جاء بأمر القبض هو من اشتبك مع المتهم وطلب اسناد (السوات) والقوات الأمنية الأخرى، وذلك بعد تبادل لاطلاق النار، حيث تفاجأت القوات الأمنية بعد اقتحامها بوجود ضحايا موقع الحدث».
وأشار إلى أن «هناك عدة روايات سيتم طرحها بعد اكتمال التحقيقات، والأدلة الجنائية قامت بسحب المبارز الجرمية، ولم نجد بينهم من المطلوبين والحادثة جنائية أكثر من كونها إرهابية».
كما أصدر وزير الداخلية عثمان الغانمي، قراراً في أحداث مجزرة «جبلة».
وحسب بيان للمكتب الإعلامي لوزير الداخلية، فقد «قرر الوزير عثمان الغانمي الذي تواجد (الجمعة الماضية) بشكل ميداني في منطقة جبلة شمالي محافظة بابل، إقالة قائد شرطة محافظة بابل على خلفية الحادث وراح بسببه عدد من الضحايا».
كما وجه الغانمي «بتشكيل لجنة تحقيقية مختصة للتحقيق مع القوة التي نفذت الواجب في هذا الحادث، وتكون هذه اللجنة ساندة للتحقيق القضائي» موعزاً إلى «الجهات الفنية المعنية من بينها مديرية الأدلة الجنائية بالإسراع في تقديم نتائجها في ملف هذا الحادث».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية