غزة ـ «القدس العربي»: في تمام الساعة 4.40 فجر اليوم العاشر من شهر اب/أغسطس الجاري قصفت المقاتلات الحربية للاحتلال مدرسة «التابعين الشرعية» الخاص بجماعة التبليغ والدعوة في حي الدرج بمدينة غزة، فقتلت أكثر من 160 شخصًا من النازحين، وإصابت العشرات بجراح خطيرة، بعد أن فرغوا لتوهم من أداء صلاة الفجر في مصلى المدرسة بالطابق الأرضي.
ثلاثة صواريخ حربية أمريكية الصنع بينها على الأقل صاروخ واحد من نوع MK-84 التي تزن 200 رطل، كانت كفيلة بدك مبنى مدرسة التابعين الذي يأوي نازحين، وتحويل أجساد بعض الشهداء إلى أشلاء صغيرة متناثرة، وتفحم البعض الآخر، حسب محمد المغير، مدير دائرة الإمداد في جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة.
المغير يوضح في تصريح لـ«القدس العربي» أن الصواريخ الحرارية المستخدمة في القصف ذات قوة انفجارية هائلة، كما تصدر درجات حرارة عالية تصل إلى 7 آلاف درجة مئوية، ما «يتسبب في تحويل أجساد الأشخاص المستهدفين بها إلى أشلاء مع ذوبانها تمامًا» مشيرًا إلى أن انتشال أكثر من 100 شهيد، ووجود نحو 60 شهيدًا، تعمل طواقم الدفاع على انتشالهم. وحتى كتابة هذه السطور، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال جثامين 93 شهيدًا فقط من الشهداء، بينهم 11 طفلًا و6 نساء من مدرسة التابعين الشرعية، التي تأوي 6 آلاف نازح، وفقًا لبيان إعلامي صادر عن المؤتمر الصحافي، الذي عقده جهاز الدفاع المدني في مدينة غزة.
ففي تمام الساعة 4.40 فجر يوم السبت تلقت طواقم الدفاع المدني في مدينة غزة اتصالًا هاتفيًا بوجود استهداف صهيوني لمدرسة التابعين في حي الدرج، فهرعت إلى هناك، لكنها فُجعت «بحجم المجزرة الكبيرة، والعدد الكبير من الشهداء والجرحى، الذين كان بينهم أطفال ونساء، وجزء منهم عبارة عن أشلاء، وجزء آخر جثامين تشتعل فيها النيران» بحسب تعبير محمود بصل الناطق باسم الدفاع المدني في غزة.
«مشهد مخيف لم يراع أدنى الاعتبارات الإنسانية».. هكذا وصف بصل خلال حديثه لـ«القدس العربي» مجزرة الفجر: «لقد استهدف الاحتلال طابقين أحدهما العلوي يأوي أطفالا ونساء والأرضي الذي استخدمه النازحون كمصلى» مؤكدًا الاستهداف المباشر للطابقين، حيث وجدوا «العديد من الأشلاء التي لم يتم التعرف على أصحابها» مشيرًا إلى أنه «يوجد مفقودون غير معلوم مصيرهم. وصلتنا إشارات من ذويهم بأنهم كانوا موجودين داخل المصلى».
وأحصى الناطق باسم الدفاع المدني عدد مراكز الإيواء، التي استهدفها الاحتلال منذ بداية شهر اب/أغسطس الحالي وحتى الآن، والتي «وصلت إلى 13 مركزًا لإيواء النازحين، شملت مدارس وخيام ومخيمات في محيط المستشفيات. يدمي قلوبنا أن ارتقاء الشهداء في غزة أصبح عبارة عن أرقام فقط، يتم ذكرهم كأنهم لا شيء دون أن يلتفت المجتمع الدولي إلى الجرائم التي تُرتكب بحق المواطنين العزل ودون توجيه أي إدانات مباشرة للاحتلال».
ويناشد بصل العالم بالتدخل الفوري «لوقف هذه المجازر ولوقف هذه الاستهدافات بحق المواطنين العزل داخل مراكز الإيواء، والتي تأوي النساء والأطفال الصغار والرضع» متسائلًا للمرة المئة: «إلى متى سيتسمر الاحتلال في انتهاكه لحقوق الإنسان والقانون الدولي؟».
ونقلت سيارات الإسعاف والدفاع المدني المصابين وجثث الشهداء إلى المستشفى المعمداني، وهو الوحيد الذي يتعامل مع المرضى والمصابين وجرحى الحرب في مدينة غزة، بعد تدمير الاحتلال مستشفى الشفاء الرئيسي في غزة، وإخراجه 25 مستشفى ومركزا طبيا عن الخدمة، وفق وزارة الصحة.
وتمكنت الطواقم الطبية في مستشفى المعمداني من التعرف على 80 شهيدًا فقط من أصل نحو 93 شهيدًا وصلوا إلى المستشفى، حسب المدير فضل نعيم: «هناك قرابة 15 شهيدًا عبارة عن كوم من الأشلاء يصعب التعرف عليهم».
وعن طبيعة الإصابات، أشار مدير المستشفى المعمداني لـ«القدس العربي» إلى أن «أغلب حالات الجرحى التي استقبلتها المستشفى مصابة بحروق كاملة من الدرجتين الأولى والثانية وبتر في الأعضاء، بالإضافة إلى إصابات في المناطق العلوية من الجسم (الرأس والصدر.
ورجح الطبيب الفلسطيني ارتفاع أعداد الشهداء بشكل كبير، بسبب وجود حالات حرجة بين المصابين: «جرحى استقبلناهم استشهدوا على طاولات الجراحة، بسبب نقص التجهيزات الطبية». كما أشار إلى أن المستشفى يفتقد لأبسط الإمكانات الطبية ووحدات الدم، للحفاظ على حياة الجرحى: «لدينا نقص كبير في الكوادر الطبية المتخصصة خاصة في مجال الحروق ونقص في مستلزمات الجراحة».
واستُشهد أبو الطفلة الفلسطينية فرح شاهين، بالإضافة إلى زوج عمتها، في مجزرة مدرسة التابعين وسط مدينة غزة. وبعين محمرة تنم عن دخول الطفلة الفلسطينية في نوبة هستيرية من البكاء: «الاحتلال قتل بدم بارد أبي وزوج عمتي وهما يصليان الفجر. المقاتلات الحربية للعدو الصهيوني قصفت المسجد وهما داخله دون أي ذنب اقترفوه سوى أنهما كانا مدنيان يؤدون شعيرة الصلاة في هذا التوقيت».
تعبر الطفلة البالغة من العمر 14 عامًا عن شعورها باليتم وهي في سن صغيرة. وتقول: «أصبحت يتيمة بلا أب. وأصبحت أسرتنا بلا عائل بعد أن مات أبي. من سيرعاني وينق عليّ حتى أنتهى من التعليم وأتمكن من العمل وإعالة نفسي؟ من سيقول لي كل عام وأنتي طيبة في عيد ميلادي ويعطيني العيدية ويقبلني في الأعياد والمناسبات الدينية؟ حسبي الله ونعم الوكيل في الاحتلال الذي حرمني من أبي وقتل زوج عمتي».
تشعر الطفلة البالغة من العمر 14 عامًا بالخوف الشديد، فكل مكان في قطاع غزة في مرمى نيران الاحتلال بما فيها مدارس الإيواء والمخيمات والمستشفيات: «أنا مرعوبة. كنت متواجدة في الطابق الثاني فوق المصلى وقت القصف، ولحسن حظي أن هذا المكان لم يتضرر بنفس الدرجة التي كان عليها الطابق الأول. كان من الممكن أن أكون بين الشهداء».
وشيع العشرات من أهالي حي الدرج في مدينة غزة جثامين بعض الشهداء إلى مثواهم الأخير، فيما ظهرت ملامح الحزن واضحة على أهالي الشهداء، وسط صرخات وبكاء وعويل النساء.
وودعت فتحية الناصر، 64 عامًا، ابنيها محمد ومدحت، 25 و28 عامًا، واللذان ارتقيا شهداء أثناء أدائهما صلاة الفجر في مصلى مدرسة التابعين، وتقول: «جابوا لي أجسادهم في جوال. أشلاء مقطعة، الذراع لوحده والقدم لوحده والرأس لوحدها. والأمعاء ممزقة وخارجة من جسديهما. وكانت الأعضاء محترقة».
أخذت السيدة الفلسطينية تبكي بحرقة، فيما عجزت قدمها عن حملها، وظلت تصرخ: الله ينتقم من الاحتلال.
مشاهد مؤثرة من وداع شهداء مجزرة الفجر التي ارتكبها الاحتلال في مدرسة التابعين الشرعية بحي الدرج وسط مدينة غزة فجر أمس.
والمدرسة تأوي 350 عائلة بواقع أكثر من ألف شخص، وتتبع تتبع إداريا لمركز الدعوة والتبليغ، وتتعامل معها مؤسسات دولية.
واستقبلت مؤخرا عشرات النازحين من بلدة بيت حانون، بعدما أجبرهم الاحتلال ترك منازلهم تجاه المنطقة الآمنة. وهذه ليست الوحيدة المستهدفة، فالاحتلال استهدف خمس مدارس شمال غزة خلال الأسبوع الماضي، وفق جهاز الدفاع المدني.
وقالت الحكومة الفلسطينية في رام الله أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يرتكب مذبحة داخل مدرسة التابعين بمدينة غزة راح ضحيتها أكثر من 100 شهيد وعشرات الإصابات، وهذا يأتي في إطار جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد شعبنا الفلسطيني بشكل واضح.
وأضافت الحكومة في بيانها أن جيش الاحتلال قصف النازحين بشكل مباشر خلال تأديتهم صلاة الفجر، وهذا ما رفع أعداد الشهداء بشكل متسارع.
وبينت أنه من هول المذبحة وأعداد الشهداء الكبير لم تتمكن الطواقم الطبية والدفاع المدني وفرق الإغاثة والطوارئ من انتشال جثامين جميع الشهداء حتى الآن.
وحملت الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن هذه المذبحة، مطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأممية بالضغط على الاحتلال لوقف جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد المدنيين والنازحين، ووقف شلال الدم المتدفق في قطاع غزة.