مجزرة نيوزيلندا تجدد الجدل حول خطاب الكراهية على الإنترنت

حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: تجدد الجدل في الأوساط الإعلامية في مختلف أنحاء العالم حول خطاب الكراهية المنتشر على الإنترنت، وذلك في أعقاب المذبحة الإرهابية الدموية التي ارتكبها متطرف يميني ضد المسلمين في نيوزيلندا، وراح ضحيتها أكثر من 50 شخصاً كانوا يؤدون صلاة الجمعة، لتكون هذه المذبحة هي الأبشع في تاريخ البلاد.

وأثارت هذه الجريمة الإرهابية موجة جدل واسعة حول شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت ودورهم في تعزيز خطاب الكراهية الذي يغذي المتطرفين من مختلف الأديان والأصول والأعراق ويصل بهم في نهاية المطاف إلى ارتكاب جرائم تستهدف الأبرياء كتلك التي حدثت في نيوزيلندا أو غيرها من الجرائم الإرهابية الأخرى في مختلف أنحاء العالم.

ويرى كثير من الخبراء والمراقبين والمهتمين أنه يتوجب فرض رقابة أكبر على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل خاص، والتي ثبت أنه تم استخدامها في السنوات الأخيرة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في عمليات التجنيد التي قام بها وعمليات استقطاب مزيد من المؤيدين، بما أدى لاحقاً إلى ظهور “الذئاب المنفردة” التي نفذت العديد من العمليات الإرهابية في الغرب.

كما يسود الاعتقاد أن سفاح نيوزيلندا المجرم الأسترالي براندون تارانت الذي قتل 50 مسلماً كان يستخدم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من أجل تغذية تطرفه وكراهيته للمسلمين، وكذلك من أجل بث التطرف والكراهية على الإنترنت والتواصل مع متطرفين يعتنقون أفكاره، وهو ما دفع الشرطة النيوزيلندية إلى اعتقال أربعة أشخاص آخرين بعد الجريمة تحسباً من أن يكون من يتواصل معهم ينوون تنفيذ هجمات مماثلة، أو أنهم مشتركون معه في الجريمة نفسها.

زيادة خطاب الكراهية

 

وأظهرت دراسة أجراها معهد ألماني متخصص مؤخراً أن “خطاب التحريض والكراهية عبر الإنترنت في تزايد مستمر” في الوقت الذي لا توجد فيه جهود كافية لمكافحة هذا الخطاب المتطرف.

وكشفت الدراسة التي أجراها معهد فورزا الألماني واعتمدت على استطلاع للرأي أن 78 في المئة من مستخدمي الإنترنت تعرضوا لتعليقات تحض على الكراهية.

ولفت المعهد إلى أن هذه النسبة التي تم تسجيلها العام الماضي 2018 تزيد بنحو 11 في المئة عما كانت عليه في العام 2017 حيث كانت نسبة الذين تعرضوا لتعليقات تحض على الكراهية قد وصلت إلى 67 في المئة.

وأكد معدو الاستطلاع أن نتيجته تتوقف كثيرا على أعمار المستطلعة آراؤهم، إذ بين أن 96 في المئة ممن شملهم الاستطلاع والذين تتراوح أعمارهم بين 14 و24 عاما قد تعاملوا بجدية مع التعليقات المحرضة على الكراهية. فيما كان لدى 39 في المئة ممن شملهم الاستطلاع انطباعا بأن تعليقات الكراهية عبر الإنترنت تطغى على المساهمات الموضوعية، لكن في الوقت ذاته ارتفع عدد الذين ينشطون ضد تعليقات الكراهية.

وأظهر أيضا أن عدد “الأقلية الصغيرة ذات الصوت العالي” قد بقي ثابتا مقارنة بالعام الماضي، وهي الأقلية التي تقوم بكتابة التعليقات المحرضة على الكراهية: إذ أقر 1 بالمائة من المستطلعة آراؤهم أنهم كتبوا تعليقات محرضة على الكراهية.

ما هو خطاب الكراهية؟

 

وحسب دراسة موسعة نشرتها وكالة “يونسكو” التابعة للأمم المتحدة في كتاب خاص حصلت “القدس العربي” على نسخة منه فان خطاب الكراهية على الإنترنت يتميز بعدد من المزايا التي تجعل منه أشبه بالفيروس وأكثر خطراً من أي شيء آخر، كما أنه أكثر خطراً أيضاً من خطاب الكراهية الذي يمكن أن يتم نشره عبر وسائل تقليدية لا علاقة لها بالإنترنت ولا شبكات التواصل الاجتماعي.

وتقول الدراسة التي تقع في 72 صفحة وقام عليها عدد من الباحثين والخبراء المتخصصين إن “خطاب الكراهية عبر الإنترنت يجعل بعض الإجراءات القانونية التي تمت صياغتها بالنسبة لوسائط أخرى غير فعالة ولا ناجعة”.

ويضيف الباحثون إن “هناك فرقا بين رسالة يتم نشرها تتلقى القليل من الاهتمام وبين أخرى تستشري استشراء الفيروس، وهناك التعقيدات التي قد تواجهها الحكومات والمحاكم عندما تحاول أن تنظر في القضايا المتعلقة بالكراهية التي يتم بثها على الإنترنت”.

وحسب الدراسة: “يمكن لخطاب الكراهية أن يكون متنقلا ومتكررا، فحتى عندما نزيل المحتوى من مكان معين فإنه يجد له تعبيرا ويمكن لخطاب الكراهية إغلاق موقع أو في فضاء مختلف على الإنترنت، فعندما يتم إغلاق موقع على الإنترنت يمكن أن يفتح من جديد بشكل سريع باستعمال خدمة الإيواء على الإنترنت بواقع أقل تشدداً أو عبر الانتقال إلى بلد آخر ذو قوانين تضع سقفا أعلى لخطاب الكراهية”.

وتقول الدراسة إن من الإشكاليات الكبيرة حول خطاب الكراهية أيضا أنه يمكن أن يطال شخصيات بارزة، أو يؤثر على الرأي العام، لذا فالمفهوم نفسه يمكن أن يكون محل تلاعب، وهو ما تفعله بعض الدول التي تستخدم “خطاب الكراهية” ضد المعارضين السياسيين.

وعلى المستوى الدولي، تشير منظمة “يونسكو” إلى الاختلافات الكبيرة التي تخلق تباينا في تعريف خطاب الكراهية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مثلاً، حيث ركز النموذج الأمريكي على الخطاب الواضح المُعلن الذي يشكل خطراً محدقاً بينما ذهب النموذج الأوروبي في بعض الأحيان إلى تجريم المحتوى التحريضي، ولو بطريقة غير مباشرة، الذي قد يقود إلى العنف.

أما المشكلة الأخرى حسب دراسة “يونسكو” فهي أن بعض مواقع التواصل الاجتماعي تركز دون غيرها على موضوعات بعينها وتجعل النقاش حولها دائرًا طوال الوقت مثل “فيسبوك” بينما يقوم “تويتر” بتحديث موضوعاته أولاً بأول مما يجعل الموضوع الآني المطروح مرهونا بالهاشتاغ. هذا بالإضافة إلى الحسابات المجهولة للأشخاص، التي تجعل من الحصر والملاحقة أمراً مستحيلاً، بل إن الدول التي شددت على التسجيل بالأسماء الأصلية، اعتُبرت ممارساتها تدخلًا عميقاً في الحريات الشخصية.

اجراءات قانونية

وتنشغل العديد من دول العالم منذ سنوات في سن التشريعات اللازمة لمكافحة خطاب الكراهية، فيما يتوقع أن تزداد الجهود في هذا الاتجاه بعد الجريمة الإرهابية التي ارتكبها المتطرف اليميني في نيوزيلندا ضد المسلمين.

وبدأت ألمانيا منذ سنوات تتجه إلى مناقشة سن قوانين خاصة تعاقب على خطاب الكراهية، وهي القوانين التي قد تجبر مواقع التواصل الاجتماعي على دفع 50 مليون يورو كإجراء عقابي على عدم العناية بإزالة محتوى الكراهية من منصاتها.

واتخذت ألمانيا بالفعل إجراءات على أرض الواقع، منها ما فرضته على مواقع التواصل الاجتماعي بأن توظف مديرا للمحتوى يتم محاسبته بشكل شخصي ومباشر عن أي تجاوزات في خطاب عنيف أو تحريضي، فيما قامت منصات فيسبوك وتويتر وغوغل من ناحيتها بتأسيس قاعدة بيانات مشتركة تتعرف تلقائياً على المحتوى العنيف.

كما وجه الاتحاد الأوروبي مؤخراً رسالة تحذيرية لمنصات فيسبوك وتويتر مطالبا بحذف خطاب الكراهية على هذه المنصات ومحذرا من أنها لا تأخذ الخطوات الكافية لمنعه، ومهددا بفرض عقوبات على هذه المنصات في حالة عدم أخذها التحذيرات بجدية.

مسؤولية الصحافيين

ونشرت شبكة الصحافة الأخلاقية، وهي هيئة دولية مستقلة تعنى بالحفاظ على مستوى مهني جيد للصحافة في العالم، نشرت تقريراً دعت فيه الصحافيين إلى العمل من أجل تجنب الترويج لخطاب الكراهية والعنف.

وقالت الشبكة في تقريرها إن “الخطاب الخطر أو المثير للجدل يبرز على وجه الخصوص في الأوقات الصعبة، حين تكون التوترات الاجتماعية حادة والسياسيون في حرب مع بعضهم البعض”.

وقالت إنه “يجب أن يأخذ الصحافيون في الحسبان الأجواء العامة في وقت الخطاب، فسخونة الحملات الانتخابية عندما تتحدى الجماعات السياسية بعضها البعض وتتصارع من أجل جذب انتباه الرأي العام تمثل خلفية للتعليقات المهيجة وعلى الصحافيين أن يقيموا ما إذا كان التعبير عن الرأي منصفاً ومعتمداً على حقائق ومسئولاً في وسط الظروف المحيطة”.

وحسب الشبكة فانه عندما نجد شكوكاً حول نقل تصريحات تحمل خطاب كراهية قد يكون من المفيد كتابة أن “تعليقات مهينة قيلت” من دون تكرار الألفاظ نفسها.

وترى الشبكة أن على الصحافيين أن يكونوا حذرين، ويجب عليهم أن يدركوا السياق ويتضمن ذلك ما إذا كان هناك أنماط من التمييز ضد مجموعات عرقية أو غيرها ويتضمن ذلك السكان الأصليين والأقليات، وهي ليست جماعات يحق لها امتياز الاهتمام الإعلامي، لأن على الصحافيين احترام حقوق الجميع ولكن تلك الجماعات تكون في الأغلب ضحايا استهداف ما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية