مجلة ‘مجرة’ تحتفي بسبع تجارب شعرية مغربية: هل يحتاج الشعر راهنا إلى حركة انبعاث جديدة تعيد إليه روحه وحيويته؟

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: اختارت مجلة ‘مجرة’ المغربية التي تصدرها دار البوكيلي للطباعة والنشر الاحتفاء بسبعة تجارب شعرية مغربية لكل من: عبد الرفيع جواهري، عبد الكريم الطبال، أحمد الطريبق، المهدي أخريف، نجيب خداري، عبد اللطيف شهبون، حسن لشكر. استهلت المجلة عددها الجديد بكلمة حول راهن الشعر، لفتت فيها الانتباه إلى تأثير التحولات الهائلة المستحدثة في الإعلام والتواصل والذهنية وطبيعة الحياة، مما حول الشعر ـ حسب هيئة تحرير ‘مجرة’ ـ إلى مجرد ترف تتعاطاه مجموعة محدودة من شرائح المجتمع، وحال دون أن يظل هاجسا تعبيريا وقرائيا يستهوي معظم الناس.

كما تتطرق الافتتاحية إلى تأخر مكانة الشعر، خاصة مع رحيل فحوله الحقيقيين، وركوب كثير من الأقلام المتسرعة غير الموهوبة، التي ينقصها الوعي الفني والإنساني وضبط أدوات التعبير، وفي مقدمتها اللغة بما تحمله من طاقات تعبيرية جوهرية. والنتيجة ـ تقول المجلة ـ أن الشعر اختلط بالصنعة النظمية وبالمباشرة النثرية وبالرداءة، بدل أن يختلط بالشعر كما هو الحال في بعض العينات النادرة. ومن هنا، تساءلت هيئة تحرير مجلة ‘مجرة’: هل الشعر في حاجة ملحة إلى حركة من الإشراق والانبعاث جديدة، تعيد إليه الروح والحيوية وعمق التأثير، لاسيما إذا فهم شعراء المرحلة طبيعة عالمنا الجديد، واسترفدوه وتجاوزوه إلى آفاق استشرافية تنبؤية، برؤى أكثر غنى وسموا وعمقا، دون التضحية بقيم الإبداع الشعري الأساسية؟

حول قصائد الشعراء عبد الكريم الطبال والمهدي أخريف وعبد اللطيف شهبون تمحورت دراسة الدكتور محمد المسعودي التي حملت عنوان ‘القصيدة المغربية: الذات والصورة والعالم’. وبهذا الخصوص، يلاحظ الباحث أن قصيدة عبد الكريم الطبال، كغيرها من نصوص الشعراء المغاربة وغير المغاربة، تقول لنا إن العالم يعيش غور الذات، وإن الصورة الفنية لا يمكن أن تتشكل بمعزل عن مفرداته، بمعزل عن استحضار أشيائه ومخلوقاته، وبمعزل عن استدعاء الإنسان/ الآخر أيضا. وإذا كان الشاعر الطبال قد جسد العلاقة بين الذات والعالم عبر توظيف صور مرتبطة بالطبيعة ومجالها في أغلب نصوصه، فإن الشاعر المهدي أخريف يؤثث هذه العلاقة عبر أشياء مادية ترتبط بالحياة اليومية، ولكنها ترى إلى موضوعة تتجاوز الذات إلى التماهي بالآخر/ الصديق الذي هو ‘أنا’ حسب أبي حيان التوحيدي. إن شعرية المهدي أخريف تستند إلى معطيات مادية لتقول أحاسيسها ومشاعرها ولتجسد رؤاها إلى الوجود والحياة. أما عبد اللطيف شهبون، فإنه يقول مشاعره وأحاسيسه عبر لغة أخرى تتصل بالعالم اتصالا من نوع آخر، إنه ارتباط بعوالم روحية مفارقة تقول ما يغور في الذات وما يعتلج بين حناياها عبر الاستدعاء والتناص مع نصوص أخرى؛ أي أن العالم يصبح مشتغلا به باعتباره نصوصا صوفية مسترجعة من الذاكرة بمعاناة الإنسان في الآن وفي كل أوان.

وفي قراءته لخصائص التجربة الشعرية عند عبد الرفيع جواهري، يشير الدكتور حسن لشكر إلى أن هذا الشاعر دائم التجدد، لا يستقر على حال شعري أبدا، دواوينه الأربع الصادرة لحد الآن (وشم في الكف، شيء كالظل، كأني أفيق، الرابسوديا الزرقاء) لا تشبه بعضها، هناك تحول في الرؤية الشعرية وفي طريقة الإنجاز الشعري. كما يتحدث صاحب الدراسة عن غلبة الطابع الإنشادي والبعد الإيقاعي المنساب والمتدفق على مجمل نصوص جواهري، حيث تتعاقب القطع التنغيمية بشكل لافت للانتباه وتستجيب للاطرادات العروضية. كما أن الشاعر نفسه ـ رغم رهاناته الحداثية ـ أسس قوانين شعرية جديدة ترتهن إلى الضوابط الكلاسيكية وتحتكم إلى قوانينها الأساس (الوزن الشعري، نظام التقفية، بلاغة اللغة والتركيب…) لكنه أمدها بنفس جديد، وأثرى وحداتها وعناصرها بتوسط واتزان، لذلك اتسمت تجربته بثراء المعجم وقوة الإيقاع وانسياب النفس الشعري في نسق مترابط ومنسجم. وتطرق الدارس إلى خاصية أخرى تتعلق باللغة الشعرية لدى جواهري، ملاحظا أنها رقراقة وشفافة يغلب عليها الأسلوب السهل الممتنع الذي يرتهن إلى سلطة المعنى، مؤكدا أن شعر المبدع المذكور رسم جميل بالكلمات، فهو يحملنا على أجنحة الحلم والخيال ويطير بنا عبر آفاق الجمال الكوني المنفتح على احتمالات متعددة، لكنه يظل في متناول القارئ الكفء، فالاستعارات الواسعة قريبة المأخذ ومجرد جسر للعبور إلى المعنى المباشر. ويضيف صاحب الدراسة إلى ما سبق إلى أن شعر جواهري منقوع بماء الصدق والمرارة، ينساب بجدارة إلى جذور الدهشة البكر، ينتصر لقيم الجمال والحب، حافظ على الميثاق الضمني المشترك مع القارئ ببساطته وعذوبة لغته، لكنه جمع بين بلاغة الشعري وبلاغة الإيديولوجي، بين البعدين التراثي والحداثي. كما يثير الدكتور حسن لشكر إلى خاصية الانفتاح السردي في بناء المعمار الشعري، حيث تنتقل سياقات خطابية إلى السياق الشعري محملة بمرجعياتها السردية. وتختتم الدراسة بالتوقف عند دلالات عناوين دواوين الشاعر عبد الرفيع جواهري، مشيرا إلى كونها تفصح عن أفق شعري منفتح على كل الدلالات، فهي عبارة عن جمل قصيرة مركزة، لكنها غنية بالكثافة الرمزية، فهي نواة البؤرة الدلالية التي تتناسل منها وحدات القصائد.

وتحت عنوان ‘أنساق الأسلوب في قصيدة النثر’ يقدم الدكتور أحمد حافظ قراءة في ديوان ‘نزيف المدى’ للشاعر حسن لشكر، يخلص فيها إلى أن القصيدة في هذا الديوان تبحث عن أنساق ومكونات جمالية متنوعة لكي تكون وتتحقق. ومع أن هذا النوع من الكتابة ـ كما يقول ـ ما زال في طور التخلق، فإن الشاعر حسن لشكر يتعب كثيرا في ترسيخ الاشتغال بالإعداد الفني الباحث عن خصوصية. ورغم أن قصيدة النثر لم تحظ بعد بوعي قرائي ليس في المغرب فقط ولكن في العالم العربي ككل يمكنها من فرض شكلها ونسج سياقات ثقافية وفكرية تنير طريقها، فإن تمثلها لدى القارئ المتلقي تمثلا واضحا يبدو صعب المنال في الوقت الراهن، خاصة أنها ليست شكلا مسكوكا وثابتا على غرار القصيدة التقليدية، فهي لا تحكمها أوزان ولا بحور شعرية ولا قواعد لغوية بالمفهوم التقليدي السائد، بل إن إيقاعاتها تكمن فيها، وشعريتها تتخلق أثناء انكتابها.

واختار الدكتور عبد اللطيف الزكري استقراء تجربة الشاعر أحمد الطريبق أحمد من خلال ديوانه الجديد ‘ومن أسمائها الحسنى طنجة لعاليا’، ملاحظا أن الشاعر في هذا الديوان يقاوم النسيان والنكران والتيه، حيث يستعيد الذاكرة والتاريخ ومحافل الحياة في تجلياتها الخلاقة، ويستشرف طنجة التي كانت، وطنجة التي تكون مما هي كائنة الآن.

فيما تتناول الأستاذة خديجة الزيغيغي بالدرس ديوان ‘ثغر أيفري’ للشاعر مصطفى الضو، متوقفة عند بعض السمات التي تميزه، خاصة: غواية الشعر والتناص وحسية المكان وإبراز أهمية الإيمان بالله وبالموت وحب الوطن. ويقارب الدكتور أحمد زنيبر ديوان ‘يد لا تسمعني’ للشاعر نجيب خداري، محللا ما يميز هذا الديوان من تنوع للأسئلة والموضوعات من جهة، وتعدد مستوياته التعبيرية من جهة أخرى؛ مبرزا أن الذات الشاعرة حاضرة بكل ثقلها، كما الواقع، عبر تجلياتها المختلفة، حاضر كذلك، ومن ثمة نعثر على إحالات وفيرة، ظاهرة وخفية، تكشف عن بعض صور التعايش وأشكال التقاطع بين هذه الذات وبين مدارات الحياة، تجاذبا وانجذابا. بالإضافة إلى هذه الدراسات المتنوعة، يحتوي العدد الجديد من مجلة ‘مجرة’على حوار مع الشاعر والناقد والمترجم الدكتور بنعيسى بوحمالة أجراه الدكتور محمد العناز، وكذا قراءة أنجزها الدكتور مصطفى يعلى في كتاب ‘خطاب ربات الخدور: مقاربة في القول النسائي العربي والمغربي’ للدكتورة زهور كرام، علاوة على مجموعة من النصوص الإبداعية، شعرا ونثرا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية