الأمم المتحدة- “القدس العربي”: في جلسة دورية لمراجعة تنفيذ القرار 2334 (2016)، الذي طالب بوقف كافة الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قدّم خالد خياري، مساعد الأمين العام لشؤون الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، اليوم الإثنين، إحاطة شاملة حول مدى التزام إسرائيل بالقرار، كما تضمن تقريره الأوضاع الإنسانية في غزة.
وجاء في الإحاطة: “وفقا لوزارة الصحة في غزة، بلغ إجمالي عدد القتلى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أكثر من 56,500 قتيل، بينهم 1,068 قتيلا منذ 17 يونيو/ حزيران، بمعدل 82 قتيلا يوميا”.
منذ 7 أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 56,500 فلسطيني، بينهم 1,068 قتيلا منذ 17 يونيو، بمعدل 82 قتيلا يوميا
وأضاف خياري أن التقارير أفادت بأنه منذ 19 يونيو/ حزيران، قصفت القوات الإسرائيلية ثلاثة منازل في جباليا، ما أسفر عن مقتل 14 شخصا على الأقل من عائلة واحدة، بينهم طفلان وامرأة. وفي 20 يونيو/ حزيران، أفادت تقارير بمقتل 12 شخصا، بينهم أربع نساء، إثر قصف مبنى سكني في دير البلح من قبل القوات الإسرائيلية. كما أشار إلى أن أوامر الإخلاء والغارات الجوية المكثفة تجددت في مدينة غزة وجباليا.
وتابع: “استمرت الهجمات على الفلسطينيين الساعين للحصول على المساعدات، بما في ذلك سقوط ضحايا متكررة بالقرب من نقاط توزيع الأغذية وقوافل المساعدات”. وأضاف أنه منذ 17 يونيو/ حزيران، قُتل ما لا يقل عن 580 فلسطينيا أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط توزيع المساعدات أو أثناء انتظارهم لها، وفقا لوزارة الصحة في غزة.
قُتل 580 فلسطينيا أثناء انتظارهم المساعدات أو محاولتهم الوصول إليها
وأشار إلى أنه في 17 يونيو/ حزيران، قُتل 50 شخصا وجُرح 200 في خان يونس عندما أطلقت دبابة إسرائيلية النار على حشد ينتظر شاحنات مساعدات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي. وفي 24 يونيو/ حزيران، أفادت التقارير بأن قوات إسرائيلية أطلقت النار قرب مواقع مؤسسة غزة الإنسانية شمال مخيم البريج وشمال غرب رفح، ما أدى إلى مقتل 49 فلسطينيا وإصابة 197 آخرين.
أما في الضفة الغربية المحتلة، فأكد خياري أن قوات الأمن الإسرائيلية واصلت عملياتها العسكرية، خاصة في شمال الضفة. ففي 25 يونيو/ حزيران، قُتل فتى فلسطيني يبلغ من العمر 15 عاما خلال عملية عسكرية في اليامون غرب جنين، وفي اليوم ذاته، قُتلت امرأة مسنّة برصاص القوات الإسرائيلية في مخيم شعفاط للاجئين في القدس الشرقية.
وأشار إلى تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين في الأيام الأخيرة، حيث أفادت التقارير في 19 يونيو/ حزيران بأن مستوطنين مسلحين، بحضور القوات الإسرائيلية، أطلقوا النار على فلسطينيين في بلدة صوريف شمال غرب الخليل، مما أدى إلى مقتل شخص وإصابة سبعة. وفي 25 يونيو/ حزيران، قُتل ثلاثة فلسطينيين خلال هجوم على بلدة كفر مالك، تخلله إشعال حرائق من قبل المستوطنين بحضور قوات الأمن الإسرائيلية. وفي اليوم التالي، قامت القوات الإسرائيلية بتفكيك بؤرة “بعل حتسور” الاستيطانية، ما أدى إلى اشتباكات متكررة مع المستوطنين. ووفقًا للقوات الإسرائيلية، قام مستوطنون برشق الحجارة على الجنود ومحاولة دهس مركبة عسكرية، مما دفع القوات لاستخدام الذخيرة الحية، ما أدى على الأرجح إلى إصابة فتى إسرائيلي يبلغ من العمر 14 عاما.
وأعرب خياري عن أسفه لتعليق المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية لقضية فلسطين وتنفيذ حل الدولتين، مشيدًا بالتزام فرنسا والمملكة العربية السعودية، الرئيسين المشاركين، بعقده في أقرب وقت ممكن.
واختتم خياري مداخلته قائلا: “اسمحوا لي أيضا بتعليق موجز بشأن التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل، والذي ناقشه المجلس في الأيام الماضية. أكرّر إدانة الأمين العام للخسائر المأساوية وغير المبررة في الأرواح والإصابات بين المدنيين، والأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية الحيوية. لقد دُمّرت منطقة الشرق الأوسط بسبب الصراع، ولا يمكنها تحمّل تصعيد آخر. نرحب باتفاق وقف إطلاق النار في 24 يونيو/ حزيران الذي أعلنه الرئيس ترامب، ونُشيد بجهود الولايات المتحدة، بالتنسيق مع قطر، لإنهاء الأعمال العدائية. ونأمل أن يتم تطبيق وقف إطلاق النار في الصراعات الأخرى في المنطقة، ولا يوجد مكان أكثر حاجة إليه من غزة”.
من جانبه، قال السفير الباكستاني عاصم افتخار أحمد إن العنف الإسرائيلي لا يقتصر على غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، حيث كثّفت إسرائيل غاراتها العسكرية، ووسعت من مستوطناتها غير القانونية، وسمحت للمستوطنين بممارسة عنف غير منضبط.
ووفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل 949 فلسطينيا، بينهم 200 طفل على الأقل، في الضفة الغربية بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 و19 يونيو/ حزيران 2025، وشُرّد أكثر من 40 ألفا قسرا، في أكبر موجة نزوح منذ عام 1967.
949 فلسطينيا، بينهم 200 طفل، قُتلوا في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، وشُرِّد أكثر من 40 ألفا قسرا
وأكد السفير أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي أكد عدم قانونية المستوطنات وطالب بوقف توسعها فورا. وقال: “بعد مرور تسع سنوات على اعتماد القرار 2334، لم نشهد تطبيقه، بل شهدنا تراجعا وتشجيعا للممارسات غير القانونية التي تعيق آفاق السلام وحل الدولتين. إن عدم إنفاذ قرارات المجلس يحمل عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليين، ويقوض مصداقية المجلس وسلطته”.
وشدد السفير الباكستاني على أن قضية فلسطين تظل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، مؤكداً ضرورة التحرك السريع والواضح من قبل مجلس الأمن لتحقيق حل عادل ودائم. وطرح خمس خطوات أساسية:
أولا: وقف فوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار دون تأخير، مع دعم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه.
ثانيا: رفع الحصار عن المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون شروط، وضمان وصول آمن وغير مقيّد للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
ثالثا: دعم دولي لخطة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لإعادة الإعمار في غزة، باعتبارها ضرورية لإعادة الأمل وإرساء أسس السلام.
رابعا: اتخاذ تدابير عملية ومحددة زمنيا لتنفيذ القرار 2334 للحفاظ على جدوى حل الدولتين ومنع فرض وقائع لا رجعة فيها على الأرض.
خامسا: إطلاق عملية سياسية موثوقة لا رجعة فيها على أساس حدود ما قبل يونيو/ حزيران 1967، مع القدس الشريف عاصمةً لدولة فلسطين، واستئناف المؤتمر الدولي رفيع المستوى في أقرب وقت ممكن لتحقيق هذا الهدف.
الجزائر: مقبرة مفتوحة
من جهته، تحدث نائب الممثل الدائم الجزائري، توفيق الكودري، مؤكدا أن اللوم يقع بالكامل على الاحتلال الإسرائيلي الذي يتجاهل قرارات مجلس الأمن، ومن بينها القرار 2334 (2016)، محولا إياها إلى “أرشيف النسيان”. وأوضح أن عدد الضحايا الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تجاوز 56,500 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، حيث سقط 18 ألف طفل، و12,400 امرأة، و4,000 مسن، بالإضافة إلى 11,100 مفقود.
وتساءل المندوب الجزائري قائلاً: “من يصدق أن هؤلاء يشكلون خطرا على الأمن الإسرائيلي؟ أي عقيدة تبيح قتل الأطفال والرضع؟ إنه القتل من أجل القتل، ديدن المحتل وميثاق المجرم”. وأضاف أن منع حليب الأطفال يخضع لأحكام عسكرية، مما يجعل بطون الغزيين خاوية، إذ أصبح الجوع سلاحا يُستخدم ضدهم. في ظل المجاعة التي تفتك بالسكان، تُهان كرامتهم، ويُقال إن هناك مراكز لتوزيع الغذاء، بينما قتل أكثر من 600 فلسطيني وأصيب 4,000 أثناء محاولتهم البحث عن لقمة العيش. رغم ذلك، يصرح الاحتلال بكل وقاحة أن إدخال المساعدات الإنسانية “عار يجب وقفه”.
وطالب نائب السفير الجزائري برد واضح من الذين يدعون أن الوقت لم يحن بعد لوقف القتال وإدخال المساعدات، مستنكرا تحويل غزة إلى “مقبرة جماعية”. وأكد أن شفاء غزة لن يتحقق عبر المسكنات، بل بخطوات جماعية نخطوها جميعا باسم الإنسانية.
وأشار المندوب الجزائري إلى أن الأوضاع في الضفة الغربية ليست أفضل حالًا من غزة، حيث يسعى الاحتلال لمحو الذاكرة الفلسطينية، ودفن الرواية، وحصار الكرامة. ويتجلى ذلك في سن قوانين تستهدف وجود الشعب الفلسطيني، ومصادرة أراضيه، ومحاولة إلغاء دور وكالة “الأونروا” التي تشكل الشاهد الحي على نكبة الفلسطينيين.
وأوضح أن هناك شعبا يُباد في ظل غياب تنفيذ القرارات الدولية، بما في ذلك القرار 2334. ففي الضفة الغربية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة التي يغطيها التقرير، قُتل 47 فلسطينيا بينهم 10 أطفال، وأصيب 1,124، ونفذت قوات الاحتلال أكثر من 2,380 عملية اقتحام واعتقلت نحو 1,500 شخص منهم 76 طفلا. كما قضى 70 فلسطينيا في سجون الاحتلال، وهُدم 453 منزلا.
أما فيما يتعلق بالاستيطان، فأوضح أن ظله يتوسع، حيث أُقر بناء 6,570 وحدة سكنية في مناطق “جيم” و22 مستوطنة جديدة. ويواصل المستوطنون تحت حماية الجيش ممارسة القتل والعنف، وتدمير البيوت، وحرق المزارع، واختطاف الأطفال، كما حدث في بيت فوريك، إضافة إلى قتل ثلاثة فلسطينيين في بلدة كفر مالك، حسب توثيق الأمم المتحدة.
وختم كودري تساؤله الموجع: “أي سلام هذا الذي يُبنى على ركام البيوت؟ لقد تحولت فلسطين بأكملها إلى مقبرة مفتوحة، ومجلس الأمن صامت وعاجز. الصمت ليس حكمة، بل شراكة. إما حماية الشرعية الدولية أو إعلان موتها.”
فلسطين: ينكرون وجودنا لتسهيل قتلنا
أشار نائب المراقب الدائم لدولة فلسطين، السفير ماجد بامية، في كلمته، إلى أن التقرير الأخير يثبت بشكل قاطع استمرار عمليات القتل في غزة والضفة الغربية، وتواصل مصادرة الأراضي الفلسطينية. وقال إن التقرير يعكس الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الفلسطيني نتيجة عجز المجلس عن التحرك، مشددا على أن إدانة الاستيطان لم تتوقف يوما، لكن الجرائم مستمرة لأنها تمر دون مساءلة.
وأضاف أن هناك إجماعا دوليا على ضرورة وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح الرهائن والمعتقلين، والانسحاب من الأراضي الفلسطينية، إلا أن ما يحدث فعليا هو استمرار القتل في انتظار التوصل إلى اتفاق. وتابع: “نرفض أن يستمر ذبح الفلسطينيين حتى يتم التوصل إلى اتفاق. اليوم هو اليوم الـ632، والمجازر لم تتوقف. الشعب الفلسطيني يخوض معركة من أجل البقاء، ويواجه خطرا وجوديا، ويرفض أن يكون الموت هو الأفق الوحيد أمامه. بل هناك من ينكر أصلا وجود الشعب الفلسطيني. فشيطنة الفلسطينيين تهدف إلى تمهيد الطريق لإبادتهم”.
الشعب الفلسطيني يخوض معركة من أجل البقاء، ويواجه خطرا وجوديا
ولفت بامية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنكر وجود فلسطين علنًا، عندما رفع في سبتمبر/أيلول 2023 خريطة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حُذفت منها فلسطين بالكامل، في تأكيد على رؤية إسرائيل للامتداد من “النهر إلى البحر”.
وأوضح أن الواقع في غزة والضفة الغربية يكشف سلسلة من المجازر، حولت القرى والمدن الفلسطينية إلى معازل محاصرة وسط بحر من المستوطنات والنقاط العسكرية. وقال: “من مسافر يطا إلى كفر مالك، ومن الطيبة إلى دير دبوان، ومن القدس إلى جنين، ومن نابلس إلى طولكرم، ومن طوباس إلى بيت لحم والخليل، يُحاصر الفلسطينيون، يُخنقون، يُعتقلون، ويُقتلون. كل ذلك يُرتكب باسم أمن الاحتلال، بينما الحقيقة أن هذا الأمن المزعوم يهدد وجود شعب بأكمله”.
وأكد السفير بامية أن الحل الوحيد هو بإنهاء الاحتلال، ووضع حد نهائي للعنف والقتل، مشددا على التزام فلسطين بعدم اللجوء إلى العنف قولا وفعلا، وأنها اعترفت بإسرائيل منذ أكثر من ثلاثين عاما، وتدين كل الهجمات على المدنيين دون تمييز. ورغم ذلك، يُقتل يوميا نحو 100 فلسطيني، سواء في الخيام، أو مراكز توزيع الغذاء، أو المستشفيات والمدارس ومخيمات الإيواء، ويتعرضون لتجويع ممنهج، ويُحشرون في 16% فقط من مساحة قطاع غزة، الذي كان أصلًا من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.
وفي ختام كلمته، شدد بامية على أن الفلسطينيين لهم الحق في العيش بحرية وكرامة في دولتهم المستقلة، وقال: “نحن بشر مثل باقي شعوب الأرض، وليس قدرنا أن نُخلق لنُقتل. من يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فليخبرنا بما يقترح: دولة واحدة يتساوى فيها الجميع؟ لا نعتقد. أم إبادة؟ أم تهجير؟ أم نظام فصل عنصري؟ هذا ما نشهده فعليًا: قتل، وتهجير، وأبرتهايد”.
وجدد السفير الفلسطيني تأكيده أن لا حل إلا بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، عاصمتها القدس، مشيرا إلى أن “حل الدولتين يعني السيادة، والحرية، والأمن، والكرامة”، ومؤكدا أن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكًا بهذا الحل العادل والمتوازن، القائم على المساواة في الحقوق والسيادة.