“مجلس الحرب” في إسرائيل.. مسرح للتراشق بعدما كان قدس أقداسها

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: أصاب “طوفان الأقصى” إسرائيل في هيبتها وصورتها وثقة مواطنيها بها، فسارت لشن الحرب على غزة تلبيةً لشهوة الانتقام واستعادة ماء الوجه وقوة الردع وترميم وعي الإسرائيليين وكيّ وعي الفلسطينيين، خاصة داخل القطاع، بـ “نكبة ثانية”.

خرجت في حرب متوحشة تحت عنوان “معاً ننتصر”، وفي التزامن شكّلت مجلس حرب (لجانب مجلس حكومي مصغر هو الكابنيت)، انضم له الحزب المعارض “المعسكر الدولاني”، برئاسة بيني غانتس، والنائب غادي آيزنكوت، وهما جنرالان في الاحتياط، وقائدان سابقان لهيئة الأركان.

قال آيزنكوت إن على باقي أعضاء مجلس الحرب الكفّ عن الكذب على أنفسهم، مطالباً بإظهار الشجاعة للتوصل إلى صفقة كبيرة تعيد المختطفين، بدل الاستمرار في القتال بشكل أعمى

 وكان تشكيل مجلس الحرب، الذي يتولى إدارتها، قد خلق توتراً مع الكابنيت الموسّع الذي يشمل وزراء متشدّدين، أمثال بن غفير وسموتريتش، وتم استبعادهم عن قرارات الحرب كشرط غانتس لانضمامه للائتلاف الحاكم مؤقتاً. غير أن الخلافات سرعان ما اندلعت داخل مجلس الحرب نفسه، ولم تتوقف حتى الآن، وهي قائمة في أكثر من محور، ودوافعها لا تقتصر على خلافات في التوجهات، بل هي نتيجة رواسب وحسابات شخصية، وطغيان مثل هذه الحسابات بات ظاهرة ملازمة للسياسة الإسرائيلية في العقود الأخيرة، خاصة منذ صعود نتنياهو الحكم، في 1996. طالما كانت الخلافات والحسابات الشخصية أيضاً جزءاً من السياسة في إسرائيل، لكن مقاديرها ولهجتها وعلنيّتها الآن غير مسبوقة.

اختلافات موضوعية وخلافات شخصية

من جملة عوامل انقسامات مجلس الحرب، التي تخرج أحياناً غير قليلة للعلن، هو فشل الحرب في تحقيق أهدافها العالية وسريان شعور بالإحباط  لدى أقطابه، علماً أن إسرائيل دخلت هذه الحرب بهذا الشعور، وتحت صدمة السابع من أكتوبر.

ورغم تدمير القطاع تكبّدت إسرائيل أثماناً اقتصادية هائلة، وخسائر موجعة، تبلغ اليوم 200 جندي قتيل، وآلاف الجرحى، في حرب تبدو مفتوحة، ودون جدوى.

ومن عوامل التوتر، الذي يتفجّر أحياناً داخل مجلس الحرب، وداخل اجتماعات الكابنيت الموسّع، محاولات المستوى السياسي التنصّل من المسؤولية عمّا حصل. الجيش، ممثل بقائده هليفي، يقرّ بالفشل الذريع في السابع من أكتوبر، لكنه يرى أن الفشل ليس استخباراتياً عسكرياً فحسب، بل إستراتيجي تتحّمل مسؤوليته الحكومة ورئيسها، بعدما راهنت على إمكانية اقتناء الهدوء من “حماس”، وزعمت أن هذه مرتدعة وخائفة، حتى قلبت الطاولة على رأس إسرائيل، وأخذتها على حين غرة.

الكفّ عن الكذب على أنفسنا

 بعد 108 يوم، يرفض رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو تلبية طلب المؤسسة الأمنية، وبعض شركائه في مجلس الحرب، وطلب واشنطن، بتحديد أهداف واقعية لتتمة القتال، ملامح اليوم التالي بعد الحرب، ورسم أفق سياسي يساعد الجيش في إنهاء مهامه بدلاً من المراوحة في المكان، والتورط في حرب استنزاف.

وتتهم أوساط إسرائيلية كثيرة نتنياهو بأنه يرفض ذلك، ويطيل أمد الحرب من أجل إطالة عمر حكومته، والبقاء في السلطة، ولذا فهو يرفض أيضاً الاستجابة لمطالب عائلات المحتجزين وأنصارهم الكثر، بضرورة استعادتهم أحياء فوراً، حتى بثمن وقف الحرب دون نتائج. يثير ذلك غضب غانتس وآيزنكوت، ويتسبّب بخلافات داخل مجلس الحرب (وخارجه- مع معظم الوزراء الإسرائيليين)، وعبّرَ غادي آيزنكوت عن ذلك بالقول إنه “على باقي أعضاء مجلس الحرب الكفّ عن الكذب على أنفسهم، مطالباً بإظهار الشجاعة للتوصل إلى صفقة كبيرة تعيد المختطفين، بدل الاستمرار في القتال بشكل أعمى”.

 مظاهر الانقسام

وتتجسد الانقسامات والاختلافات على أنواعها داخل مجلس الحرب بتجليات كثيرة، منها مشاركة الوزير فيه غانتس في مظاهرة حاشدة بتل أبيب، خلال الأسبوع الماضي، هاجمت أداء الحكومة في ملف المحتجزين في غزة.

كما حَمَلَ آيزنكوت على نتنياهو علانيةً، في مقابلة مطولة، قبل أيام، مع القناة 12 العبرية، قال فيها إنه ليس واثقاً من عدم خلط الحسابات داخل مجلس الحرب، داعياً لانتخابات عامة جديدة.

كشف موقع عبري عن أن غالانت حاول اقتحام ديوان نتنياهو، وكادت الأوضاع تتدهور نحو عراك بالأيدي مع موظفي وحاشية رئيس الوزراء.

علاوة على محور الخلافات بين غانتس وآيزنكوت مقابل نتنياهو، شهد مجلس الحرب، في الأسابيع الأخيرة، توتّرات بين آيزنكوت ووزير الأمن غالانت، على خلفية الاختلاف حول طريقة إدارة الحرب عسكرياً، وفق تسريبات عبرية. ولا يقلّ بروزاً وفضائحية محور الخلاف الذي بات مكشوفاً بين نتنياهو وغالانت، بعدما بادر الأخير للتحذير من النتائج الأمنية الوخيمة المترتبة على الاستمرار في “الإصلاحات القضائية”، بخلاف موقف نتنياهو، الذي سارع لإقالته بشكل مهين، في مارس/آذار الماضي، وبالتزامن شنّ نجله يائير نتنياهو حملة قدح ضد غالانت في منتديات التواصل الاجتماعي، ومن وقتها مرّت عنزة سوداء بينهما. ويتجلّى الاشمئزاز المتبادل في عدم التشارك في مؤتمرات صحفية، بعد بعض مؤتمرات صحفية مشتركة فضحت لغة الجسد انعدام الثقة بينهما. وما يزيد الطينة بلّة بينهما أن نتنياهو لا يحتمل وزراء مستقلّين من حوله، خاصة وزير الأمن.

تجليات التوتر

وتجلت هذه الخلافات ذات الطابع الشخصي في عدة حوادث مربكة، منها إقدام نتنياهو، قبل أسبوع، على منع مدير مكتب غالانت من حضور جلسة الكابينت، ما أغضب غالانت، الذي اتهم نتنياهو بالتشويش على عمله، وانسحب محتجّاً من الجلسة لمدة ساعة قبل أن يعود لاحقاً. وأكثر من ذلك؛ فقد كشف موقع “والا” العبري، أمس، عن أن غالانت حاول اقتحام ديوان نتنياهو، وكادت الأوضاع تتدهور نحو عراك بالأيدي مع موظفي وحاشية رئيس الوزراء.

وحسب التسريبات في “والا”، هدّدَ غالانت وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر، المقرّب من نتنياهو، بإحضار لواء غولاني للسيطرة على الوضع في مجلس الحرب”.

 سُمع نتنياهو يشكر الوزيرة ميري ريغف، المتميزة بلسانها الطويل، على قيامها بـ “عمل ممتاز” عندما حملت على ليفي. وهذا يندرج ضمن التوتر الكبير بين المستويين السياسي والعسكري

وبلغت أزمة الثقة بين مكونات مجلس الحرب أن تعرض قائد الجيش هليفي لمحاولة تفتيشه عند دخوله اجتماع لمجلس الحرب، ما أثار ضجة واسعة، بعدما كشفت القناة 13 العبرية عن ذلك، معتبرةً الحادثة فضيحة. وجاءت محاولة التفتيش على خلفية شكوك نتنياهو بوجود بعض الجهات المشاركة في اجتماعات مجلس الحرب تقوم بتسجيل وتسريب بعض ما يدور فيه من مباحثات سرية.

وفي هذا المضمار، كانت مجموعة من الوزراء المقرّبين من نتنياهو قد أوقعوا بهليفي داخل كمين خلال اجتماع الكابنيت الموسّع، عندما حملوا عليه لمبادرته تشكيل لجنة فحص عسكرية لمجريات الحرب، ما أدى لتراشق بين غالانت وآيزنكوت من جهة، وبقية الوزراء، فيما التزم نتنياهو الصمت، واعتُبر صمته علامة رضى.

وأمس الأول، كشفت القناة 12 العبرية عن مصدر مسؤول قوله إنه سمع نتنياهو يشكر الوزيرة ميري ريغف، المتميزة بلسانها الطويل، على قيامها بـ “عمل ممتاز” عندما حملت على ليفي. ونوّهت القناة بأن هذا يندرج ضمن التوتر الكبير بين المستويين السياسي والعسكري.

وفي مجلس الكابنيت الموسّع، فإن الاختلافات والخلافات أكبر وأكثر فضائحية، وتبلغ حد التراشق، وفق تسريبات متتالية، منها اشتباكات لفظية بين غالانت ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

وعلى خلفية كل ذلك، يبدو أن فتيل غانتس وآيزنكوت لم يعد طويلاً، وخروجهما من الائتلاف بات مسألة وقت، في نظر مراقبين كثر، وعندئذ سيكون انسحابهما إيذاناً بحملة احتجاجات واسعة في الشارع الإسرائيلي ضد الحكومة وإدارتها شؤون الحرب، وفي الجبهة الداخلية أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية