بغداد-“القدس العربي”:ضمن محاولات مواجهة استفحال ظاهرة تفشي الفساد في جميع مفاصل الدولة العراقية، ترأس رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي الاجتماع الأول لـ”المجلس الأعلى لمكافحة الفساد” في بداية تحرك حكومي للحد من تداعياته الخطيرة على اقتصاد البلاد وسمعتها الدولية.
وفي الجلسة الأولى للمجلس المذكور، أعلن عبد المهدي “ان الهدف من إعادة تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد هو تمكينه من اتخاذ الإجراءات الرادعة وتوحيد جهود الجهات الرقابية في سياق عمل جديد قادر على التصدي لأي جهة أو شخص مهما كان موقعه، وأن نتصرف كدولة في كشف الفساد وحماية المجتمع والمواطنين والمال العام على حد سواء” عادا الفساد عدوا مثل “داعش”.
وإضافة إلى رئيس الوزراء، شارك في جلسة المجلس رؤساء الدوائر المعنية بالموضوع مثل الادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي وديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، وعدد من المستشارين والمفتشين، حيث تم بحث آليات العمل والاتفاق على توقيت بدء الإجراءات وفق السياقات الجديدة.
وأشار عبد المهدي إلى ان تشكيل هذا المجلس يأتي تنفيذا لما تعهدت به الحكومة في منهاجنا الحكومي الذي صادق عليه مجلس النواب وأصبح واجب التنفيذ، منوها إلى ضرورة أن يتمتع المجلس الأعلى لمكافحة الفساد بالصلاحيات الإدارية والقانونية الكافية للسيطرة على ملف الفساد ومعرفة مواطنه ومكامن الخلل في المتابعة والتنفيذ والمضي بمسار واحد من أجل تحقيق مخرجات واضحة ومنع الضرر الفادح الذي أصبح يهز صورة الدولة والمجتمع وسمعة المواطنين بشكل عام.
وقبل أيام التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، جميع قضاة النزاهة في عموم محاكم البلاد خلال اجتماع حضره رئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي، دعا خلاله لبحث تطوير آليات مكافحة الفساد وفق متطلبات المرحلة الحالية، كما أصدر عددا من التوجيهات التي تسهم في سرعة انجاز القضايا.
وبالتزامن مع التوجه الحكومي بدأت هيئة النزاهة في مجلس النواب، حراكا لإعادة فتح آلاف الملفات المتعلقة بالفساد المالي والإداري والتي تم تجميدها خلال الفترات السابقة.
وقد كشف عضو لجنة النزاهة النيابية صباح العكيلي، عن وجود 13 ألف ملف فساد لم يتم تحريكها واتخاذ إجراءات بحقها منذ سنوات، مشيرا إلى “أن أولويات لجنة النزاهة النيابية في المرحلة المقبلة هو فتح جميع تلك الملفات دون خشية أو مجاملة سياسية” حسب قوله.
وأعلن العكيلي في تصريح صحافي، إن “هناك 13 ألف ملف معطل منذ 2003 وحان الوقت لإعادة فتحها ومتابعتها مع الجهات التنفيذية وكشف الجهات والشخصيات المدانة بقضايا فساد مهما كانت انتماءاتهم الحزبية” مقرا بـ “وجود مشاكل وضغوطات تواجه عملنا في اللجنة”.
وتعد ملفات الفساد، أحد أبرز التحديات التي تواجه حكومات ما بعد 2003 وذلك لتداخل تلك الملفات مع النفوذ السياسي لمعظم الأحزاب المتحكمة بالسلطة، والتي تعرقل فتح الملفات للتستر على النهب الهائل لثروات البلاد الذي قامت به خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وفي مؤشر لحجم الضغوط التي تقوم بها الأحزاب لمنع فتح ملفات الفساد، فقد أقدم حسن الياسري، رئيس هيئة النزاهة (هيئة حكومية مستقلة) على تقديم استقالته، مبينا أن “أحد أسباب رغبته في تقديمه الاستقالة مراراً، يعود إلى أن السلطات لم تتخذ إجراءات إلا في 15 في المئة من 12 ألف قضية فساد أجرت الهيئة تحقيقات بشأنها وأحالتها إلى القضاء” مؤكداً أن “العدد قليل جداً”.
وفيما دعا الياسري، القضاء إلى أن يحسم القضايا بسرعة لمسايرة عمل الهيئة، فانه كشف أنه “يواجه انتقادا مستمرا من التكتلات السياسية التي اعتادت استخدام سيطرتها على الوزارات لتقديم الخدمات لأنصارها”.
وكان حسن الياسري أعلن عن تنفيذ هيئة النزاهة (293) عمليةَ ضبط خلال عام 2017 مشيرا إلى أن الأموال التي تم ضبطها في تلك العمليات فاقت 51 مليار دينار.
وأضاف خلال مؤتمر صحافي أن عدد المتهمين المضبوطين في تلك العمليات بلغ 483 متهماً، منها استصدار 90 أمر قبض واستقدام وتوقيف ومنع سفرٍ بحق وزراء ومن في درجتهم. كما أن “عدد الذين صدرت في حقهم أوامر استقدام من ذوي الدرجات الخاصة والمدراء العامين ومن هم في درجتهم بلغ 306 أمرا”.
وكان سياسيون ومختصون ورجال دين وإعلام، أشاروا إلى آلاف ملفات الفساد وهدر المال العام التي عجزت الهيئات القضائية عن فتحها طوال السنين الماضية.
ووجه النائب عن محافظة البصرة رامي السكيني، اتهامات مباشرة لأحزاب وجهات متنفذة في الضلوع في تهريب نفط البصرة إلى خارج العراق، بما يهدد ثروة البلاد.
وقال في تصريحات صحافية ولقاءات تلفزيونية: “ليست هناك جهة واحدة تعمل بمفردها على تهريب النفط، إنما جهات عدة تنسق أعمالها فيما بينها، القصة ليست جديدة، لكن المقلق أنها بدأت تتحول من مجرد حالة إلى ظاهرة واسعة الانتشار تقف خلفها أحزاب وعصابات ومسؤولون”. وأكد أن “الأمر بحاجة إلى تضافر جميع الجهود لمكافحة هذه الآفة التي تهدد ثروة البلاد وتذهب إلى جيوب الجشعين بدلاً عن ذهابها لخدمة الفقراء”.
وكشف النائب السابق القاضي وائل عبد اللطيف “أن الحكومة السابقة التي كان يرأسها نوري المالكي، قد سحبت خلال ثماني سنوات 29 مليار دولار من احتياطي البنك المركزي الذي كان يصل إلى 89 مليار دولار”. وتساءل عن مصير تلك المليارات رغم أن أسعار النفط في تلك الفترة كانت مرتفعة والحكومة لم تكن تواجه ضائقة مالية كالتي تواجهها الحالية، طالبا من الحكومة التحقيق في هذا الموضوع الخطير.
وأشار القاضي، إلى مجال آخر لاستنزاف احتياطي البنك المركزي العراقي من خلال قيامه ببيع العملة الصعبة إلى البنوك الأهلية بأسعار مخفضة والتي تقوم بدورها بتحويل مبالغ تصل إلى المليارات من الدولارات إلى الخارج بالتحايل على القانون والتعليمات. وحمّل البنك المركزي مسؤولية هدر ونهب المال العام من خلال سوء الإدارة الذي سيجر البلاد إلى إنهاء احتياطيها من العملة الصعبة والوصول إلى حالة الإفلاس.
بينما دعا النائب أحمد المشهداني، إلى فتح ملف بطاقة المواد التموينية ومتابعة الأموال التي رصدتها الحكومة لوزارة التجارة ومحاسبة الفاسدين على مدى سنوات سابقة.
وأضاف أن “الفساد كبير في هذا الملف ويحتاج إلى متابعة جدية وعدم السماح بالتلاعب بقوت الشعب”.
وهناك المئات من ملفات الفساد الأخرى التي عجزت الحكومات عن فتحها رغم كثرة الإشارة إليها وانتقادها من قبل السياسيين والجمهور وهيئات النزاهة ووسائل الإعلام.
ويذكر أن منظمة الشفافية الدولية، أعلنت العام الماضي تقريرها عن مؤشر مدركات الفساد، وقد احتل فيه العراق المرتبة 169 من إجمالي 180 دولة مدرجة في مؤشر الفساد.
وكان موضوع مكافحة الفساد وكشف الفاسدين، أبرز مطالب التظاهرات المطالبة بالإصلاح التي انطلقت في العاصمة العراقية ومعظم مدن البلاد منذ سنوات.
وتشير مصادر اقتصادية مطلعة إلى أن إعلان تشكيل هذا المجلس جاء التزاما من الحكومة ببنود برنامجها الذي تعهدت به أمام مجلس النواب، وللتخفيف من عزوف الدول والمؤسسات الأجنبية عن تقديم أموال المساعدات لإعادة إعمار المدن المدمرة أو الاستثمار في المشاريع، جراء قلقها من ضياع الأموال ووصولها إلى مافيات الفساد والمال السياسي، إلا ان تلك المصادر تخشى أن يكون مصير هذا التحرك الحكومي لمواجهة الفساد محدود التأثير، وذلك لتمتع حيتان الفساد بدعم الأحزاب السياسية المتحكمة بالسلطة، التي تحقق موارد مالية هائلة بفضل الفساد المالي والإداري، والتي لديها الخبرة والقدرة على الإفلات من الملاحقات القضائية وغلق الملفات أو تجميدها بمختلف الوسائل والطرق، كما حصل منذ 2003 وحتى الآن.