مجموعة الشاعر التونسي المنصف الوهايبي “السوريون”: إحياء المأساة بتفجير طاقة الكلمة

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

عندما “تستفعل” الكتابة رحم كلماتها، و”تتفاعل” لتنفخ فيه من روحها، وتنسج أجنحة ما تخلّق بأسلاك القيثارات وجلود الطبول، وتفتح له أذرع ساحات وشوارع دمشق لكي يحلق بنار رقص السوريين المتشابكين بأذرعهم كما النسور، فإنها تضعك في مهب تفجير معاكس لتفجير أجساد السوريين ببراميل وصواريخ القتلة، هو تفجير طاقة الكلمة التي في البدء كانت خطى “شعب الملاحة، أنجليز الأعصر الأولى”.

في مجموعة الشاعر التونسي المنصف الوهايبي “السوريون”، المغلفة عضوياً بـ”غورنيكا” بيكاسو، حيث تمزقُ الأجسادَ الصارخةَ الضارعةَ قرونُ ثور الفاشية الهائجةِ بعماء براميل متفجرة؛ يرتجف القلب وهو يقرأ الجملة الأولى من فاتحة القصيدة الأولى: “السوريون 1″، المشكّلة، كما يقول الشاعر، وكما يكتشف القارئ ذلك بحق: رسوماً لم يحلم بها المخرج السوريالي الإسباني لويس بونويل: “تفاحة ذهبية هذي لأجملكن”.

وكما لو أن الطير سوف يحوم فوق الرأس في متابعة القراءة خوفاً على شاعرٍ معلمٍ مثل المنصف الوهايبي، من أن يكون قد وقع في فخاخ مُحيي القراء وقاتل الشعراء محمود درويش، باستذكار بيروت، وحصان الأب؛ يتولد كذلك في متابعة القراءة شعور التحدي باكتشاف التماثلات والتخالفات. ويقع قارئ الشعر، دون مقاومة مثلما حدث لي، في متعة اكتشاف تحدي الوهايبي لنفسه، وهو واعٍ كما يبدو لذلك، وواثقٍ من فوزه بهذه السباحة الخطرة في بحور درويش، وأكثر من ذلك اكتشاف ثقته في إيصال تحديه باختلاف قصيدته وسباحته في بحوره الخاصة به، وإهداء قصيدة “السوريون 4 ــ أنا يام بن نوح، إلى محمود درويش في ذكراه”، دافعاً القراءة إلى آمادٍ واسعة من متعة فتح مغاليق أسرار الكتابة، بثراءٍيتجاوز حدود تفاعلات التماثل والتخالف، إلى الارتقاء لثراء التلاقح اللغوي الإبداعي مع الثقافات التي عرضت أسطورة الطوفان.

ففي فاتحة هذه القصيدة يدخلنا الشاعر في أسرار توليد القصيدة: “كنا نرى الأشياء تصنع في أناةٍ ضوءَها/ والآن نشعل ضوءنا فيها ونسرق كحلها/ سراق ليلتها../ لصوص نهارها /كنا نرى الأشياء تغلق بابها سراً وتطبقه/ على دم حيضها/ حتى إذا قبض النعاس جفونها استرخت لنا يدها/ ونلناها على ميقات غفلتها/ يكفي قليل من بذار ذكورة لغوية/ فينا وفيها؛ كي تكون لنا /وماءُ أنوثة فيها وفينا/ كي نكون لها”.

وفي عمق هذه القصيدة يضعنا الشاعر على خشبة عَوْم يام بن نوح في خضم مياه الطوفان، التي تنثر السوريين جثثاً ترددها مياه المتوسط، لنعيش القطيعة مع ماضي الاستبداد الأبوي:

“أنا لا أحبك يا أبي

توحي لنفسك أنه يوحى إليكَ

وأنت من أوحدْتَني

ونصبْتني غَرَض المياه تنوشُني

وتشد خاصرتي

وكنتُ أرى بها

في عمق هاويتي أنا

أضواءَ هاويتي أنا”.

في مجموعة “السوريون”، وبالقدر الذي يعرض فيه مأساة السوريين بأبعاد الشعر الملحمي، وإن بلوحات سوريالية تتشكل كما كوابيس بونويل ودالي في فيلم “كلب أندلسي”، يوسع الوهايبي هذه الأبعاد إلى عرض الكتابة نفسها لنفسها كحياة. وهذا من أجل تجاوز فخاخ عرض المأساة بأسلحة خشب الاعتياد، على الصراط الذي تُوقِع فيه المأساة من لا يرتقي للرقص فوق هاويتها بروح الإبداع التي تنتشلها من المحو، وتبقيها حيةً أمام أجيال الضحايا، وكابوساً يؤرق ليل الجلادين.

من أجل ذلك، وبوعي لا يُقدر أن يكون غائباً عن شاعر متمرس في معالجة الكتب والنقد والشعر مثله، ينسج الوهايبي بنية مجموعته الشعرية المبنية على التفعيلة، بإضافة نصوصٍ وقصائد نثر لا يبدو في الظاهر أن لها علاقة بموضوع القصائد، لكنها في جميع الأحوال ترقى إلى مستوى الإبداع. وهي تأتي تحت عنوان: “النصوص ما بعد الأخيرة”، في نهاية قصائد شعر التفعيلة الست التي تتمحور حول “السوريين”، أي: السوريون 1 ــ فايتون سوري ــ السوريون 3 ــ السوريون 4 ــ مدافن بيبلوس ــ وأولى الخطوات؛ لتلعب هذه النصوص دور إكمال دائرة نقل الموضوع من جمود الواقع الذي يمضي، إلى حركية الجريان الذي يأتي بالقدر الذي يمضي فيه.

ويؤكد الوهايبي ذلك في إتْباعه لقصائده ونصوصه، بخواتيم تدور لتكون فاتحة المجموعة. في البنية العميقة لهذه المجموعة، تحلق الكلمة بإيقاع وموسيقى أجنحة تفعيلتيْ “مستفعلن”، “فاعلاتن” ومجازاتهما، لتلبس ثياب وأقنعة التخليق وتتمثل بصوره. وثمة تشابك في الخيوط التي تصل بين زمن ماضي قباطنة المتوسط الفينيقيين، الأمويين، وزمن حاضر جثثهم على شواطئه، لتخلق مهرجاناً شعرياً لفعل الكتابة في لملمة نثار أجسادهم، بأيديهم نفسها التي خلقت عناصر انبعاثها، بأحفادها المتخلقين الممتدين بيوت شعر وشعراء من مدنهم السورية الأولى حتى قرطاجة فالقيروان فأوروبا…

وفي هذه البنية العميقة تمر كأمثلة، تقصر عن عرض ما يتخلق في المقام الضيق لهذه القراءة، صورُ التهجير ومعانيه على دروب أوروبا، وبحار غرقها وصهاريج خنقها المتقاطعة مع مأساة صهريج غسان كنفاني، وصور ما يجري من مجازر في معتقلات تدمر وصيدنايا، وصور حياد وخوف وتجاوب شعراء المشهد الشعري السوري الذين خبرهم الشاعر، مثل:

“قل!

هل كان ينقص صاحبي ممدوح عدوانٍ

سوى تربيعة الشطرنج؟

يضحك أو يجلجل مثل شلال..

وكنت أقول:

لِمْ أعطيتَ سيفك لابن ملجم؟ لِمْ؟

أكنتَ الخارجيّ عليهم قبل الأوانِ؟

وكيف لم ينبسْ عليٌ؟ كيف؟”.

أو مثل: “حيدر حيدرٍ/ ساءلتُ عنه البحرَ، في طرطوسَ…/ كان البحر مشغولاً بسوسنه/ يربيه على مهل../ وحيدر كان مشغولاً بتربية العجول..  /وربما أيضاً بتضميد الفراغِ/ لعله هجر الكتابة هكذا؟”. أو مثل: “عبد القادر الحصني…/ قل!/ أهربتَ كالحيوان من ضيق وضائقة.. /إلى جبلٍ../ هنالك في السماء معلقٍ؟”. أو مثل: “أدونيس/ في بستان قصابين مشغولٌ/ يرتب بيته الأبديَ:/ بيت يستريح إلى حجار الصيف../ مؤتمناً على أسراره…/ هل كان يبذل ضائعاً/ من أجل هذي اللانهاية؟ِ/ ربما هي حلمنا!  /لكنّ ما نبنيه سجنٌ”.

وغيرهم العديد من الشعراء والكتاب مثل سنية صالح، علي الجندي، محمد الماغوط، نزيه أبو عفش، والكثير الكثير من الأسماء التي تغني تلاقح القصيدة مع مختزنات ماضي جيناتها مثل المعري والمتنبي ورفائيل ألبرتي، ونيتشه. وكذلك ما لا يعد من عناصر توليد الحياة في الكلمات، وأسماء البشر، والحجر، والأشجار، والأنهار، والأماكن إلى درجة “صيفٌ دمشقيٌ../ مشيت أنا وروزا.. الظل مضطرمٌ.. /بنظاراتها الشمسية السوداءِ،/ تجري الح(ا) مديةُ في خيوط من زجاجٍ ذائبٍ!/ لابد من “ألف” لها/ ليكون لي مفتاحُها”.

وختاماً، نحاول أن يكون لائقاً بما، ومنصفاً لما، اختتم وافتتح به الوهايبي مجموعته “السوريون”، بالرفع دائماً، يمكننا القول بثقة أنها عمل شعري فريد، لا يعيد لشعر التفعيلة ألقه الذي يعاني من الخسوف، في سماء غلبة قصيدة النثر واحتلالها شوارع وأزقة وساحات المشهد الشعري، دون تقليل احترام لصناعها القديرين، فحسب؛ بل يزوّد القارئ والمهتم بفعل الكلمة أيضاً بقاموس إحيائي للكلمة، في اختيال مشيتها، وإيقاعات رقصها، وإذهالات تحولاتها.

المنصف الوهايبي: “السوريون”

دار آفاق ــ برسبكتيف للنشر، تونس 2016 

214 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية