محادثات وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا: طريق السلام ما زال مسدودا

فالح الحمراني
حجم الخط
0

على خلفية مواصلة روسيا ما تطلق عليها «العملية العسكرية» في أوكرانيا، تتحرك الدبلوماسية بصعوبة وتضع خطواتها الأولى لإيجاد تسوية سلمية مقبولة من الطرفين. فبالإضافة إلى عملية المفاوضات التي اتخذت بيلاروسيا مقرا لها، ومحادثات وزيري خارجية البلدين في أنطاليا التركية، لم تفقد العديد من القوى الدولية الأمل في الحل الدبلوماسي، من أجل وقف إراقة الدماء ووقف التدمير والهجرات الجماعية للسكان سواء لدول أوروبا أو روسيا الاتحادية. بيد أن تصريحات ممثلي البلدين تنم عن أن الطريق ما زال مسدودا وان كليهما يتمسك بموقفه المعلن، ويرفض المساومة على الرغم من الخسائر التي تلحق بالطرفين. وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت عن خسائر الجيش الروسي في أوكرانيا. وتم الإبلاغ عنها رسميا مرة واحدة فقط، في الثاني من اذار/مارس. ووفقا لوزارة الدفاع، قُتل حتى ذلك التاريخ 498 جنديا روسيا وأصيب 1597 بجروح. وبلغت خسائر الجيش الأوكراني، وفقًا للبيانات الروسية، قُتل أكثر من 2870 شخصًا، وأصيب حوالي 3700 وتم القبض على 57.

من دون نتائج

وفي سياق الحراك الدبلوماسي انعقدت في أنطاليا التركية مفاوضات على مستوى وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا بمشاركة مولود جاويش أوغلو وزير خارجية تركيا التي كانت بمثابة وسيط. وكان أوغلو التقى قبل الاجتماع الثلاثي بشكل منفصل مع سيرجي لافروف وديمتري كوليبا.
ولأول مرة جلس وزيرا خارجية روسيا وأوكرانيا إلى طاولة المفاوضات. وبناء على تصريحاتهما في مؤتمراتهما الصحافية، فإن المباحثات لم تنجح. ولم يتوصل الوزيران إلى أي اتفاق، وبشكل عام يتبين من كلامهما أنهما تحدثا عن أمور مختلفة. وكانت النتيجة الإيجابية الوحيدة انعقاد اللقاء. وقبل بدء الاجتماع بين لافروف وكوليبا، دعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى «عدم انتظار المعجزات» من المفاوضات. واكتفى بالإشارة إلى حقيقة أن المهم هو أن «الاتصالات بدأت على هذا المستوى».
واقتصرت المفاوضات في السابق بين البلدين على اجتماعات وفديهما في بيلاروسيا، التي لم تمثل فيها سلطات كل من روسيا وأوكرانيا على أعلى مستوى دبلوماسي، وربما هدفت محادثات لافروف وكوليبا إلى تعزيز وحتى تطوير النجاحات المتواضعة التي جرى أحرازها.
يشار إلى أن روسيا تشترط، ربما إعلان إلقاء الجيش الأوكراني لسلاحه للدخول في مفاوضات جادة مع القيادة السياسية، وحدد الوزير الأوكراني أهدافه بوضوح في المؤتمر الصحافي، وقال إنه يريد تنظيم ممر إنساني من ماريوبول المحاصرة، وكذلك الاتفاق على هدنة لمدة 24 ساعة على الأقل. ووفقًا للوزير الأوكراني، فقد كان مستعدا للاتصال الفوري بالأشخاص المعنيين الذين سيقررون وقف إطلاق النار، واقترح على لافروف أن يفعل الشيء نفسه. ولكنه حسب كوليبا، لم يرد. وقال الوزير الأوكراني «آمل بصدق أن يتصل الوزير لافروف بأولئك الذين يتخذون مثل هذه القرارات في روسيا، وسيظل الممر الإنساني يعمل». وحسب قوله لم يهدف لافروف للتوصل إلى أي اتفاقيات. «لقد جئت (إلى الاجتماع) كوزير للخارجية، وتم تكليفي بالبحث عن طرق لحل المشاكل واتخاذ القرارات» قال كوليبا، أما لافروف فقد «جاء ليستمع».
وأشار لافروف بدوره إلى أنه لن يناقش الهدنة. موضحا: «لم نأت إلى هنا لاستبدال مسار المفاوضات الذي أنشأه رئيسا روسيا وأوكرانيا والذي يجري على الأراضي البيلاروسية. حيث هناك تتم مناقشة القضايا العملية، وهناك يتم شرحها بأكثر الطرق تفصيلاً وما يجب القيام به لإنهاء هذه الأزمة».  وحددها الوزير الروسي بنزع السلاح، وتطهير الدولة مما تعتبره روسيا «المنحى الفاشي» للحكومة، وضمان الوضع المحايد لأوكرانيا، وعدد من الأشياء الأخرى. وعلى هذا النحو حذر لافروف من أنه من وجهة نظر روسيا الاتحادية، فإن المفاوضات في بيلاروسيا هي الرئيسية ولا ينوي الكرملين «خلق منبر مواز، كما يريد الجانب الأوكراني على الأرجح».
ومن بين أمور أخرى، أشار لافروف إلى أن المحادثات في بيلاروسيا تناقش إمكانية إجراء مباحثات بين الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي. وقد اقترح الرئيس الأوكراني مرارا أجراء مثل تلك المباحثات، وأشار لافروف إلى أن الرئيس بوتين لا يرفض إجراء مفاوضات مع نظيره الأوكراني، ولكن قبل اجتماع الزعيمين يجب القيام بالأعمال التحضيرية. وأكد وزير الخارجية الروسية أن موسكو تؤيد إجراء أي اتصالات بشأن الأزمة وتطوير سبل الخروج منها. وبدوره قال مساعد مكتب الرئيس الأوكراني إيغور جوفكفا في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» في 10 آذار/مارس إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مستعد لإجراء مفاوضات مباشرة مع نظيره الروسي بوتين من خلال وسطاء دوليين. موضحا في الوقت نفسه: «أن كييف لا تنوي تقديم أي تنازلات في عملية التفاوض». وإن رئيسه مستعد للتحدث مباشرة مع بوتين من خلال وسطاء دوليين، «لكننا لن نقدم أي تنازلات بشأن الموقف الروسي خلال هذه المفاوضات».
في الوقت نفسه، حدد كل من لافروف وكوليبا ما لم توافق عليه قيادة بلديهما، أو على الأقل لم ترغب في القيام به. وضمن هذا السياق قال وزير الخارجية الروسية إن موضوع الحرب النووية يتم طرحه من قبل الغرب وليس في روسيا. وانه لا يعتقد أن مثل هذه الحرب ممكنة. وقال: «لا أريد أن أصدق ذلك ولا أصدقه». ويرى كوليبا أن بلاده لن تستسلم. وأكد أن «أوكرانيا لم ولن تستسلم». ووصف الوزير الأوكراني المفاوضات التي عقدت في الأرض التركية بإنها كانت معقدة.
وكان الخبراء في موسكو قد وضعوا الرهان على أن الاجتماع الذي عقد بمبادرة تركية، سيؤدي إلى مناقشة القضايا التي لا يمكن حلها لسبب أو آخر في المفاوضات التي تجري في بيلاروسيا، على مستوى رفيع، والكلام يدور عن المشاكل والمقترحات وحتى المطالب التي أعلنتها روسيا. وحسب تقديرهم فأنه وعلى الرغم من أن لافروف صاغ رأيه في شكل دبلوماسي فإنه لمح إلى أن المبادرة التركية في اللحظة الراهنة لم تسفرعن نتائج تذكر وبالأحرى إنها فشلت. وهذا ينطبق أيضا على إمكانية لقاء الرئيسين بوتين وزيلينسكي على المدى القريب.
أما بالنسبة لمواصلة عملية المفاوضات البيلاروسية، فيعتقد المحللون أنها ستستمر على الأرجح «ولكن مع تعديل موقف أوكرانيا، ما سيجعلها بطيئة للغاية، وتطيل الوقت لتنفيذ مقترحات الهدنة، وهكذا: تبقى كييف تعقد الأمل على أن الغرب سيظل يقدم المساعدات».
وعلى هذا النحو يبقى الحرك الدبلوماسي قائما في المنبر البيلاروسي، ويعتمد استمراره على الرد الذي ستحصل عليه موسكو على شروطها التي طرحتها على الجانب الأوكراني لتسوية النزاع سلميا، وبغيره فمن المتوقع أن تستمر العمليات القتالية في أوكرانيا بكل مما فيها من تداعيات محلية ودولية.

وسطاء دوليون

انضمت الصين لأول مرة على أعلى مستوى إلى المباحثات المتعلقة بأوكرانيا. وبهذا الصدد ناقش الرئيس الصيني شي جين بينغ الوضع في أوكرانيا بالهاتف مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولف شولتز. ولم يتم الإعلان عن اتفاقيات محددة. ولاحظ المراقب السياسي في صحيفة «كوميرسانت إف إم» دميتري دريز، حدوث تغيير تدريجي في مواقف كل من روسيا وأوكرانيا. فقد عقدت الجولة الثالثة من المحادثات الروسية الأوكرانية في بيلاروسيا، وستكون هناك جولة رابعة. وانفتحت الممرات الإنسانية مع الانقطاعات، ولكن هذا تقدم كبير على هذا المسار. وأجرى رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي مقابلة مطولة مع قناة «آي بي سي» قال فيها إنه فقد الاهتمام بحلف الناتو، وانتقد الغرب بشدة – فالحليف الرئيسي له لا يمكنه إغلاق أجواء أوكرانيا، ولا تقديم المساعدة بالطائرات، بسبب مصالحه التجارية الخاصة.
كما تحدث الزعيم الأوكراني عن استمرار عملية التفاوض مع روسيا وجدد إنه مستعد فقط للحوار، وليس للاستسلام. ويمكنه مناقشة الكثير، بما في ذلك وضع شبه جزيرة القرم ومستقبل الجمهوريتين الانفصاليتين، ومن الملاحظ أن مطالب موسكو قد تغيرت أيضا إلى حد ما، حتى من حيث الصياغة نفسها.
ويلفت المراقبون النظر إلى بيان الحزب الرئاسي في أوكراينا «خادم الشعب» الذي اقترح وثيقة أساسية جديدة حول مستقبل الدولة الأوكرانية لتحل محل مذكرة بودابست المعروفة. ويتمحور مضمون البيان على أن كييف تتخلى عن الانضمام إلى الناتو وإنها مستعدة لمناقشة تمتعها بصفة الحياد، لكنها بحاجة إلى ضمانات أمنية. ويجب أن يتم توفيرها في المقام الأول من قبل جيران أوكرانيا، بما في ذلك تركيا. ويجب على روسيا أن تعترف مرة وإلى الأبد باستقلال أقرب جيرانها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية