لن يكون ممكنا التورط في الحديث عن حق الشعوب في التفاعل على مسارح الكون، بمعزل عن مشروعية امتلاكها للمؤهلات الحضارية، التي تُخوِّل لها فرص انضمامها الطبيعي إلى مكونات هذا المسرح المتميز بحركيته وتحولاته، انسجاما مع توالي الإبدالات الجديدة، التي تتدخل بصورة مباشرة، في إضفاء دلالاتها على مفهوم «المؤهلات الحضارية». ومن المؤكد أن وعي الشعوب بحتمية تحول الإبدالات الحضارية، خطوة أساسية باتجاه الانتقال العملي إلى مرحلة تحيينها، عبر تفعيل ترسيماتها النظرية، كي تأخذ تدريجيا شكل وقائع حية، مادية وملموسة، ينعكس منجزها على إيقاعات المعيش.
وهنا تحديدا، تحضر المفارقة الصادمة، المتمثلة في مستويين أساسيين من مستويات التكتلات الحضارية، حيث ينصهر أولهما في حركية زمن مسكون بهاجس التجاوز، ومنفتح على ما تطرحه آفاق التحديث من أسئلة تقنية، قد تبلغ منتهاها، في ابتكار أبشع الوسائط العسكرية، القادرة على تعريض شعوب كاملة لأكبر قدر من الخراب والدمار. فيما يظل المستوى الثاني من هذه التكتلات، مراوحا مكانه، وحبيس مفاهيم متلاشية، عفا الزمن على كل ما تعتد به من خطابات، وقيم، وشعارات، كما هوالشأن بالنسبة لشعوبنا المنسية في براري وصحارى شرقنا المتوسط وغربه.
والجدير بالذكر أن جهل هذه الأخيرة بجوهر المفارقة، سيؤدي لا محالة إلى تعميق الهوة بينها وبين آليات عالم جهنمي ينهمك دونما كلل في بناء تكتلاته على أساس انتقائي، تُراعى فيه وحدة التطلعات المستقبلية لدى فرقاء وشركاءَ، غير مهتمين مطلقا بالأفق الإنساني، قدر اهتمامهم بتحويل الكون قاطبة، إلى مجال لا متناه لتجارب لا متناهية، من جهة انفصالها التام عن عالم المثل، وعمَّا يدور في أفلاكه من قيم.
إن الأمر هنا يتعلق بتيار الحداثة المركزية، الأكثر حلكة وسوداوية، والمزهوة بتنصلها من الالتزامات الإنسانية، ومن تعاقداتها التشريعية والفكرية. فمن خلال جرد سريع، لغير قليل من المحطات الكارثية، التي تختبر فيها حداثة الشر قدرتها التقنية على الفتك، سيتأكد وبالملموس، أنها بصدد ابتكار إبدالات مضادة للمفاهيم المكرسة عادة للبناء الحضاري، ذلك أنها ترى فيها عائقا حقيقيا يحد من انفجارات ابتكاراتها المتعددة الأبعاد، التي تحتل فيها الخوارزميات الرقمية مركز الصدارة، لاسيما وأنها أمست شبيهة بكائنات خرافية مستقلة بذاتها، ومقبلة إلينا من عمق الهوامش المجهولة للفاعلية العقلية. ونعني بها الفاعلية المريبة التي كان العقل في مراحل مبكرة من تجاربه الرقمية، يمارس بها حماقاته بعيدا عن الأنظار، قبل أن تتحول تدريجيا إلى ممارسة مركزية، يراد بها هدم الجدار الفاصل بين الزمن الافتراضي، والزمن الواقعي.
فمن هذا المنطلق المعزز بنواياه الهيمنية والإقصائية، ستغادر لعبة التدمير والقتل الإلكتروني زرقة الشاشات، كي تعيث خرابا في جغرافياتها التجريبية، المنتقاة بعناية فائقة من واقع شعوب، تبدو غائبة تماما عن أسئلة الراهن الكوني، وغارقة بدل ذلك، في ظلمة ذواتها المتقادمة، الضاربة بجذورها العميقة في تربة العقم. ومن بين أهم الحقائق التي يمكن أن تمدنا بها تقنيات ألعاب الفيديو، التي أمست تحتل مساحة شاسعة، في أوراش وأسواق الصناعات الإلكترونية، هي قدرتها الهائلة على استقطاب مختلف الشرائح العمرية، والثقافية، بحكم تنوع مجالاتها، وأيضا بحكم قابليتها على التكيف مع ميولات زبائنها، ذلك أن هذا الضرب من اللعب، ليس في واقع الأمر، سوى التعبير الضمني عن رغبة جامحة وكامنة في صلب همجيةٍ واعيةٍ بمخططاتها. رغبةٌ مَرضِية ورعناء، تتحين فرصتها المؤاتية لتفعيل ما يعالج في دواخلها من شر.
إنها تبعا لذلك، متعة مُتخيَّلٍ يتلمس الطريق إلى واقعه الذي لم يعد مؤجلا، بقدر ما هو مندرج داخل برمجة محسومة سلفا. وبالتالي، فإن عوالم المتعة الموحية بانتمائها إلى أجواء الفرجة، هي في الأصل التعبير الرمزي عن مجال حقيقي لتفاعل بنيات ذهنية، ذات حضور حي وملموس في واقعنا المعيش، قوامه الرغبة في القتل، وذلك هو السر في تأكيدنا على جدوى اعتمادها مرجعا أساسيا في مقاربة الهمج، الموجودين بيننا في السر كما في العلن. وسيكون من الضروري، دمج ألعاب الفيديوالمختصة في ابتكار كل طرائق القتل والإبادة، ضمن هذا الإطار. فما يبدو أمامك الآن محض أشواط مؤقتة لتسلية عابرة، تنتهي مباشرة بكبسة زرٍّ من أصبعك الصغير، هو في واقع الأمر ترسيمة دمار مغرق في وحشيته، وجاهز للإطاحة بمكر ذلك الحائط الافتراضي، الذي تستأنس به جغرافياتنا المقهورة في تحصين فراغاتها، كي يعيث فيها خرابا، لا قِبَل للهمجيات العريقة بمكائده ونكباته.
وفي سياق إشارتنا لمأساوية المفارقة التي نحن بصددها، يقتضي تسليط الضوء على أحد بنودها الأساسية، إن صح القول، ومفاده أن المختبرات الضالعة في إقحام رهبوت الزمن الافتراضي داخل جغرافيتنا الواقعية، تنطلق في عملها هذا من الحلم بتحويل خوارزمياتها التجريدية إلى واقع، غالبا ما يكون جاهزا لتقبل تداعياتها الكارثية. أولا؛ عبر ما يتم تصنيعه من قطع غيار مؤهلة لإغراق الواقع في أشد الكوابيس فظاعة ورعبا. وثانيا؛ عبر توجيه مسارات هذه القِطعِ، باتجاه جغرافيتنا الغارقة في مستنقعات تنابذاتها العشائرية والطائفية والعرقية، والجاهلة حتما، بتداعيات الجحيم المتربص بفراديس أحلامها. باعتبار أن مصائرنا، أو بالأحرى صلتنا بالوجود – كما تقول المفارقة – تتحقق عبر مسار جد مختلف، ومتفرد بغرائبيته، حيث تتوقف علاقتنا بالواقع مبدئيا، عند حدود استثماره في تحقيق متعة إقامتنا الدائمة بين خمائل الحلم، بكل ما يعنيه ذلك، من نزوع جِينِيٍّ إلى سحرية الانطواء، بوصفها انتشاء روحيا بأحوال باطنية، لا دخل لها بالنوائب الافتراضية الواقفة على عتباتها.
أحوال، تجد تفسيرها في سيوف القهر المصلتة على رقابها، سواء من جهة السماء، أو من جهة الأرض، كما تجد تفسيرها، في استجابتها الدائمة، الآلية والعمياء للإنذارات المغلوطة، التي تتلاعب بها، داخل الجغرافيا أو خارجها، موهمة باحتمال تعرضها لخطر داهم، يتهدد وجودها الهوياتي. وكلها عوامل، تحول دون سماعها صرير انفتاح أبواب الجحيم على ما تبقى من بؤس واقعها، إن آجلا أو عاجلا. وبالتالي، فما من شيء يدعو للاستغراب من هذا الحياد القاتل، الذي تخيم برودته على أجواء جغرافياتنا، تجاه أطوار الإبادة الدائرة بالقطاع، أو بغيره من مدائن البدد. أيضا، لا غرابة في ما قد يعتبره البعض حالة قصوى من الخذلان، بعد التآكل المريع لمدونات القيم، التي طالما اعتُبرت الحجر الأساس لنصب خيام «الهوية!»، ونعني بها قيم العزة، والأنفة، والنجدة والكرامة، التي يفترض أن تتحقق بها فضيلة التقاسم الفعلي بين طوائف، وعشائر جغرافياتنا المريضة.
وبالنظر لإكراهات الضرورة التاريخية، التي تُلزمنا «حضاريا !» بركوب موجة التفاعل الحداثي مع الواقع، فقد أمسى من الطبيعي طي صفحة هذه القيم العتيقة إلى الأبد ، واستبدالها عن بعد، بتقنية التقاسم الرقمي السريع والعابر، ذلك أن «البُعد» هنا هو الشيفرة السحرية التي تغنيك عن سماع صرخات الضمير الممزوجة بنداءات القتلى، إذ تكفي الإطلالة العجلى على مشاهد القيامة الدائرة رحاها أمامك، ثم الشروع في إرسالها عشوائيا إلى أفراد عشيرتك المنضوين تحت لواء الشبكة، كي تفي بغرض تفاعلك الأخلاقي، والعرقي والعقدي، مع مختلف النكبات المتقاطرة عليك بسخاء من الجهات الخمس. وطبعا بمباركة أُولِي الأمر، الساهرين على فنائك هناك، حيث أنت الآن، في خلوتك المكشوفة المتاحة تماما لمحارق الأهل، كما لمحارق الأعداء.
شاعر من المغرب