الشبح: الاخراج يقود المشاهدين للتعاطف مع اصحاب السوابق والمجرمين!
القاهرة ـ “القدس العربي” – من كمال القاضي:
الموجة التي ظهرت مع بداية عام 2004 وأدت إلي تراجع سينما الكوميديا نسبيا وشيوع سينما الإثارة والأكشن كانت لها دلالة خاصة ينطوي معناها الأساسي علي محاكاة السينما الأمريكية دون محاولة الخروج قيد أنملة عن النسق الهوليوودي بشكله الفج ومبالغاته المعهودة، وقد شهدت المواسم السابقة صراعا محموما بين شركات الانتاج علي دور العرض والجمهور لترويج هذا النمط بعد العزوف عن أفلام الرومانسية والكوميديا، وبالفعل نجحت الدعاية في تثبيت الموجة الجديدة التي كان من إفرازاتها فيلم ملاكي اسكندرية، الرهينة، 54 يوما وغيرها، وعلي ضوء ما تم حصاده من الإيرادات شرع المنتجون في مد خيوط الاستغلال وبقيت الظاهرة متمددة إلي أن تمخضت عن تجارب أخري كان من بينها فيلم الشبح للسيناريست أحمد عبدالله والمخرج عمرو عرفة، وهو التجربة الأوضح في عملية التنويع علي سينما الساسبنس، و الشبح هو ذلك البطل الغامض محترف القتل والسرقة، والمتمرس علي كل أشكال الإجرام والعنف، نموذج يجسده الفنان أحمد عز حصان الرهان في الموسم الحالي وصاحب الرصيد الأوفر من الحسناوات بوصفه فتي الشاشة الجديد، يلعب عز دورا مركبا، حيث يقوم بتجسيد عدة شخصيات في وقت واحد، الشخصية الرئيسية لشاب فاقد الذاكرة يبحث عن تاريخه الفائت بين القاهرة والاسكندرية تطارده عصابة يتزعمها الفنان صلاح عبدالله، فيما لا يدري سعد أو أحمد عز شيئا عن سبب المطاردات والملاحقات، ذلك أن السيناريست أحمد عبدالله لم يشأ أن يفصح عن مكنون الأحداث وآثر الصمت أمام أشباح الإجرام والقتل وترك لنا الوقت والمساحة لندرك، بحواسنا السينمائية طبيعة الصراع الدامي بين الرجل المجهول، مقطوع الصلة بالواقع وأولئك المجرمين الذين يطاردونه في كل مكان، ويحيلنا المخرج عمرو عرفة الي مشاهد الفلاش باك لنتعرف علي الخلفية الحياتية لذلك الشخص الغامض فنراه في أكثر من صورة، مرة جواهرجي ومرة لص وأخري هجام، شخصيات متعددة المستويات والثقافات وألوان الانحراف نخلص منها الي أن البطل الذي يريدنا عرفة التعاطف معه هو صاحب سوابق ضالع في ارتكاب الجرائم غير انه فقد ذاكرته ايضا اثناء هروبه من المحكمة إثر تراجعه عن لعب دور القاتل في جريمة لم يرتكبها لصالح واحد من أبناء رجال الأعمال يدعي أسعد أبو جريشة مقابل مليون جنيه، وطبقا لما هو وارد في السيناريو يشير الكاتب الي سيطرة رأس المال وعمليات المقايضة التي تتم بين الشخصيات الهامشية البسيطة ورجال الأعمال علي رهن المصائر والأعمال لقاء المال، وهي الإدانة الصريحة لسياسة الاستثمار وعبودية اصحاب النفوذ والثراء الفاحش، حيث المعني أكبر من الحدوتة التي تدور حولها الأحداث وتنصب فكرتها وتفاصيلها حول تشابه الاسماء بين سعد، أحمد عز اللص الصغير و أسعد ابن رجل الأعمال المجرم الحقيقي الذي يرتكب جريمة قتل ويهرب منها وهو يعلم أن هناك من يحمي ظهره ويشتري سنوات سجنه بالفلوس بعد أن أصبح شراء الذمم والضمائر والنفوس أسهل من شراء السلع التموينية، فاللص المحترف يقبل في بداية الأمر أن يكون بديلا للقاتل ويخضع لكافة إجراءات تغيير الاسم والهوية، بدءا من التزوير في الأوراق الرسمية ونهاية بالتزوير في تقارير التحاليل الطبية D.N.T التي تثبت نسبة لرجل الأعمال الكبير باعتباره ابنه العاق الذي يسعي بنفسه لتسليمه ليد العدالة، وبين العدالة والنذالة تستمر الأحداث وتنتقل الشخصيات من واقع لواقع آخر جديد، إذ يسافر البطل إلي الاسكندرية هربا من العصابة فيلتقي بفتاة شعبية فقيرة تقع كالعادة في حبه من أول نظرة زينة وتتردد عليه في شقة صديقه محمود عبدالمغني، الجرسون الذي تعرف عليه صدفة فصار عونا وسندا له يتصدر الأخطار ويحميه برقبته علي طريقة أبناء الاسكندرية برغم حداثة العلاقة وهشاشتها، وكذلك الحبيبة تندفع في حب جارف غير مأمون العواقب دون حذر أو توجس، بما يعكس الإحساس بافتعال العلاقات والمشاعر بين الأبطال، حيث لا تعتمد التضحيات التي يقدمها المتعاطفون مع البطل علي روابط انسانية حقيقية مبنية علي خلفيات اجتماعية قوية تحتم التضحيات والمجازفة، خاصة أن العمر الزمني للعلاقة الثلاثية لا يزيد علي أيام معدودة هي بالطبع غير كافية لتقديم كل هذه المساعدات التي رأيناها، اللهم إذا اعتبر السيناريست أحمد عبدالله أن أكلة الكباب التي جمعت بين البطل وأنصاره عربونا متينا علاقة أبدية، وحتي هذه مشكوك فيها لأن مشهد العشاء الأخير لم يتم، فقد خرج الثلاثي، عز وزينة وعبدالمغني مذعورين خوفا من أن يكبس عليهم البوليس عند إحساسهم بالخطر!
لقد فشل السيناريست والمخرج علي السواء في إقناعنا بحميمية العلاقة ربما لأن الدافع فيها كان الرغبة في الحصول علي المال، لا سيما من جانب سعد و الجرسون والدليل أن الخطاب المتبادل بينهما لم يخرج عن معني الاستفادة والانتهازية ولذلك لم يكن منطقيا أن يقوم أحمد عز وأصحابه بتسليم المليون جنيه التي حصلوا عليها من العصابة بالخديعة إلي البوليس، كما لم يكن منطقيا أيضا أن يخرج صاحب السوابق المجرم فاقد الذاكرة من كل جرائمه سليماً معافي دون إدانة واحدة كأنه كان في نزهة خلوية وليس مطاردا، غير أن الأجـــدي من وجـــهة نــظري كـــان مـــقتل زعـــيم العصابة المـــوظف عبدالصمد صلاح عبدالله في إحدي عملياته الإرهابية ليذهب ضحية إجرامه وتخطيطه العدواني، بدلا من أن ـــيدخــــل السجن ويقضـــي عقوبة محــددة يخرج بعدها للحرية ليمارس نفس النشاط.
برغم كل السلبيات التي أشرنا إليها يظل للفيلم حسنة وحيدة هي التصوير فالمصور محسن أحمد تفوق علي نفسه في تجسيد حالات الغموض والرهبة والخوف من المجهول وابدع في تصوير مشاهد العنف والإثارة ولكن للأسف الشديد ذهب هذا جفاء فلم يوضع في السياق اللائق به وبقي التصوير عنصرا وحيدا في توليفة تحتاج للكثير من الإتقان وتفتقر للمنطق والإقناع.